تحدث عنا ، صديق تونس ، ادغار فور
قال :
نعم ، قد قال الرئيس ادغار فور Edgar Faure فى كتابه العظيم الحجم ، اذ فيه من الصفحات 691 صدر عنه مؤخرا ، وبالتدقيق فى موفى جانفى 1983 ،
بباريس ، ان (( بداية الشرق ، هى تونس )) يعنى ان هذا الرجل السياسى الممتاز والرجل العلمى والقانونى ، معا ، قد اخذ فى تأليفه هذا ، يخاطب الناشئة وكذلك الكهول ، بما وقع وحدث فى ميدان التاريخ المعاصر الواضح ، المستبين ، متحدثا عن أسرار الدولة وأسرار السياسة الفرنسية والدولية ، ومخبآت ومصادر الازمات ، عندما كان هو المسير لدواليب الحكم فى بلاده ، ان
لم أقل الماسك بشخصيته المحترمة بزمام احوال الجمهورية الفرنسية الثالثة والرابعة وهى تصارع اذذاك الامرين .
وفعلا ، لقد أصاب المؤلف المحز وطبق المفصل ، خصوصا عندما وصل الى الحديث عنا ، أقصد بذلك تونسنا ، فى أبواب جهادها وكفاحها الحقيقيين ، معترفا لنا ، بقلمه الفذ ، بالقومية والاصالة والعروبة المسلمة ، والحجة القاطعة نجدها فى الباب الاول من كتابه (( ذكرياتى الاولى 9) حين يقص ما هو الحق ،
عندما فر من ادغار فور من طاغوت النازية والفاشيستية فى نوفمبر 1942 ، تاركا وراءه وطنه ، قاصدا أرضنا التى آوته وأكرمثه ، شاهدا علينا ، هو وغيره من أصحابه ، مثل المحامى الشهير (( تكسييى فنيانكور )) Tixier Vignancour بما اتخذناه من اختيار العاجل على الآجل فى شأن تعلقنا بالحلفاء واجتنابنا لمعسكر المحور ، متجهين فى النظرة البعيدة الى الواقعية لا الى الكراهية .
فقد ذاق ذلك الرجل السياسى والعلمى المفكر ، حلاوة صدقنا فى القول والعمل ، وادرك - طبعا ، عن يقين ، افكاره - نزاهة مسعانا ، والحرب تجرى ادذاك رحاها فوق ترابنا ، مسعانا التى ترمى الى غاية واحدة جعلناها شعارنا : كرامة الانسان منذ وجد الانسان .
هذا ، وما يوم حليمة بسر ، كما يقول المثل العربى الصحيح ، حين أخذ المؤلف ادغار فور يتحدث لا عن احداث تاريخية ، فحسب ، قد كان عاشها وربما قد أثارها بمفعول مسؤولياته الحكومية والبرلمانية ، ولكن أخذ يعتنى بالتاريخ الذى لم يحصره فى مدة مجد فرنسا وعزها ، فى أيام ذروة غنفوانها الامبراطورى ، بل باسطا بحق شرح كان فى منتهى الايضاح والبيان ، ما حدث فى المدة المظلمة ، الصادرة عن همجية تضارب المواقف والازمات الحزبية بمختلف ألوان النزاعات حتى ... نعم ، حتى ادرك - عندما وصل الحديث عنا ، نحن ابناء تونس البررة - الروح الخماسية التى تتجلى فيها المبادى الانسانية والاجتماعية والثقافية وحتى الاخلاقية ، تلك الروح - روحنا - التى عززت فينا روح الوطنية التى عملت فى آن واحد - حسب اعترافه - لايقاد نيران الغضب وتشجيع المقاومة التحريرية التى انغمس فيها زعيمنا المفدى ،
الحبيب بورقيبه ، الذى خصص الكاتب لمواقفه الجليلة أكثر من صفحة نيرة لافهام العامة والخاصة ما حصل بينهما من التفاهم واحسنه بقصر (( ماتينيون )) Matignon مقر رئاسة الحكومة بباريس ، والاول فى الذكر ، كان اذ ذاك رئيسا لمجلس الوزراء والثانى ، ما هو الا ذاك المحامى المجاهد حتى الموت فى تخليص بلاده - تونس - من القهر واليأس والاغراء .
ادغار فور ، صاحب هذا التأليف بصفحاته 691 وأبوابه الخمسة وأقسامه 51 ، وان اطلق عليه العنوان (( ذكرياتى الاولى )) فقد أراد أن يرسم على الورقة الافتتاحية له، مع صورته ، ما كان اتخذه العالم الاقتصادى (( تورفو )) Turgot جوهرة القرن السابع عشر ، من قاعدة اختصرها فى قوله :
(( ... من ادعى بداوم الكمال ، فهو النقصان حقا )) . ولذا ، فاذا تأملنا بامعان فى هذا الكتاب الضخم من أول كلمته الى آخر سطر منه ، نصرح بدون توقف ولا تردد ، ان ادغار فور قد نجح ، بدون شك ، فى استخلاص ابرز المقدمات التاريخية الاصيلة ، الثابتة ، الراسخة فى الواقع الذى عاشه العديد منا ، أى فى استخلاص الميزات التى لا مفر منها لحرية الشعوب من خلال مشاركتها الفعالة فى خضم المعارك المباركة التى امتلأت من جراها القبور والسجون والمنافى بخيرة أولادنا .
وان شرفنا ادغار فور باختيار تونس عن بقية بلدان العالم ، عندما صعبت عليه الحياة وعلى بيته بفرنسا ، والماريشال بيتان Marechal Petain وبيار لافال Pierre Laval واذنابهم ، فى خدمة هتلر وموسولينى ، جاء الينا ،
الى سيدى أبى سعيد ، الى الحمامات ، الى نابل ، الى دار شعبان ، وكل فيه مقام وديع ، آمن أمين ، سالم سليم ، مقام عربى ، محمدى ، عرف فيه وفينا عن دراية ممزوجة بالخير وحسن القبول وطيب الضيافة ، القياس الدقيق عن مفهوم اسم تونس معدن الفضيلة .
691 صفحة ، كنت شخصيا محظوظا حقا ، عندما خصصت نفسى وفكرى ووقتى لمطالعتها جيدا ، هى - والله - سلسلة لا انقطاع فيها ، لذكريات يحق أن يطلق عليها ، انه على قدر أهل العزم تأتى العزائم ، حيث يتحول لقاء القارئ المهتم بفحوى الكتاب الى لقاء مع عنصر من أكبر عناصر اللغة الفرنسية والادب الفرنسى ، باعتبار نفس المؤلف ، ادغار فور ، مدرسة حية ، مفتوحة لمتابعة حقائق التاريخ فى فكر صائب ، وقلم صادق وذكرى راجحة . ولا غرابة حيث ان الكاتب ، الوزير ، البرلمانى ، العالم الاكاديميى ، فى اتصال أسباب كتابه هذا بأسباب المعانى الخالدة قد نطق فى الصفحة عدد 590 بالباب الخامس ،
بجملة تبقى بقاء الدهر ، متصلة دوما باتصال الزمان : (( . . . تونس الفوز الثانى ! )) ، نعم جملة اخترقت حجب آراء المغفور له ، صديق تونس الحميم ، الوفي ، الرئيس بيار منداس فرانس Pierre Mendes France تؤدى إلى ما سبق ان فاه به ادغارفور نفسه فى 22 فيفري 1955 من أعلى منبر مجلس الامة الفرنسى : -
(( ستقطع قريبا أغلال التبعية بين الدول ! )) والحجة عليه ، استرجاع سيادة تونس الى ابناء تونس ، وأيضا استرجاع عرش العلويين الاماجد الاشراف الى سلطانه المبرور محمد الخامس .
وختاما ، ولا تحسبونى مغاليا ، فان (( ذكرياتى الاولى )) بقلم ادغار فور ، الذى قل من لا يعرفه هنا وهناك ، هو ذلك الكتاب القيم الذى جمع فأوعى ، وفيه نعمت وفيه يتنعم كل قارى ، كتاب لم يكد يتأمل فيه التونسى بالمطالعة الجيدة ، حتى يبهر ويسهر بالحق الذى سجلته الصحائف691 والتى سردت الاحداث التاريخية المعاصرة بدون مجازفة ولا مغالطة .
ولذا باعتبار . . قاله المؤلف وكتبه فينا ، وباعتبار أيضا ما فعله معنا ، نحن أبناء تونس ، فالامر بالمعروف الذى يهز فينا ، الكهول والشباب ، أدق اعلاق الشعور ويستفز كوامن الاحساس ، يسمح لنا ، أن نقول لادغار فور ، صديق أيام الشدة والمحنة : (( ... لكم الشكر وجزيل الشكر ! )) .
