التقرير السنوى لعام ١٣٨٧-١٣٨٨ ه لمؤسسة النقد العربى السعودي
الاقتصاد هو المعيار الصحيح ، والميزان الدقيق لتقدم او تاخر الدول . . فاذا كان الاقتصاد مدعوما ومتينا . . فان الدولة تكون قوية وتقدمية وبناءة . واذا كان الامر بعكس ذلك كان العكس . . ومعيار الاقتصاد في تقدمه وتاخره يتمثل في حقل الواردات والمصروفات . . واقتصاد الدولة السعودية ولله الحمد متين ونام ومتطور نموا وتطورا مطردين . وفي التقرير السنوى لمؤسسة النقد السعودي الذي نستعرض محتوياته باجمال وايجاز يتضح نمو الاقتصاد السعودي فقد قدرت ايرادات الدولة في عام ١٣٨٨ ه - ١٣٨٩ بالريالات السعودية ٥٥٣٥,٩ مليون ريال اي بزيادة قدرها ) ٥٩٨ مليون ريال على تقديرات سنة ١٣٨٧ ه - ١٣٨٨ ه . أما النفقات فقد اصابت الزيادة كل بنود الميزانية وهكذا بلغت النفقات للعام ٨٨-٨٩ (٥٥٣٥) مليون ريال اى بزيادة.
وجاءت هذه الزيادة من حسن ادارة الدفة الاقتصادية في تنمية الواردات والمحافظة على مستواها وزيادته . . ان انتاج الزيت ارتفع ، وزاد تقدير الانفاق الحكومي للعام المالي ١٣٨٨-١٣٨٩ ه بمبلغ ٥٥٣٥ مليون ريال عن تقديرات العام الذي سبقه وزيدت ميزانية المشروعات واجهزة لتنمية الرئيسية بنسبة ٢٠ في المائة و ١٩ في المائة على التوالي بحيث كون مجموعهما ٦٥ في المائة من مجموع اعتمادات الميزانية .
وزاد نشاط القطاع الخاص في تنمية البلاد اذ بلغ معدل نمو الاستثمار الخاص ٩ في المائة كما بلغت نسبته ٤٩ في المائة من مجموع تكوين رأس المال في
البلاد . . وكانت زيارة القطاع الخاص بشكل ملحوظ في مجال الانشاء وانتاج الاسمنت وتوليد الطاقة الكهربائية .
والمساعي مبذولة من أجل توفير الوسائل اللازمة لحسن استغلال المياه الجوفية حيث قامت الحكومة بمسح شامل لاكتشاف موارد المياه الجوفية مما يهيئ امكانات واسعة في المستقبل لتنمية الثروة الحيوانية والانتاج الزراعي . وكان الاعتماد المقرر في الميزانية للعام ١٣٨٨-١٣٨٩ ه للتنمية الاقتصادية هو مبلغ ( ٢٥٨٣ ) مليون ريال حالما كانت هذه الاعتمادات سنة ٣٨٧-٣٨٨ هي ) ٢٣٤٠/٩ مليون ريال أي بزيادة قدرها ( ١٥٣ ) مليون ريال عن السنة السابقة .
ومما يدل على ازدهار اقتصادنا ان نرى الاعتمادات الكبيرة تفتح للمواصلات والطرق الزراعية والمسالك الصحراوية والجبلية لربط القرى المختلفة بشبكة الطرق الرئيسية . حتى نهاية عام ٨٧-٨٨ ه انشاء ( ٢٣١٦ ) كيلومتر من هذه الطرق الزراعية مقابل ( ١٨٠٠ ) كيلومتر في العام الماضى . وازداد نشاط الموني في المملكة وكان ارتفاع عدد البواخر القادمة الى موانئ جدة والدمام وينبع بنسبة ٥٠ في المائة ، فمن ١٣٧٨ باخرة فى سنة ٨٢ الى ١٨٠٣ باخرة فى عام ١٣٨٦ وارتفعت كمية البضائع الواردة من ٩٩٠ الف طن في عام ٨٢ الى ١٩١٤ ألف طن في عام ٣٨٦
وسائر الى الامام تحسين المواصلات السلكية واللاسلكية والبريدية فقد انتهى العمل فى الهاتف الآلي بالرياض والطائف وينتظر افتتاحه فى عام ١٣٨٩-٩٠ وتقوم وزارة الزراعة والمياه بتنفيذ مشروعات التوطين والري والصرف وبناء السدود . وقد بدئ فى عام ١٣٨٥ دراسة مشروع " الفيصل النموذجى
للتوطين ) ويهدف الى توطين البادية وتوزيع الاراضى المستصلحة عليهم وتدريبهم على الاعمال الزراعية لتوفير دخل ثابت لهم يؤمن لهم مستوى معيشيا لانقا ويشمل المشروع استصلاح ٤٠٠٠ هتكار من الصحراء وانشاء شبكة للرى والصرف .
وهناك مشروع تزويد المدن بالمياه وقد تم انجاز المرحلة الاولى منه في الرياض وافتتح في صفر ١٣٨٩ ه - ١٩٦٩ م
وهناك مشروع تحلية مياه البحر . ولقد افتتح هذا المشروع في مدينة الوجه على الساحل الغربي من المملكة في ٨ شعبان سنة ١٣٨٨-٣٠ اكتوبر ١٩٦٨ م - وتبلغ طاقتها الحالية . . ٦ جالون من المياه يوميا . وممكن زيادتها . وتقدر التكاليف بنحو ١,٩ مليون ريال . وستفتح محطة مماثلة في ضباء .
ومحطة تحلية مياه البحر في جدة على وشك الانجاز وهي من اضخم محطات التحلية .
وتسعى المملكة للخروج من نطاق الاعتماد على مورد واحد هو النفط ، لتنويع الاقتصاد ولذلك تنتهج الحكومة سياسة تهدف الى اكتشاف واستغلال ثروة البلاد النفطية والمعدنية ثم الاستفادة من هذه المصادر فى انشاء شبكة من الصناعات البتروكيماوية والمعدنية .
وتواصل وزارة التجارة والصناعة تنفيذ خطتها في تزويد المدن والمراكز القروية الكبرى في المملكة بالكهرباء .
وفي شوال ١٣٨٨ ه ) يناير ١٩٦٩ بدئ العمل في انشاء أول منطقة صناعية في المملكة بمدينة جدة .
ووضع مشروع انشاء منطقة صناعية في الرياض في مناقصة عامة .
وقامت وزادة العمل والشئون الاجتماعية ، بافتتاح أول - مركز لتدريب العمال في المملكة في عام ١٣٨٣-١٩٦٣في مدينة الرياض ومنذ ذلك الحين شهد مجال التد ريب الفني تطورا ملموسا وكان مجموع خريجى في مراكز التدريب المهنى في الرياض وجدة والدمام ونريد المزيد - حتى نهاية عام
١٣٨٨ ه ) ١٩٦٨(٦١٣ خريجا ومجموع الطلبة الذين هم تحت التدريب ٦٥٦ طالبا مقابل ٥٥٥ في العام السابق
وفي حقل التعليم فالتقدم واضح وملموس ، فقد ازدادت الاعتمادات التعليمية ٧٠ في المائة خلال السنوات الخمس الماضية فبلغت ٦٠٢ مليون ريال في عام ١٣٨٨ ه ٨٩ مقابل ٣٥٤ مليون ريال في عام ٨٣-٨٤
وقد بوشر في انشاء كلية الطب في الرياض وتقدر تكاليف مبانيها بنحو ١٧٠ مليون ريال
أما الخدمات الطيبة فتقدم مجانا في جميع المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية فى جميع انحاء المملكة .
وكل ما سبق من وجوه نمو الاقتصاد السعودي وتطور المملكة على ضوء هذا النمو قد تضمنه هذا " التقرير السنوى للمؤسسة " بصفة مركزة ومفصلة . . وقد اشار الى هذا كله الخطاب الذي القاه بين يدي جلالة الملك فيصل المعظم ، سعادة السيد انور على ، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي بمناسبة تقديم التقرير الثامن المشار اليه في هذه الخلاصة لجلالته في حفل العشاء الكبير الذي اقامه سعادة المحافظ السيد انور على ، على شرف جلالة الملك فيصل المعظم في فندق قصر جدة مساء يوم الخميس ٧ رجب ١٣٨٩ ه .
هذا وقد بلغت ميزانية سنة ١٣٨٩-١٣٩٠ ه : ٥٩٦٦ ( مليون من الريالات العربية السعودية اى بزيادة قدرها ) ٤٣١ ( مليون ريال على ميزانية سنة ١٣٨٨-١٣٨٩ ه
فنرجو المؤسسة النقد السعودية دوام التقدم وللملكة اطراد الازدهار في ظلال عهد جلالة الملك المفدى حفظه الله وايده .
تمارا قصة سياسية نقدية
قالت تمارا لصاحبى يوما : " إذا انا مت او غبت الى الابد ، اتكتب قصة حياتي ؟ "
قال : " ولم هذا التشاؤم يا تمارا وانت بعد في
ربيع العمر ؟ . قالت : " عدني " . فوعدها .
وها هو صاحبي يبر بوعده الآن . . بهذه الكلمات المؤثرة يبدأ المؤلف العربي الكبير ، قصته العميقة الجذور ، الصغيرة حجما ، الكبيرة والغزيرة مفهوما وهدفا ومعنى
و " تمارا ، كما هي في القصة البليغة الهادفة . . فتاة في الربيع السادس عشر من عمرها الغض ، كانت في منتهى الجمال الفاتن رشيقة القوام ، سابية الهندام ، وطالما ارتمت في احضان السفراء في موسكو . . لقد كانت مستهترة وخليعة بمعنى الكلمة . وكانت مع ذلك عجينة طيعة في يد اشباح مرعبة من جاسوسية تتعقبها وترسم لها خطط الفجور والتجسس معاعلى من تلتصق بهم وعلى من يرسمون لها خطط حياتها المبتذلة . . ولقد رفعتها هذه اليد الخفية الى ان يتزوج بها سفير محترم من سفراء الدول الضالعة مع روسيا فاذا : بها وقد " كانت لشهور خلت تذرع شوارع موسكو وتشعل سيكارتها من سيكارة اي رجل تحت المصابيح الزرقاء في ليالي الحرب العالمية الثانية القاتمة ، - إذا بها تقف في صدر الردهة الفسيحة في دار السفارة تستقبل المدعوين الى جانب زوجها السفير المحترم ، وتمد يدها باسترخاء فينحني عليها السفراء والعظماء يقبلون اطراف الانامل المخضبة ، متمتمين : سيدتى الصغيرة . .
اقامت تمارا في قصر فخم رائع وقطعت صلتها به وكانت قد " عرفت في اوساط الدبلوماسيين باسم بابي تمارا ( كما كان يدعوها زوجها وانهالت عليها الدعوات الى الولائم والحفلات ، وكل يوم تجلس الى مائدته وهى تعلم انهات تلعب حياتها كلها وان ليس من سبيل الى التكاسل او التفريط فيما ندبها اليه الكسي الكسيفتش ومن وراءه من قوات خفية مرعبة " !
وتنقضي الايام وتمارا جالسة الى هاتفها الاخضر في مخدعها ساعة على الاقل كل يوم ، وتتحدث الى
مجهول اعطاها رقمه الكسى الكسيفتش حديث يومها وليلتها السابقين ، وتفضى اليه بكل ما تعرف وما اطلعت عليه ، وتتلقى اوامره وكانت شديدة الحرص على اداء واجبها . تسال يوما بعد يوم : هل اقوم بعملى على الشكل الذي يرضيك ايها الرفيق ؛ فيجيبها الصوت المجهول بما يبعث الطمانينة فى نفسها "
ومن ثم يوجهها " المخاطب المجهول " فى كل خلجة من خلجات حياتها . . " فلان يغازلني . وفلان هذا مستشار السفارة التشيكية . فمارايك فيه ؟ ويجيب الصوت المجهول : دعيه وشأنه . انه لا يهمنا . أما السفير راموفيتش الذي كان يحوم حولك في الحفلة الساهرة التى اقيمت امس فهو رجل خطير الشان في نظرنا ، فعلليه بالآمال فقط وهو لا يقل فتوة وشبابا عن المستشار . . ايتها الرفيقة تمارا سفيتلوفا
وهكذا " لم يبق سر من اسرار زوجها السفير يوليسيس الا وعاه هاتف تمارا الاخضر ، وأذن مخاطبها الغامض : مفاتيح الجفر التى تتبدل كل يوم . التقارير السرية الواردة من عاصمة بلاد السفير ، المذكرات التى كان يوليسيس يوجز فيها الاحاديث بينه وبين زملائه ، صور البرقيات الخ الخ . .
ومضت الحياة راقصة أمام عيني تمارا راضية عن حياتها المزدوجة . ثم بموافقة من الرجل الغامض ذهبت مع زوجها الى باريس وفتنتها حياة باريس . . وعبت من حياة اللهو هناك ما شاءت ، وبعد اسبوعين عادت الى موسكو ، وقد علقت بشاب في باريس وعاد الصوت الاجش فى التلفون الاخضر يوجه خطواتها : " قابلي الكسى الكسيفتش غدا ، في الحادية عشرة صباحا في غرفة امك . . البسي ثيابا بسيطة ، واذهبي الى الموعد بسيارة تأكسى " .
وما كاد الكسي يقابلها حتى انتهرها بقوله : تمارا ! لا تنسى من انت ! انك ان نسيت واجبك لحظة عرضت نفسك لخطر جسيم . لماذا لم تقولى لنا شيئا عن البرقية الطويلة التى تلقاها زوجك امس الاول ؟ الخ .
وقالت تارا وهي ترتجف : . اني لم اعرف بذلك .
وقد صفح الوجه الغامض المعروف عن خطيئتها وامرها بتنفيذ الاوامر حرفيا .
تدلهت تمارا في حب راموفيتش . وما كان هذا بالرجل الغر ، كيوليسيس . لقد كان ممثلا واعيا لبلده ، ولقد تحرر من نشوة فتنة تمارا فاخضعها لسلطانه ومصلحته وجعلها تلعب اللعبة المزدوجة حتى على الهاتف الاخضر .
ومرة ثانية استدعي السفير يولييسيس الى باريس وحمل الخبر الى زوجته تمارا ، وطلب لها سمة الخروج فجاءه جوازه وحيدا بالسمة دون جوازها . فلم تتمكن من الذهاب معه هذه المرة كما كانت تهوى . لقد تصرف الرجل الغامض على هوى مصلحة موسكو لا على هوى تمارا هذه المرة وعادت الى ذرع شوارع موسكو كما كانت تفعل في ليالي الحرب المظلمة الباردة . .
ثم تجهمت سماء تمارا وتوالت عليها الضربات والمصائب وقسا عليها القدر فقد تلقت في صباح مكفهر برقية من زوجها بالطلاق وانه اعاد اليها حريتها لانها اسيرة في بلادها وهو لا يريد ان يظلمها ويربط مصيرها بمصيره .
وثار موظفو السفارة عليها لما علموا بالنبا وطردوها من دار سفارتهم شر طردة لانهم يعرفون تهتكها على حساب زوجها المسكين سفير بلادهم السابق في موسكو وقد قذفوا بامتعتها الى حديقة السفارة ، ورمموها باقذع النعوت واقذرها . لقد تذكروا كيف كانت تدوس بقدميها شرف الرجل الذي كان يمثل بلادهم وعلمها وكرامتها . وهكذا خرجت من دار السفارة ذليلة مكسورة مقهورة . .
. في هذه الفترة توثقت معرفة تمارا بصاحبها الذي وعدها بالكتابة عنها إذا هي ماتت وكان ذلك بعد ان زالت عنها صفة الدبلوماسية وبعد ان
انقلبت حياتها جحيما . وقد سلطت عليها عيون الانكفيدا ولاحقتها ليل نهار تلك القوة الخفية التى تقبض على مقدرات مائتى مليون من البشر عائشين فى طول روسيا وعرضها ، ضربت حول تمارا شبكة هيهات ان تفلت منها الصبية او تخلص من حبائلها دقيقة واحدة . . فراشة ملونة صغيرة علق جناحاها في شبكة عنكبوت مفترسة ، قبيحة ، نهمة ، لا تشبع ولا ترتوى . . وقد غرقت تمارا في او حال البؤس فعادت تذرع شوارع موسكو ليل نهار كما كانت . . وكانت عين شرطي . الانكفيدا " لا تفارقها لحظة . . " وتمارا ؟
الم تكن هي الاخرى آلة أديرت على ان تحسن الدوران فتكاسل شئ فيها وتخاذل وتحطم ؟ انها ارادت ان تكون انسانا فاقترفت بذلك الغلطة التى لا تغتفر ، والآلة الجبارة الكبرى لا تطيق ولا تتساهل ان يتحطم في داخلها قطعة ولو صغيرة كبابي تمارا . الآلة الجبارة الكبرى يجب ان تدور الى الابد باستمرار ونظام . فان عاقها شئ سحق هذا الشئ بلا رحمة ، وهل تعرف الآلة الشفقة او الرحمة ؟ وهل للآلة شعور ؟ . .
وهكذا وصد كل شئ ، وسد باب كل رزق امام تمارا . .
حاول فتى اسباني هو " خوس راميرس " الهروب من روسيا بعد مشاورة صديقته الجديدة تمارا . . ومن ثم اختبا في ذيل طائرة وفي غرفة الحقائب ولما اكتشف امره اعيد الى موسكو . . وكانت الفضيحة الاخيرة لتمارا لانها عرفت ذلك وعرفت " الانكفيدا " بمعرفتها له اذ لا يخفى عليها من امرها شئ . . فازداد بؤسها على بؤس واسودت الدنيا فى وجهها وهنا عرضت لصاحب " الوعد " وعده السابق لها ، وذكرته بانجازه ما وعد . . من الكتابة عنها إذا هي ماتت فقد حان وقت انجاز ذلك الوعد الكريم .
هذا وقد اهدانا سيادة المؤلف مشكورا نسخة من هذه الرواية الجذابة الهادفة .

