الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كرم الفكر

Share

فى غرة كل شهر تهل مجلة (( الفكر )) حافلة بثمار الادب ورياحين الابداع والمعاناة .. لم تتخلف عن موعدها مع أحبائها طيلة ثلاثين سنة .. لم تخذل أى قارئ يتوق الى اقتنائها ، ولم تتنكر لأى كاتب يبوح لها بمكنون قلمه .. بستانها خصب دوما ، حافل بما لذ وطاب .. يحظى برعاية صاحبه ، يعطيها من جهده الكثير ، فتدر فى كل موسم الانتاج الوافر والوفير : كما وكيفا .. عطاؤها غذاء للهاوى ، وزاد للدارس ، ولقاح للكاتب ، و (( مشموم )) للمثقف .

والفكر - فى عطائها السخى - كريمة الى أقصى حدود الكرم .. مدرستها مفتوحة يغشاها الدارس هاويا ، ويتخرج منها منتجا .. ينهل من نبعها ، ويكرع من حياضها حتى اذا شبع وارتوى ، وهضم وجدانه رحيق الفكر ، واراد كالنحلة اعطاء ما أخذ ، احتضنته الفكر ، وأفردت له فى مجمعها بيتا يفرز فيه عسله .. يطمع فى تشجيعها حملة الاقلام على اختلاف مشاربهم ، فلا تصد عن بابها المشرع احدا .. ينشر على صفحاتها الكاتب الضليع فيتألق ، ويرودها المجدد فيعضد ويؤزر ، ويقتحم رحابها المغمور هيابا فيحظى بما يحلم ! ..

أصبحت الفكر بهذه الأريحية مأوى الاقلام ، وميدانا لسباق المتنافسين ، وحقلا للتجارب وتطعيم الادب والثقافة ، ونبعا يسقى رياض الفكر والمعرفة ، وسجلا أمينا لقضايا العصر ، وحجة تشهد بيقظة الكاتب العربى بصفه عامة والكاتب التونسي بصفة خاصة ، تبرهن على مواكبته للنهضة ، وتترجم عما يكن لأمته من مشاعر اعتزازه بماضيها التليد ومستقبلها المشرق .

نهل الطلبة والمربون والمثقفون من كرم الفكر الفياض ، ومن المؤسف - بل والمؤلم - أنهم لم يقابلوا وجودها بالحمد والشكر والعرفان .. ولئن تغاضت الفكر - وهذا من شيم الكريم ، وسجاياه - عن جحودهم ، ولم توجه اليهم ولو كلمة عتاب ، فان من واجب من استساغ كرم الفكر وأفاء الى ظلها أن يصدع فى عيدها الثلاثين بكلمة عرفان يرد بها بعض الجميل الذى طوقت بها الفكر نجاحه فى دراسته ان كان طالبا ، وتوجت بها نجاعة تصانيفه ان كان مربيا ، واثرت بها مكاسبه ان كان منتجا سنمائيا أو تلفزيا .

فكم من مربين أقبلوا - فى تأليف الكتب المدرسية - على أخذ النصوص الادبية - شعرا ، ونثرا - من مجلة الفكر ، أثروا بها كتبهم التى باعوها فى الأسواق ، وتقاضوا أموالا وفرة بدون أن ينصوا عن المصدر الذى أخذوا منه هذا الانتاج ، أو يعترفوا - ولو من باب الأمانة فى التقاديم التى يستهلون بها كتبهم - بفضل مجلة الفكر فيما أخذوا ووهبوا ؟ . ولئن استملحت (( الفكر )) أخذهم لأنها ترى فيه خدمة مثل للنشء التونسلا ، ودورا هاما يندرج فى صميم رسالتها ، وواجبا يؤديه كتاب الفكر لأبنائهم وذوى جلدتهم ، لا يستحقون عنه جزاء أو شكورا .. فان هذا الاخذ العريض لا يبرر جحود المصنف المربى ، ولا يدخل ضمنا فى مشروعية تطعيم الكتب المدرسية بالنصوص التونسية . فالنص التونسى - فى لغته العربية - جيد ، لا يحتاج الى تزكية أو تعريف أو تنازل حتى يشع ويعم ، ثم ان للتأليف - قبل وبعد كل اعتبار - حقوقا يكفلها القانون ، ان تخلى عنها المؤلف - لأنه يرى فى وضع انتاجه بين يدى الناشئة شرفا - فان للناشر  أيضا حقوقا يكلفها كذلك القانون لا تقر الاستفادة مجانا مما تكبد الناشر فى سبيل طبعه وتوزيعه نفقات مادية طائلة ، لمجرد أنه وضعه قيد التداول بين الناس ، خاصة إذا كان المستفيد ينشد من اعادة ترويج انتاج الناشر دخلا ماديا يثرى به مكاسبه .

وان الامر ليهون اذا ما اقتصر المستفيدون من كرم مجلة الفكر على أخذ النصوص الادبية لتدريسها للنشء : تلاميذ وطلبة ، ولكنه يصبح شاقا إذا عمد المنتجون للسنما أو للتلفزة الى السطو جهارا على القصص وتجارب الكتابة السنمائية التى تنشرها مجلة الفكر ليحولوها الى أفلام او مسلسلات تلفزية يقدمون فيها عمدا على طمس اسم صاحب الانتاج ، والاستخفاف ضمنا بمجلة الفكر - وهى صاحبة الحق الثانى التى يرجع اليها حق الاذن فى أخذ الانتاج للنشور على صفحاتها : اقتباسا أو ((سنيرة)) ان تكن صاحبة الحق الاول كما تتمسك بذلك كبريتات المجلات ودور النشر العالمية .

قد يخطر لمن يطالع هذه الكلمة الصريحة أنى مغال فى تقديرى لكرم الفكر ، والواقع أنه حدث فعلا استغلال كرمها بطريقة جاحدة ، والشواهد على ذلك كثيره وبينة . ولن أذيع سرا ان قلت : إنى ككاتب فى مجلة الفكر حظى بتشجيعها الكريم لم يسلم بدوره من استغلال المستفيدين من كرم مجلة الفكر الواسع ، فقد أخذ المربون من مجلة الفكر ما انتجه وأدرجوه فى كتبهم المدرسية ، وعمد أحد المنتجين السنمائيين الى أخذ تجربته (( الوجه الآخر للقمر )) فى كتابة المسلسلات التلفزية التى نشرتها مجلة الفكر ، وحولها الى مسلسل تلفزى تم اعداده فى استديو عجمان بدولة الامارات العربية .. حدث هذا بدون أن يتفضل المربى أو المنتج السنمائى حتى باستئذان مجلة الفكر ، فضلا على أن يفاتح أى منهما صاحب الانتاج برغبته فى أخذ ما يريد !

هذا الكرم .. - ونحن فى عيد تكريم الفكر - الا ننوه به ؟ ألا يستحق منا الاشادة والتنويه ؟ خاصة ، ومجلة الفكر - خلافا للمجلات قاطبة : عربية أو أجنبية - لم تطالب أى مستفيد فهل مما نشرته - سرا ولا علنا - بحقوقها،بل ولم توجه لاى مستفيد من كرمها ولو كلمة بنية التشهير أو الادانة ، أو لمجرد العتاب عن عدم استئذانها فى أخذ ما حفن من بيدر كرمها الواسع وما اقتطف من أدواح فضلها العميم المثمر ؟!

فاليك ، يا منبع الجود والكرم ، أصدع بفضلك وكرمك اللذين جحدهما الجاحدون . ودمت مائة وألف سنة منبعا للكرم والفضل والسخاء .

اشترك في نشرتنا البريدية