قرر مجلس شيوخ روما تحطيم قرطاج وقام الجيش بتنفيذ هذا القرار تحت قيادة شبيون . كان ذلك سنة 146 قبل ميلاد عيسى وانقرضت مدينة عليسة ضحية نار وقود ومعول خراب فكانت قوة جامحة لا تبقى ولا تذر فهى الطامة الكبرى التى شعر بها علماء الآثار كل الشعور اذ لم يجدوا شيئا يعتمدون عليه فى بحوثهم عن حضارة قرطاج وتاريخها .
قام بولى (Beule) بالحفريات الاولى سنة 1857 فخاب مسعاه ثم أقبل الاب ديلاتر ( pere Delattre Le ) حتى عثر على المقابر البونيقية ودام تنفيبه ما يقرب من نصف قرن رائده الوصول الى معرفة حضارة بلغتنا أصداؤها عن طريق القدماء . وشاركة فى مهمته ثلة من العلماء والمنقبين كرسوا حياتهم فى التفتيش عن أبسط الآثار البونيقية كلهم يريدون الوصول الى الحقيقة التاريخية فصار الاثاث القبرى عينا يكرع منها كل من وجه همه نحو تاريخ العالم البونيقى . وكان ذلك المرجع الاثرى الوحيد عسير الاستنطاق ودامت تلك الحال الى سنة 1921 حيث عثر على معبد التوفات .
بوحد هذا المعبد بقرية سلامبو الحالية وكانت به آلاف من النصب اقيمت تذكارا للضحايا البشرية التى أهديت حرقا قربانا لتانيت وبعل حمون لقد تحدثنا عن هذا فى عدد سابق (1) .
وكثيرا ما نقشت على تلك النصب كتابة تذكر اسم المضحى واسم أبيه وقد تذكر مهنته والطبقة الاجتماعية التى ينتمى اليها فهذه صورة تمثل كاهنا مرتديا قميصا نسج من كتان شفاف وترى الكاهن يتقدم بالضحية البشرية فى رأى بعضهم . وهذه صورة تمثل شجرة كالنخلة أو حيوانا كالكبش والثور أو الدلفين ( Dauphin) وأخرى تمثل ما يحتاج اليه البونيقى فى مهنته كالسفينة أو فى تعبده كالمذابح (Autel)
تلك هى المعطيات الاثرية البسيطة المتواضعة التى كان يعتمدها المؤرخ فى بحوثه حتى عثر الاستاذ سومانى ( Saumagne ) على مدينة بونيقية جديدة حطمت حسب الوثائق التى عثر عليها من جراء الحرب البونيقية الثالثة غير أنها لم تضمحل تماما اذ لم تشيد مدينة أخرى فى ذلك الموقع بل رحل عنه
سكانه وصار قفرا حتى تراكمت عليه طبقات التراب والنسيان وأصبح سهلا شقه المحراث زمنا طويلا لزراعة القموح وغيرها ودام ذلك الامر الى سنة 1952 حيث تمكن سومانى بواسطة كسرات الفخار من العثور على هذا الموقع الاثرى الجميل .
لا شك أن هاته المدينة ستمنحنا وثائق ثمينة تساعدنا على حل مشاكل تاريخية عويصة وسنتمكن بواسطتها من اصلاح بعض النظريات وتدعيم أخرى وبذلك تخطو العلوم البونيقية خطوة كبرى
وصف الاستاذ جيلبار بكار الوطن القبلى فى كتابه " عالم قرطاج " وقال انه خزينة القموح البونيقية ( Le grenien de Carthage ) وانى لاجد هذا الوصف طريفا معبرا بكل بيان عن خصب تلك الجهة وعن وزنها فى الاقتصاد البونيقى .
ذكر المؤرخون القدماء خصب الوطن القبلى وثروته الفلاحية وأذكر من بينهم بوليب ( Polybe ) وديدور الصقلى . ولك ما كتبة استفان اكسال ( Stephane Gsell ) فى هذا الصدد معتمدا فى قوله على المراجع الادبية التى سبق ذكرها : ( 1 ) لما نزل جيش أغتوكل بأقصى الوطن القبلى متجها نحو قرطاج يريد محاصرتها - كان ذلك خلال القرن الرابع قبل المسيح - فكانت مشاهد بديعة تمر ببصرهم : منازل جميلة يسكنها أعيان البونيقيين وكروم وحدائق ومروج ترعى فيها قطعان الغنم والبقر وغيرها من الانعام !
ترى هكذا المراجع الادبية تذكر باطناب قيمة الوطن القبلى والدور الذى لعبه فى الاقتصاد البونيقى وجاءت المعطيات الاثرية تعزز قول القدماء من ذلك نلاحظ أن ديمتار ( Demeter ) الهة الفلاحة كانت ملكة هذا الاقليم حيث وجدنا معابد شيدت للتعبد والتقرب اليها بمدينة سليمان وقربة وتينسوت وغيرها .
أما المدينة التى سأحدثكم عنها فهى تقع بالاقليم الذى كان جديرا باعجاب أغتوكل وجيوشه ولقد سميت بكركوان وهو اسم الجهة حاليا لا علاقة له باسم المدينة البونيقية الحقيقى ولن نصل الى معرفته الا بواسطة نقائش قد نعثر عليها خلال الحفريات المقبلة .
شيدت كركوان قرب البحر الذى يحدها شرقا ويبدو أن بعض البنايات قد ذهبت ضحية اليم وهجوماته العنيفة المستمرة أما وراء المدينة فترى مروجا
وحقولا خصصت لزراعة القموح وغيرها فلقد وفق البونيقيون حقا فى اختيارهم هذا المناخ لخصب أرضه وجمال طبيعته .
ذكرنا أن سومانى قد عثر على موقع هاته المدينة سنة 1952 وبدأت الحفرية الاولى فى السنة التى تلتها فكانت قيمة ما اكتشف اذاك عظيمة (1) ثم تابع معهد الآثار والفنون التونسية الحفريات بكركوان وقد انتهى الموسم الاخير فى صائفة 1960 . وترى اليوم بالمدينة ثلة قارة من العملة تقوم بالترميم والتنظيف لان البحر والمطر والريح القوية تهدد ليلا ونهارا بناياتنا فيجب علينا أن نكون دوما على استعداد تام حتى نقيها خطر العناصر كلما تفاقم هيجانها .
وفى خلال تلك الحفريات التى ذكرتها قد كشف الغطاء عن بعض أحياء المدينة وقبل أن أحدثكم عما اكتشف من البنايات أريد أن أقول كلمة وجيزة عن فن البناء بكركوان : كانت المواد التى يستعملها البناء بسيطة متواضعة كاللبن ( Brique crue ) واندبش ( moelon ) والطوب (Pise ) ثم تغطى هاته المواد الفقيرة بملاط دقيق طلى بطلاء أحمر أو ازرق ومنهم من استعمل الجناديل المفصلة ( Pierre de taille ) والاساطين اخذوها من حجر مقطع الهوارية .
وجد بكركوان عدد من المنازل هذا شكلها : تمر بالطريق فتجد الباب فتلج المدخل ثم تمر بمعبر ( Couloir ) طويل حتى تصل الى فناء المنزل فتجد به بئرا كما تشاهد بقايا مدرج عله كان يؤدى الى علية حسب ما يوجد غالبا فى منازل الشرق العتيق كما نلاحظ هذا ببعض منازلنا التونسية التى نلمس بها تأثير الهندسة الشرقية .
أما الحجرات فهى تفتح على الفناء ومنه تأخذ الهواء النقى ومنه تلجها أشعة الشمس . وقد بلطت تلك القاعات بأسمنت أحمر نشرت فيه كسرات من مرمر أبيض وقد وجدنا أخيرا قاعة جميلة بلطت باسمنت نثرت فيه كسرات مرمر وكسرات زجاج أزرق فصار البلط يحكى الفسيفساء ولم يخل من عناصر الزينة ومثل ذلك علامة تانيت التى نجدها أحيانا بمدخل أكبر
قاعات المنزل لا شك انها لم ترسم للزينة فحسب بل رسمت خاصه حسب رأينا لقيمتها الدينية الوقائية فهى تمنع قوى الشر من ولوج تلك القاعة .
ومن بين تلك الحجرات نشاهد قاعة صغيرة الحجم وبها حوض شيد على شكا حذاء بلط بالاسمنت الاحمر ونثرت به كسرات المرمر كما ذكرنا وكثيرا ما نلمس أن الحوض قد أحيط بعناية كبرى فى تشييده وزينته فما هو هذا الحوض ولاى هدف شيد ؟ لما يغلق باب المناقشة فى هذا الموضوع : قيل ان حوض استحمام ( Baignoir Sabot ) وانى لميال لهاته النظرية ولا يخفى علينا أن النظافة والاستحمام مما لهما قيمة عظمى فى الحضارات الشرقية . نجد بيت الاستحمام فى سومر منذ الالف الثالث قبل المسيح . الا أن هاته النظرية
لم تنل موافقة الجميع فمنهم من يرى أن الاحواض التى نجدها بمنازل كركوان هيئت لصنع الارجوان ( Pourpre )وهى مادة صبغ تستخرج من صدف معروف عند الملاحين ويسمى ( mureX ) وكان هذا النوع من الاصداف يعيش الكثرة على شواطئ البحر الابيض المتوسط يخرجون لصيده فى فصلى الخريف والشتاء ثم تكسر الاصداف فيخرج منها مائع أصفر له رائحة كريهة يستعمل لصبغ الاقمشة الكتانية أو الصوفية فيكون لها لون بنفسجى يقوى ويتغير حسب قوة الحرارة التى تعتريه ولا يضعف مع مر السنين كما هو شأن الالوان المعروفة عندنا حاليا .
وقد اشتهر الفنيقيون بصنع الارجوان وكانت مدينة صور من أكبر المراكز لهذه الصناعة وصلتنا اصداؤها عن طريق التوارث . واشتهرت بلادنا أيضا بكثرة أرجوانها تحدث القدماء عنه غير ما مرة ويبدو أن مدينة كركوان كانت من مراكز هاته الصناعة ويشهد بذلك طبقة كثيفة من بقايا الاصداف التى كسرت لاستخراج مادة الصبغ فاننا لا نشك فى وجود صناعة الارجوان بهاته المدينة غير أننا لا نعتقد أن الاحواض التى سبق ذكرها قد هيئت للصبغ اذ لم نجد ولو أثرا ضئيلا لتلك الالوان الارجوانية وقد اشتهرت بثباتها عند القدماء .
ولئن تعاطى بعض سكان مدينتنا صناعة الارجوان وصبغ الاقمشة فمنهم من اتخذ صنع الخزف مهنة وقد وجدنا أتاتينهم بكركوان كما وجدنا بعض ما صنعوه من فخرر كالاوانى العادية الصالحة لسد الحاجة اليومية مما جعلها لا تبرز بقيمتها الفنية كالجرة مثلا . كما وجدنا صورا منقوشة من فخار تكتسى حسب رأينا قيمة دينية كالفارس البحرى ويمثل حسب رأينا آله البحر عن البونيقيين الذى نحن بصدد دراسته (1) ( Le Cavalier marin )
وبجانب فخار صنع بالمدينة نفسها نجد نوعا آخر استجلب من مدن أجنبية كجنوب ايطاليا .
تلك نظرة وجيزة القيناها على مدينة كركوان ولكن علينا أن نتساءل
متى بعثت هاته المدينة للوجود ومتى حطمت ورحل عنها سكانها ؟ لا تخفى عليكم صعوبة هذا المشكل . درس بيار سانتاس ) ( Pierre Cintas ) فخار المدينة ويبدو أنه توصل الى حل المشكل التاريخى فهو يعتقد أن المدينة قد خلت من سكانها قرنين قبل المسيح لقد كانت حسب رأيه من بين المدن التى حطمها الجيش الرومانى أيام الحرب البونيقية الثالثة لثباتها فى صفوف قرطاج
أما تاريخ تأسيسها فلم نصل فى دراسة ما منت علينا به كركوان مستوى يمكننا تحديده بالضبط فلربما أسستها قرطاج فى القرن الخامس قبل ميلاد عيسى لاسباب سياسية واقتصادية يعسر علينا الحديث عنها فى هذا المقال السريع ولن نصل الى الحقيقة الا بعد القيام بحفريات طبقية - (Foulles strategra phiques) تمدنا بمعرفة أقدم الآثار الكركوانية

