يقع في ٢١٥ ص من الحجم المتوسط . وفي كل صفحة ٢١ سطرا . بخط التعليق ) الفارسي ( الجميل . قليل الاخطاء جدا ان لم يكن خاليا منها الكلية . فرغ مؤلفه من تأليفه فى القسطنطينية كما يقول فى ختامه فى ٢٦ ذى القعدة سنة ١٢٠١ ه . وكتب هذه النسخة محمد فتح الله البخارى الكاشغرى القمولى الحنفى فى المدينة المنورة بالمدرسة الاوزبكية فى ١٧ شوال سنة ١٢٩٥
ألف هذا الكتاب الشيخ عمر بن عبد السلام الداغستانى المدنى . وعبد السلام والد المؤلف مدرس عن مدرسي المسجد النبوى الشريف على ما يرويه ابنه وقد اسمى الكتاب باسم مسجوع مختتم بالراء . على نحو ما فعل سابقوه فى هذا الصنيع ، منذ ألف الثعالبى فى القرن الرابع الهجرى كتابه فى تراجم معاصريه الادباء والشعراء ) تيمية الدهر ( . واسم كتاب صاحبنا هو : ) تحفة الدهر ونفحة الزهر فى اعيان المدينة من أهل هذا العصر ( .
والكتاب مسجوع من أوله الى آخره ، جمع فيه كاتبه تراجم أربعة وخمسين عالما وشريفا واديبا من أهل عصره ومصره . ويبدو أن عصره هو القرن الثانى عشر الهجرى .
وقد لاحظنا ان المسمى لايطابق الاسم من جميع الوجوه ، فقد ادمج فيه تراجم لحجاربين وغير حجازيين ، من غير المدينة المنورة
وليس فى الكتاب ذكر لميلاد احد ممن ترجم لهم ولا وفيانهم شان ، تيمية الدهر وما شاكلها ، ما عدا السيد جعفر البرزنجي الذي جاء تاريخ وفاته عرضا فى ختام قصيدة لاحد رثاته ، وليس فيه ذكر لملامحهم وطرقهم فى العلم والادب والشعر . ولا عناية بآثارهم الأدبية والعلمية اللهم الا نبذا ترد عرضا فى بعض التراجم وانما قد خشى بمالا اتورع - وانا مضطر ان اسميه التطبيل والدعاية لادبهم وعلمهم وحسبهم ونسبهم ، وإيراد لمقتطفات من نثر بعضهم المسجوع ولمقطوعات ومساجلات وموشحات ومطرزات من اشعارهم ، الى مقارنة بسيطة لها باشعار من سبقوهم الى المعانى التى طرقوها أو من اقتبسوا منهم أو ختلسوا
والكتاب من هذه الناحية صورة صادقة لمنحي التفكير السائد فى ذلك العصر تجاه العلماء والأدباء والعلم والادب والحسب والنسب .
والمؤلف واسع الاطلاع على الادب القديم ، وقد نراه يتقمص روح الناقد الخبير فى بعض الاحيان فيصيب المرمى . كما انه يغرق فى بعض الاحيان فى مستنقعات المجاملة والتطبيل والتزمير لنتاج ضئيل حتى يفقد القارئ وجوه التأويل المتزن لما يقول .
وسنورد فيما ياتى ملخصا وجيزا لترجمته لكل من تحدث عنهم مع رأينا حيال نقد ذلك فى طليعة من ترجم لهم العالم السيد جعفر البرزنجي ، وهو صاحب المولد النبوى الشهير فى العالم الاسلامى . وقد نوه المؤلف بانه كان يقرض الشعر وانه كان فى مستوى عال من النثر . واورد له نبذة من النثر مسجوعة لم تكن فى رأينا إلا نموذجا صادقا لأدب عصره
وففاه بترجمة لاخيه السيد على البرزنجي ، وهو من العلماء الذين يميلون الى قرض الشعر وقول النثر . وله قصيدة فى المناجاة مستهلها :
ما الحب ما السلوان واحد بل ما خلى هوى كواجد
وهي قصيدة طويلة ؛ فقهية السمات والقسمات ، يلوح عليها طابع عصرها من كل النواحي
ثم ترجمة للسيد محمد البرزنجي مفتى المدينة وهو ابن اخيهما كما يقول ومستوا فى الشعر والنثر لا يعدو مستوى من تقدم ذكرهما الا انه اوسع مجالا وارحب فناء من صاحبيه ، فقد سجل لنا آمال جيله فى قصيدة طويلة امتدح بها يوسف باشا محافظ المدينة فكان بما قال فيها وهو يخاطب المحافظ :
ونحن فى مصره نرجوه يوف لنا كيل الرفادة انعاما . وبندره ) ١ (
يجعل لنا فيه خيرات نعيش بها دهرا وابناؤنا من بعد تذكره
الامة لا تعمل لصالحها شيئا اذ ذاك بل هي عالة على الحكومة فى كل شيئ فما على الحكومه اذ ذاك الا ان تغدق المبرات والخيرات على الشعب انعاما
منها ليعيش هذا الشعب من فضلات الحسنات دهرا وليعيش ابناؤه من بعده كذلك من ذلك الفتات
ويقدم لنا المؤلف ترجمة السيد جعفر البيتى ، والتراجم هنا ليست بمعناها العلي الصحيح تحديد مميزات المترجم وذكرا ختصاصاته وسماته التى تميزه وملامحه وآرائه فى العلم والأدب والحياة ورسمه كشخصية فنية او علمية ، وانما هي سيل جارف طاغ من فضفاض النثر المتكلف المسجوع الذى يجعل فيه المتحدث عنه آية فى كل شئ وباقعة الأوان فى كل ميدان وسحبان الزمان فى كل مجال الى آخر هذه الاوصاف العامة التى قلد بها امثال مؤلفنا صنيع صاحب اليتمية . اسوة امثاله السابقين وبذلك ارهقوا انفسهم واتعبوا اقلامهم ولم يأتوا لنا بشئ مفيد عمن يترجمون لهم ، بل انهم تركوهم اغرق ما يكونون فى بيداء الجهالة بالنسبة لحقيقة علمهم اودبهم او سيرهم . لانهم قالوا كل شئ الا عن هذه الاشياء .
وعلى هذا الصنيع نفسه جاءت ترجمة الشاعر الفحل المجدد السيد البيتى فجة لا تنبض بالحياة ، ولا تعبر فى شئ عن ادبه السامى وروحه الفياضة وشعره القوى الآسر .
وكل ما يفهم من قوة شاعريته وخصب قريحته انما يفهم من مطالعة نتاجه الذى اورده صاحب الكتاب فقط ، وان الاوصاف التى قلده بها المؤلف هى اقل او مثل الاوصاف التى قلد بها من لا يلحق بغباره ، من ادعياء الشعر والأدب
وابن اخي السيد جعفر . المسمى بالسيد علوى مترجم فى هذا السفر ايضا ، ويبدو من مطالعة شعره أنه موهوب نوعا ما ولكنه دون مستوى عمه بكثير . ويمتاز ادب السيد جمل الليل بطلاوة الاسلوب فى نثره المسجوع ، ويدل على ذلك قوله من رسالة له الى صديق :
اعرض على ذاتك ، حر س الله جمالها ، وزاد بهجتها وكمالها إني اطلقت أنامل فكرى لالتقاط هاتيك الدرر ، واقتطاف جورى ) ١ ( ذلكم المحيا البهي الغرر . وتأملت فى صحيفة البداعة التى عقد مدادها من لآل . ونبت يراعها فى نبات
نبيل تجرى من يديه جداول الافضال فاذا بآيات مدح هي منك وفيك ، وبنيات ملح على خطب لم استمنح دررها الامن فيك ، الخ الخ
اما شعره فهو من النوع التقليدى السائد اذ ذاك . ولأخيه السيد زين ترجمة فى الكتاب مسهبة . واذا غربلنا ادبه نثرا وشعرا - برغم ما اضفاه عليه المؤلف من صفات السمو والابداع - فاننا نجده ابن عصره وكفى . ويبرهن على ذلك مستهل قصيدته :
أغادة من خود حور الجنان تتيه اذ ماست فنسبى الجنان
فاى ابداع او متاع او جمال فى هذا المطلع ؟ ان سمات التكلف والجمود تتجاوب فيه حقا ، وتتراقص .
وللسيد ابراهيم الأمير ، وهو معاصر للمؤلف وصديق له أثير ترجمته ضافية وقد ألبسه حلة فضفاضة من الشاعرية فوق مستواه حينما قال عنه : ) اما الشعر فهو بحر ابحره . وثاقب درره . نظم منه ما تود الجوزاء ان تكون له كلاما . واصبح فى افانين المحامد وفنون المكارم اماما ( .
وشاعرية السيد الأمير ليست مطلقا فى هذا المستوى الرفيع الذى وضعه فيه المترجم ، ولكنها شاعرية سلسلة طيعة لا بأس بها ، إذا قورنت بزميلاتها ، ففي شعره انسجام وطلاوة . بعض الشئ ! ومنه قوله :
سنايا العطايا من سنا البرق تشرق وفيها لراجيها اسير ومطلق
وزهر رياض الحي ابرز نورها وانوارها مزن بها يتدفق
طليعة آلاء ، تباشير منة وميض ابتسام عنده القلب يخفق
وقوله من اخرى :
عرج على رمل العذيب وكثبه وحذار من لحظات اعين سربه
واذا مررت بضال وظلاله فهناك غاية ما اروم فعج به
وله قصائد أخرى ركيكة ، وتنزلت عن المستوى الذي اشرنا اليه آنفا . وقد بدا فيها التكلف المقيت ، الذى يتمثل فى التزام البديعات من جناس وغيره .
والسيد ابراهيم الامير يمانى صنعانى هاجر من صنعاء إلى الحرمين . فتارة يكون بمكة وتارة بالمدينة . وله ابنان اديبان احدهما السيد على والاخر السيد
يوسف . وقد ترجما لهما الشيخ الداغستانى معا ترجمه ضافية بالنعوت الضخمة . ولا غرو فهما نجلا صديقه الاثير
وقد أورد نبذا من منظومهما ، الذى يبدو انه يحمل ازهارا من اناقة شعر والدهما ورقته وانسجامه .
ويترجم فيمن يترجم ، السيد عبد المحسن مقيبل العلوى ، وهو شيخ صوفى يقول فى شعر التصوف مالا بحث لنا فيه هنا ، وشعره من شعر رصفائه فى هذا الباب . اسلويا وهدفا واتجاها
وللسيد عبد الله أسعد احد اجداد صديقنا السيد ولى الدين أسعد ترجمة فى الكتاب ، وهو ممن يقول الشعر . وشعره حن ولكنه مطبوع بطابع عصره وليس دونه مكانة ولا مستوى . وقد اخبرنا المؤلف انه جرت بينهما مساجلات . وأورد فى كتابه واحة منها .
اما السيد بدر الدين الحسينى البخارى اصلا المدنى ، فهو شاعر من الطراز الرابع ) ١ ( ، وقد احسن المؤلف فى ايجاز ترجمته . وان كان اضفى عليه فى هذه الترجمة الوجيزة التى لم تتجاوز بضعة اسطر من الاطراء مالا قبل له به مطلقا . ويبدو أن السيد محمد سعيد الدسوقى الحلبى كان فكها خفيف الظل والروح فقد قال عنه الكاتب انه : " سلوة الاحزان وبهجة الدمان وصاحب النوادر المطربة ، ومنها قوله :
وشاعر اثقلني يالينه فى الهاوية
كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية
النسفعن
وقد اعجبت هذه النكتة التضمينية اللطيفة المؤلف ؛ فأتى لها بامثال قديمة ؛ وبشواهد مماثلة منها قول عبد الواحد الرشيدى فى نائب :
قلت للنائب الذى قد رأينا معايبه
لست عندى بنائب انما انت نايبه
وهذا السيد شاهين الحسيني الشدقي ، يجعله المؤلف في مصاف الادباء
المبرزين . وقد بدا لنا من تلاوة قصيده انه ليس فى ذلك المقام الرفيع فهو كنظامي زمانه الذين اسماهم المؤلف شعراء الجوزاء
وللسيد سهل العلوى ترجمة مسهبة فى الكتاب ، ) وله خط ابهج من خماخم ) ١ ( الريحان . ونظم يكتب فى جبهة الجودة بماء العقيان فاما ان خطه ممتاز وفائق ورائق فهذا لا سبيل لنا لاقراره أو نكرانه لاننا لم نشاهده وأما هذا الشعر الذي أورده المؤلف من نظمه فهو لا يكتب مطلقا فى جهة الجودة ولا فى صدرها . . وإليك فاسمع :
أليس هذا من نوع الحديث العامى المبتذل ؟ وإليك أيضا فاصغ :
اترى مريض هوا كم تعدوه أم هل عسى بوصالكم نعدوه
أو ليس هذا من الكلام العادي الملحون ؟
( والاديب المفضال الفائق الشيوخ فى سن الا كمنهال ( السيد محمد الجفري ناظم وناثر قوى الديباجة فى نظر مؤلفنا ، فاذا ما الممنا بنثره وشعره فاننا لمدركون ان المؤلف يرى الحبة قبة ، أو يحاول أن يرينا اياها كذلك جريا على المبالغات المألوفة فى عصره ، فى تسمين ذا الورم ، وتكبير المصغر وتضخيمه وتفخيمه
ولا ترتفع مكانة السيد على أبو العزم برغم أن المؤلف قال عنه : ) انه اريب ( عن مكانة سلفه فى التنظيم والمنثور - كما يدل عليه قوله فى مطلع قصيدة :
شموس تبدت أم بدور منوره بدت أم عروس عن سنا الوجه مسفره
ويرتفع مستوى شعر السيد على بن حسين هاشم قليلا عن هذا المستوى ولكنه ليس بالجيد المتماسك ولا بالسامق العريق . . ويدل على هذا قوله :
خطرت وجادت بالوصال على قدر واستدركت بوصالها حذر الخطر
على ان له مقطوعات فى الكتاب تمثل الركاكة ولا تخلو من اغلاط لغوية
وتعابير عامية مثل قوله :
ابات اراعي النجم سهدا كأنني خلقت لرصد النجم أو أرقب الشعرى
ومن العجب العاجب أن يكون هذا الخطأ التعبيري ) آبات ( واضحا وضوح القذي في العين ، ولكن المؤلف لا يتنبه له ، بل يقرظه ويستحسنه ويعيد ذكره فيقول عنه ما نصه :
( لطيفة : قوله : ) ( آبات ( - والصواب ( أبيت ( كما هو معلوم - اراعي النجم - البيت هو مثل قول هلال البياني :
وكلت عيني برعى النجم في الظلم وعبرتى لم تزل ممزوجة بدم
فقال له المعشوق : انت لا تبرح بكوكب من عينك ليلا ولا نهارا ، عاشقا وغير عاشق فخجل هلال ، وكان على عينه فص نقطة .
وقد وجد المؤلف في بعض قصائد مترجمة مناسبة قوية ساقته الى سرد قصائد المؤلف نفسه وهى لا تخرج عن نطاق ما يحاكيها وتحاكيه من ذلك اللون المهلهل المعروف فيما يدعونه الشعر العالي الرفيع ومن ضمنها قصيدته التى يروى لنا انه امتدح بها الأديب السيد خضر المكى ابن السيد يحيى صحره عام زيارته المدينة المنورة ومطلعها :
صنم من الكافور وشح عنبرا وحوى بصحن الخد مسكا اذفرا
وقد ساقته هذه المناسبة ايضا الي ايراد ترجمة السيد خضر هذا والي سوق قطع من شعره لا ترتفع عن مستوى غيرها ، ومنها قوله :
بكم اقتديت وخلفكم فى ذا الورى صليت مؤتما وقمت مكبرا
.انه مؤذن قولا وفعلا
وبهذه الترجمة ينتهي الفصل الأول من الكتاب ، وقد قال المؤلف عنه انه خصصه للسادة الاشراف . ويليه الثاني في العلماء وقد استهل بترجمة الشيخ مثلا على الشروانى ، وهو عالم يتعاطى قرض النظم على طريقة الفقهاء أو الشعراء فقد اختلط امرهم على وامتزج شعرهم في عصور الجمود
ويتلوه فى الترجمة مصطفى الشامى الرحمة الخزرجي ، وهو فى النظم من طراز الشيخ الشرواني تماما .
أما الشيخ محمد سعيد سفر المحدث فهو احد العلماء الاعلام فى المدينة كان محدثا مشهورا وعلى داب جيله كان يتعاطى نظم الشعر ، وشعره هو خير من شعر الشروانى والرحمتى بكثير . فقد قال في مطلع قصيدة يرقي بها احد ابنائه وقد مات فى بئر الظعبني احد البساتين الموجودة بضواحي المدينة :
يا وجيها ثوى ببئر الظعينى إن مثواك ثم قرح عيني
مت ظمآن فى القفار وحيدا فسقاك الأله تسنم عين
يا حبيبي قد كنت خير انيس لى وفخرى بين الأنام وزيني
كنت أرجوك أن تقوم بدفني داعيا لى وان تؤدى ديني
الشيخ كدأب العلماء الاتقياء مدين اثقله الدين ، فهو لهذا كان يرتجى ان يعيش ابنه البار ، طويلا ؛ ليكون له مؤنسا فى حياته ، وليتولى دفنه وقضاء ما بهظه من أعباء الديون بعد وفاته . . وليس للشيخ موارد بوفى منها للغرماء مالهم عليه من أموال . فلا غرو ان يتعاظم أساه وان يتفاقم حزنه على قرة عينه ومعقد رجائه ، ومطمح آماله
فقدمت للكرامة عنى جمع الله شملنا بعدبين
وهنا تجرفه عاطفة الابوة فيؤثر الموت على الحياة حتى يلتقي بفلذة كبده الذي مضى الى غير رجعة
في جنان وفي نعيم مقيم انت فيها يا زين قرة عين
فزت حيا وميتا برضاء الله ربى ، وبرك الوالدين
كنت برا بوالدين وصولا لذوى الرحم ذا جمال وزين
ومما يزيد فى اشجان الوالد ان يكون الابن برا به ، وان يكون الى ذلك وسيما ، تبدو عليه مخايل النجابة . وان يكون مجدا فى طلب العلوم . فاذا مات بغتة فى حادثة من الحوادث وهو على هذه الصفات ، هاجت لواعج الحزن الكامنة فى صدر الوالد من كل جانب فبكى بدموعه السخينة حتى تصطبغ دما . وحتى يتفطر قلبه حزنا ونجى وهذا ما حصل لدفين الظعينى اليافع وعلى والده الشيخ المكلوم .
وقرأت القرآن فازددت حسنا وكمالا ففزت بالحسنيين
أنني اكاد أومن باشراق شاعرية الشيخ سفر من جراء جمال هذه المقطوعة ولم يكن نجل الشيخ سعيد سفر فى مكانته ، علما ، ولا أدبا ، انه دونه فيهما ونظمه لا يخرج على دائرة نظم معاصريه . فقد نظم قصيدة فى رثاء السيد جعفر نفسه ، فلم نلحظ فيها عاطفة جياشة ، ولا ألما حبيسا ، ولا عبارات آسرة .
وللشيخ حسين عبد الشكور الطائفى ترجمة فى هذا السفر ، وهو من طبقة العلماء الزهاد ، ولكنه يقول من النظم ما يجارى به امثاله ، وشعره لا يفتخر به الشعر .
والشيخ صالح الفلانى علامة فى المعقول والمنقول ، وله شعر فى التزهيد من الدنيا ، ولا بأس به صياغة وأسلوبا ، وان كان كل ما اعجب به المؤلف منه هو مظهر " الاكتفاء " فى قوافيه اذ يقول :
يا ويح من باع الضلالة بالهدى فلسوف يندم وم يؤخذ بالنوا صي
ما همه الا لقاء كواعب عرب تميس كأنها القضب النوا ضر
وقد استدعت هذه القصيدة اندفاق قريحة المؤلف ، فيرمينا بقصيدة من وزنها وقافيتها وبحرها ، يمتدح بها الفلانى ، وهى لا ريب دونها منزلة ومستوى برغم اسهابه فى مدحها والثناء على عبقريته فيها . وبهذه القصيدة ختام الجزء الثاني من الكتاب
ويفضى بنا المسير الى الفصل الثالث وهو فى " نتائج الخطباء " . استهله بترجمة للشيخ يوسف الانصارى ، العالم الفقيه ، الذي كان له ضلع فى السياسة العامة ببلده ، والذي كان عربيا وطنيا لم ينسجم قط مع الحاكمين الاتراك ، وقد نفاه محافظ المدينة المنورة عنها فانزعج كثيرا من آثار الاضطهاد ، ورجع بصره الى قومه عله يجد فيهم منجدا أو مؤيدا ، فاذا بهم فى غير مذهبه ؛ ففاضت قريحته إذ ذاك بقصيدة حزينة ملئت اسى وحسرات . وقد جاء مطلعها هكذا :
تصبر فعمر النائبات يسير ومثلي على سير الزمان يسير
يقيني يقيني ما اطل من الردى ويمنعني كيد العدا ويجير
وقد نحا فى قصيدته نحو معلقة زهير فى الاكثار من الحكم ، ومن صيغه . ومن ومن هى قصيدة متوسطة الحال ؛ ليست فى الذروة من الشعر العربى وليست فى الحضيض . وأكثر حكمها عادى معروف ، على ان من امثلها قوله :
ومن يتخذ انصاره عير قومه فليس له فى النائبات نصير
وهو بيت يرمى الى ما يرمى اليه ، خصوصا اذا نظرنا إلى حالة الشاعر الثائر ولاخيه عبد الرحمن الانصارى ترجمة تنبؤنا على انه كان راوية " منطلق اللسان ويجيء شعره دون مستوى شعر اخيه
ولابن اخيه حسين بن على الانصارى المترجم له أيضا قصيدة مسهبة فى وصف الفئة التي نشبت بالمدينة عام ١١٩٥ ه ، وليست مشرقة . ولم تسجل احداث الفتنة . وانما تضمنت شذرات متفرقة بريشة مضطربة مرتجفة .
والخطيب محمد البرى الحنفي ، كان احد مشهورى خطباء المدينة المنورة الدينيين بالمسجد النبوى ، وقد قال شعرا على دأب معاصريه .
ويضارعه فى قوة الخطابة وفي فرض الشعر احمد البساطي . وارفع منهما مستوى بعض الشئ - فى الشعر . محمد صالح بن محمد سعيد حماد ، فان له قصيدة امتدح بها مؤلف الكتاب مطلعها :
تجلت لنا ذات النا المألق تميد بقد بالملاحة مشرق
اما قصيدته :
وافى البشير بنشر ذيا ك العبير العنبرى
فهي صورة مجسمة للتفاهة والركاكة المقيت .
ولمحمد طولة الذي يشيد به صاحب الكتاب اذ يقول عنه : " سباق حلبة القريض ابدع فيه حتى بلغ رتبة الاعجاز - شعر ركيك سخيف مبتذل ، يدل على ذلك قوله :
حلى الآزار وحلى عروة الغنج وسلسلى الراح من سلساك الغنج
ويحاكيه في النظم اسلوبا ومنزلة احمد الجامي الشافعي برغم وصف المؤلف له بقوله نادرة القريض اجادة واتقانا "
ولابن محمد سعيد سفر المسمى بإسماعيل شعر ركيك منحط ذابل واحط من ثلاثتهم شاعرية ، عبد القادر طاهر وها نحن نسجل له مقطوعة تتألف من ثلاثة ابيات اجاب بها المؤلف عن ابيات مماثلة ، كان قد نظمها واهداها اليه حينما زاره فلم يجده فى الدار قال عبد القادر طاهر :
لما اتينا وجدنا فى منازلنا آثار من يتلقى الصب بالملح
فصار فى القلب وجد لا يكاد له وصف من الشوق انشاه شجى القرح
قد حفنا السعد مذ وافيت مجلسنا سراج بهجتنا لازلت فى مرح
ويبدو ان عمر دفتر دار من العلماء المغرمين بقول الشعر . غير محلق فيه بدليل قصيدته التى مستهلها :
الى حضرة الشهم الكريم اخي الندى سراج ذوى الحاجات فى ظلمة الردى
.وعبد القادر كدك مقرىء ذو صوت حسن ، ومن شداة النظم الذى لا يشرف ولا يقدم . فهو يقول فى احدى قصائده غير الغر :
رمانى زمانى بالنوى عن احبتى بأسهم بين افندتني عن النهض
ما هو " النهض ؟ انه يريد به النهوض
والى هنا ينتهى الفصل الثالث .
ونستقبل الفصل الرابع ، وهو معقود لمن ساهم المؤلف : الادباء . الخائضين * الآداب الذي لا تكدره الدلاء وليت شعري اين هى الفوارق الأدبية أو المميزات الفنية التى تفصل فريقا عن فريق ؟ ! كل القوم نظامون . وكلهم فى مجال النظم متساوون . اللهم الا واحدا أو اثنين أو ثلاثة على اكبر تقدير
وقد وضع الشيخ عابد السندى فى رأس هذه القائمة . وتاملنا كلا شعره ونثره فلم نجد أوجها جديدة ومن نظمه :
لله در قريض في المقام على ابدى لنا عمر فيه نظام على
عقدة معقدة ولغز معمى ليس بمفهوم . فان بيت صاحبنا هذا مصمت فهو بحاجة إلى تفسير : وتفسيره فى حاجة إلى شرح ، وشرحه فى حاجة الى حاشية ولابد للحاشية ايضا من طرر وهوامش
ويقول المؤلف عن سراج الدين عمر بن محمود حيدر فانه سراج حديقه المعالي وانه اديب لطيف المؤانسة ، وان له شعرا يملك ازمة القلوب بغزله . وان نثره يرتدى كاهل الفصاحة بحلله . ورجعنا الى نثره فاذا به مسجوع وعادى وركيك باهت . وعدنا إلى شعره فاذا هو بين بين . وقد حلق فى قصيدته التالية :
اخلفت وعدك يا قمر يا نسمة هبت سحر
يارهر اغصان الريا ياطيب أوقات السمر
ياقوت روح العاشقين اذا تمشى أو خطر
مالى اراك تغيرت اخلاقك البيض الغرر
وتبدلت بعد الصفا منك المحبة بالكدر
شوشت فكرى طالما اجريت دمعي كالمطر
وليته قال بدلا من شوشت " اقلقت ، أو ما أشبه .
جيش الغرام أبادني أهدى الى جفنى السهر
حاشاك من نقض الوفا والخلف عن صدق الخبر
ولا تناسبني كلمة " قوت ، هنا
والله انى صادق لك فى المحبة يا قمر
لا تخش عندى خافيا لك فى الضمير قد استنر
الا المحبة والصفا والصدق ياريم الحجر
- ولا استلطف الحجر " فى هذا الموضع .
فاسلم ودم فى عزة ما غرد القمرى سحر
حقا إن هذه القصيدة من فلتات الشعر بالنسبة لذلك العصر الغارق فى بحر الجمود والتقليد اما مقطوعته الأخرى فهى ليست فى مكانة سالفتها ، هى من بنات جنسها قال :
روحي فداك وماليه ياطيب نفسى الباليه
دامت لك النعماء يا حور الجنان العالية
هذا ضنائى ظاهر يهنيك ثوب العافية
وصيغة ضنائي واضح انها خطأ فى التعبير . فالضنا بمعنى السقام كلمة مقصورة غير ممدودة .
ويحى الجامى ليس ذا شعر قيم ولا نثر جيد . برغم ما اضفاه عليه المؤلف من برود التقدير والثناء العاطر . . اما " خطه الذى هو املح من خط العارض النفيس ، وأحسن من زوج اجنحة الطواويس . كما يقول المؤلف فهي ظاهرة فنية سرنا تسجيلها له .
أما أخو المؤلف : أبو بكر بن عبد السلام الداغستانى فشعره ضعيف ونثره كذلك . ولا بأس بشعر ابى الحسن ابن محمد سعيد حماد . ومن شعره :
بررت كنجم أو قمر حوراء تسبى من نظر
تسعى الى بناضر الشمس يدهش ان بدر
وتلفتت فحسبتها ظبيا بحاجر قد نفر
ويقول على الفرضى الشعر ، ولكنه من نمط شعر المؤلف واضرابه ومثله الأديب عبيد كدك ، فليس شعره عاليا . برغم اسهابه فى قصائده ونثره أقل من شعره
ويماثل أبو بكر شحاته سلفه فى مضمار الشعر ، فان مركوبه فيه هجين هزيل برغم ادعاء المؤلف انه جواد أصيل
وقد قصر احمد قصاره عن شأو زملائه ، فجاء شعره فى منتهى الركاكة والسخف والهزال قال فى " دكة " بناها عبد الاله الياس احد خطباء المسجد النبوى ، وقد كان بناها بسفح جبل سلع بالمدينة المنورة :
يا حسن دكة انس بالخطيب سمت على الثريا وابوان ابن شروان
اعنى به سيدى الياس أو حدنا عبد الاله عظيم القدر والشان
مع حسن هندسة أيضا وفلسفة للفخر صوفينا استاذنا الباني
بسفح سلع بناها راجيا مننا من فيض خير البرايا فخر عدنان
وأرى ان سعيد صوفي مغلس تماما فى سوق الشعر والأدب . والعجب
من قول المؤلف ان له فى الشعر ابياتا عذبة اللهم الا اذا كانت العذوبة بمعنى المهزلة واسمعه اذ يقول :
صفة الدمع اسم من لم ابنه صحف الاسم بعد أن تقلبنه
وروح احمد ما نسترلي خفيفة ، وان لم يتجاوز امره أن يكون احد النظامين الذين يحسبون سمو الشعر فى سمو قوالبه فحسب . وقد نظم بيتين فى برادية هما :
وفائقة الألوان قال لسانها اذا ما انقضى يوم الصيام فبادربي
وشف من الماء الزلال ولا تعب ان رسول الله ينهى عن العب
والبيتان كما تري ركيكا النسيج ولكنهما احتفظا لنا بصيغة وتفسيرها فالبرادية في غرف اهل المدينة ولهجتهم العامية الحالية والماضية اسم للكوز من الفخار الذى يطلق عليه فى مكة اسم شربة ويطلق عليه فى مصر اسم " قلة " وهو اطلاق عربي صحيح وقد شرح المؤلف - بهذه المناسبة - وجه هذه التسمية فقال : وكأنها سميت ببرادية ، لانها تبرد الماء ، صيغة مبالغة من برد ، من باب التفعيل ثم قال :و أحسن البراريد ما كان كجيد الظباء فى الهيئة ، وكالجمار في البياض فلذلك قال : وفاتقه الالوان ، لأن اشرف الألوان البياض " انتهى .
ونقول : تعقبا على جمعه البرادية براريد ، ان هذه الصغة ليست مستعملة فى عامية المدينة اليوم لهذا المعنى ، وانما هي تفريقا بينها وبين البراريد ، التى هى جمع لبراد الشاى ، اى ما عونه وكوزه
ولأبي المعالي ابن مصطفى السندى نظم متوسط قال متغزلا :
من لصب يهوى بديع الجمال مائس القد كامل الاعتدال
ودونه فى الشاعرية عبد الله طيار ، وهو صنوفيها لابراهيم طيار ، وقل مثل ذلك فى عبد الرحمن بن حسين بن عبد الشكور ومحمد بن حيدر العمري ويختتم المؤلف كتابه بترجمة لخضر بن يحيى خضر ، فيقول عنه : انه شاعر له فى الادب نصيب ، الا انه يخطئ فى شعره ولكنه قد يصيب .
وكم كنا نود ان يقتصد المؤلف من عواطف الجود بالالقاب وضخام النعوت التى اضفاها على شعراء وأدباء جيله بدون ميزان موزون ، فيلبس كل واحد منهم ما يستحقه ، كما صنع مع خضر هذا . فان كثيرا منهم لا يرتفعون
.عنه فى الشعر ولا فى النثر
وبعد فان هذا الكتاب المخطوط المغمور ليعطينا فكرة شاملة عن مدى نشاط الحركة الادبية فى القرن الثالث عشر الهجرى ، وهو نشاط موضعى محدود ، ولكنه كان قويا وعارما وجارفا ، وهو امتداد لنشاط الاعصر التى سبقته ممادون فى " خلاصه الاثر " و " سلافة العصر " وقد امتد هذا النشاط الى ما بعدهما فى " سلك الدرر " وغيره
والمؤلف الفاضل يستحق الثناء والتقدير حيال اجتهاده فى تدوين ادب عصره وحياة معاصريه على الوجه الذى يبدو له انه قيم وقويم . وقد أماط لنا اللثام عن كثير من الحقائق والتراجم المجهولة . وربط بكتابه هذا بين عصره والعصور التى قدمته ، وبينه وبين عصرنا الحاضر ، وعرفنا بسير رجال بلده وهو امر يقدره له التاريخ الخاص والعام ، اذ فيه اكتشاف حلقة مجهولة من حلقاته المفقودة . بالنسبة لعصر المؤلف ، وهو عصر شديد الاتصال والتفاعل والتأثير فى حاضرنا ، شئنا أم أبينا ، ادركنا ذلك ام لم ندركه وكثير مما نعانيه ناشئ من ذلك العصر مباشرة . لانه اقرب العصور إلينا وقد تحدثت الينا - اذن مؤثراته واخلاقه رأسا وبنون فواصل ؛ فكانت قوية الاثر فى جهازنا الفكرى والاجتماعي والصحى والاقتصادى ، وليس شك فى ان مما يساعد الامم على النهوض من الكبوات معرفتهم لوجوه الكمال والنقص فى اسلافهم الادنين ليستطيعوا تجنب القصور ؛ وتقوية جوانب الكمال فى بيئتهم ومحيطهم ، فلا يتطرق اليهم الانهيار ولا يعروهم التصدع
واذا اردنا ان نطبق هذه النظرية بالنسبة للموضوع الخاص الذى كتب فيه هذا الكتاب فانه يتحتم علينا ان نتجب الغرور والاغراف فى تقدير النفس والتفكير . فلا نجعل الادب مطية شهوات وعواطف بل علينا ان نمضى بأدبنا فى صراط سوى بأن تستهدف به الاصلاح ومعالجة الجهل وأمراض الغرور والخداع والسقوط
هذا من ناحية الهدف ، اما من ناحية الاسلوب فتحمد الله على اننا تحررنا
من اسلوب السجع المتكلف الذي يطوق الآداب بقيود من فولاذ فلا تستطيع ان تحلق ولا ان تبدع ولا ان تنتج ، وكان تحررنا من تلك القيود منذ ربع قرن تقريبا ، وكان بحكم اتصالنا بالادب الحديث وبحكم عنايتنا - نحن ناشئة ذلك الجيل - بالاقتباس منه ؛ وتحويل دفة ، اسلوب الادب لدينا الى اتجاهاته والوانه . ولكنا مع الاسف لم نستطيع حتى الآن ان نخرج من ربقة التقليد الذى كان المؤلف وزملاؤه واقعين فيها . فهم بحكم زمنهم كانوا متورطين فى السجع والتزام انواع البديع الجوفاء ، تقليدا منهم لمن سبقوهم فى ذلك ونحن نماثلهم فى هذا الباب . ولكن من لون آخر فان اسلوب ادبنا واهدافه التى يدور عليها هما تقليديان محضان لادباء معروفين وغير معروفين من ادباء العصر الحاضر فى مصر وفى غير مصر وما زلنا ممعنين فى الاغراق فى حماة هذا التقليد الى قمم الرؤس وليس لادبنا شخصية ولاكبان ولا معالم وقد ساقنا تيار هذا التقليد فى الاسلوب الى التقليد فى الآراء والاهداف والاتجاهات ايضا . ولهذا يجب علينا من الآن ان نسعى للاقلاع ما استطعنا عن هذا التقليد الذى سيوردنا موارد الاعياء والجفاف والنضوب اذا ما التزمناه على طول الخط واذن لا حق لنا فى ان نصب جام غضبنا او نقدنا على المؤلف واضرابه ازاء التقليد لاننا لانزال مثلهم مقلدين ولله در من قال : لا تنه عن خلق وتاتى مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
القاهرة - الروضة في ١٣٧٠/١٠.٢٥ ه

