الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

كتبنا التى لم تطبع بعد, سليمان بن عبد الملك الاموى، قيمته الاجتماعية من طريق بحليل شخصيته

Share

٢

آل امية بن عبد شمس أو الأمويون

تعاونت علوم النفس والوراثة والاجتماع وتاريخ الأحياء ، على القول بان للوراثه سلطانا ، وان الابناء يرثون خصائص ابائهم فى الجسم والغريزة وان التطور يفضى الى تفوق بعض افراد النوع على البعض الآخر ، كما تشير الى هذا مباحث مندل وبرغسون وغيرهما

وما دمنا مقبلين على محاليل شخصية " سليمان بن عبد الملك الاموى " فماذا ورث هذا اولا من خصائص آبائه آل أمية بن عبد شمس ؟ ولنصل الى هذا فانا باحثون هنا عن مزايا هذا البيت وعميده من قبل مائتى سنة سبقت ملك سليمان ، هذا البيت من بيوت الشرف الرفيع فى أيام الجاهلية والاسلام وهاشم وامية - والأول عم الثاني - فى الذروة من السؤدد فى تقدير قريش والعرب جمعاء ، وهما فرعان نبيلان من عبد مناف . وعبد مناف هو المغيرة ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى المتسلسل نسبه الى نزار بن معد بن عدنان ، وكان افراد بيت عبد مناف عامة كفرائد العقد الثمين اذا خلا منهم سيد قام مكانه سيد ، فلفت هذا البيت الكريم الى نفسه نظر بطون قرش وسائر العرب بما أبداه من مجيد الأعمال وشريف الصفات النبيلة

وفي عبد مناف يجتمع شرف الكثير من بطون قريش وكان يناط به كثير

من الامال ومظاهر السؤدد متفرقة فى أفراده وفصائله مما جعله واسطة ذلك العقد الفريد .

وبيت منيع بارز فى الشرف كهذا البيت لا جرم ينجب شخصيات ممتازة يحفزها دافع المجد التليد الى اكتساب مجد جديد ، وهذا ما وقع بالفعل من سلالة هذا البت ، وناهيك بهاشم وعبد شمس ، وعبد الدار ، وعبد المطلب وامية ، وحرب ، وأبي سفيان ، وعلى وحمزة وابن عباس وغيرهم من بارزى بيت عبد مناف بن قصى ، هذا البيت الذى انتخب منه صفوة العالم ليبلغ الى الناس رسالة الله .

ولأمية بن عبد شمس بن عبد مناف ميزة النشاط العملي فقد كان مبرزا فى التجارة والترحال واكتسب منه آبناؤه هذه الصفة ومارسوا سياسة المال حتى ملكوها ، فمرنوا من هذه السياسة على حسن الادارة فى معظم الاعمال الهامة الى ان جاء الاسلام وهم على هذه الحال

وقد أسند النبى صلى الله عليه وسلم إلى بعض بني أمية أعمالا هامة واستعان بكفاتهم ، مما ساعدهم فى مستقبل الامر على ادارة شئون الأمة فى شكل ولاية ثم أمارة ثم خلافة ثم ملك ثم امبراطورية عربية اسلامية تضم رقعة هائلة من الارض .

فقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم على مكة بعد فتحها شابا من بني عبد شمس هو : عتاب بن اسيد ، وكان قبل ذلك امر بان يذاع بلاغ فى الجيش الفاتح على اثر دخوله أم القرى : " من دخل دار ابى سفيان فهو امن " وهو تشريف غير مدافع لهذه الشخصية الاموية البارزة حيث جاء عنه فى هذا البلاغ : ان من دخل داره فهو آمن

ويرجع سبب التشريف الى شخصية أبى سفيان ومافيها من مميزات وراثية من شخصية أمية بن عبد شمس ، وكان أبو سفيان هذا اذا نزل به جار قال له يا هذا : إنك قد اخترتني جارا واخترت داري دارا ، فجنابة بدك على دونك وان جنت عليك يد فاحتكم على حكم الصبى على أهله

وكان معاوية بن أبى سفيان أحد كتبة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاوية من عرف فيما بعد ذلك بالحلم والسياسة والدهاء وهو القائل : " اني لا احمل السيف على من لا سيف له . وان لم تكن الا كلمة يشتفى بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني ! " وهو القائل ايضا : " لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ان شدوها أرخيتها ، وان أرخوها شددتها .

وقدم بعضهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فى خلافته فولى يزيد بن أبى سفيان بن حرب بن أمية قائدا لاحد الجيوش التى ارسلها هذا الخليفة لفتح سوريا .

ولم تغفل عين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ملاحظة نباهة الامويين فولى يزيد هذا جهة فى سوريا ، وولى اخاه معاوية بن ابي سفيان جهة اخرى فيها على أحد الاقوال فى الاخير

ولما مات يزيد ضم عمر هاتين الجهتين الى معاوية فادار شئونهما حتى مات عمر .

أما عثمان - وهو أموي أيضا فقد فتح لهم باب التقدم على مصراعيه فزاحموا الناس باكتافهم فى زمنه وتقدموا حتى صارت مكانتهم ملحوظة : ولعل هذا من قبل احساس الفرد بمزايا نوعه ؛ لا من قبيل ايثار الاقارب على غيرهم بالولاية والمناصب ؛ كما زعم بعض ناقدى اعمال هذا الخليفة الذى ميزه النبى صلى الله عليه وسلم بالمصاهرة الشريفة كما ميز افرادا من قبيلته بالتقديم ، وتقديم عثمان رضي الله عنه للامويين من أكبر الممهدات التى آدت بالخلافة الى معاوية رضي الله عنه

ووصف على بن ابي طالب كرم الله وجهه آل أمية بن عبد شمس وصفا عاما عندما سئل عنهم فقال : إنهم اشدنا حجزا ) اى صبرا ( وأطلبنا للامر لا ينال فينا لونه

ووصف ابن عباس معاويه وهو احد افذاذهم البارزين فقال : سما بشئ اسره واستظهر عليه بشيء اعلنه ، فحاول ما اسر بما اعلن فناله ، وكان حلمه

قاهرا لغضبه وجوده غالبا على منعه ، يصل ولا يقطع ويجمع ولا يفرق فاستقام له أمره وجرى الى مدته " .

ووصف ابنه يزيد فقال : " كان فى خير سبيله ، وكان ابوه قد احكمه وأمره ونهاه ، فتعلق بذلك وسلك طريقا مذللا له

ولن يغفل الباحث ان الوليد بن يزيد كان شاعرا مجيدا ومن جيد شعره ورقيقه قوله :

لا أسأل الله تغييرا لما صنعت    نامت وقد أسهرت عيني عيناها

فالليل أطول شئ حين أفقدها    والليل أقصر شئ حين ألقاها

وبالجملة فان بني أمية عملوا فى التاريخ الاسلامي والعربى ما حقق للناس فيهم ملامح العبقرية التى كانت تلوح على افراد بيتهم فاسسوا دولة اسلامية عربية ضمت الى جزيرة العرب من جهاتها الاربع أصقاعا دانت للحكم العربى تفوق الجزيرة نفسها مساحة وكثرة سكان وغنى وعمرانا أضعافا مضاعفة وقد دام ملكهم من سنة ٤١ ه - ٦٦١ م الى سنة ١٣٢ ه - ٧٥٠ م .

ولولا اختلاف الاهواء وكثرة التشاحن واحياء العصبية الجاهلية ، وهي الأمور التى سادت دولتهم من بعد عصر سليمان بن عبد الملك لدامت هذه الدولة الى ما لا يعلم الا الله وحده ما مقداره من الاجيال ؟ !

بيت هذا شأن افراده ماذا يظن ان يرث منه ومن خصائصه فرد ممتاز لم يكن نصيبه من الجهاد باقل من نصيب اسلافه وكان نصيبه من التفوق فى نواح نفسية أخرى أكبر من نصيب هؤلاء .

انه ورث أفضل ما فى نفوس هذا البيت من خصائص سيلمسها القارىء فيما يلى من الفصول .

الفصل الاتى : عصر سليمان

اشترك في نشرتنا البريدية