الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

كفاح الحياة ...

Share

قال صاحبى وقد اريد وجهه وتقطب جبينه ونفر ما بين حاجبيه : ان كنت ترى الحياة لا تستحق منا كل هذا العناء . أو انك ترى عقم الكفاح فيها . اولا ضرورة لان يسعى الفرد منا ويكد ويجالد فى سبيل العيش فيها فما معنى الحياة ؟ . ولم أمرنا بالسعي فيها ... وفى مناكبها ؟ .

قلت : ليس هذا ما عنيت . فالسعي في الحياة من اوجب واجباتها . والجهاد من أجل الرزق من الزم لوازمها وقد أمرنا الله ورسوله بالسعى فى مناكبها والعمل بما يعود لمعاشنا بالفائدة . وقيل ان اجر المجاهد فى رزقه كأجر المجاهد في حلبة الوغي وميدان القتال

وقديما لام هشام بن عبد الملك عروة الشاعر لقوله :-

لقد علمت وما الاسراف من خلقى        ان الذى هو رزقى سوف يأتيني

أسعى اليه فيعيينى تطلبه                    ولو قعدت أنائى لا يعنينى

وأذكر قصة تخالف ما يتطلبه هذا الشاعر من القعود فى البيت وانتظار الرزق الذى لا يكلفه مثقة السعي وكد الجهاد فيه وتتلخص ، هذه القصة فى أن الحطيئة الشاعر هجا الزبرقان بن بدر بقصيدة لم ير فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شيئا من الهجو بل قال عنها : إنها معاتبة . وكان فيها هذا البيت :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها           واقعد فانك انت الطاعم الكاسى

وحينما عرضت الأبيات على حسان ساله عمر رضى الله عنه : هل عجاه ؟ فقال حسان : بل سلح عليه :

فاذا كان عدم السعى فى الحياة والقعود للراحة مذمة إذا هجى بها سيد رأى فى ذلك منقصة فكيف أتطلب غير السعي للحياة والجهاد فيها ومكابدة أهوالها والسعي ؟ أجل السعى الحثيث خيراتها ومسراتها والابتعاد عن مضرانها وتطلب كل ما هو حسن فيها والابتعاد عن كل ما هو قبيح مرذول .

على أن الذى أعنيه هو الاقتصاد في كل ما نراه بهذا العالم المائج بشكول مختلفة الانواع من مغالبة الناس بعضهم بعضا فى سبيل هذه الحياة التى لا تستحق كل هذا العناء .

ولقد نرى فى هذا الزمن الحاضر أن الناس جميعا متساوون في تقدير نظرية كفاح الحياة . فامم تقتل وحكومات تزول وشعوب تفنى واذا سأل سائل عم كل هذا القتال والتطاحن وفناء الامم والشعوب ؟! كما كان الجواب حاضرا والقول ميسورا على السنة الجميع : فى سبيل الحياة - اجل إنهم جميعا يقولون فى سبيل الحياة هذا الكفاح . وفى سبيل الحياة هذا القتال . وفى سبيل الحياة هذا الفناء والدمار . واخيرا فى سبيل الحياة يقاتل الأخ اخاه ، وابن العم ابن عمه ، والقريب قريبه ، والأمثلة على ذلك كثير وكثير ، الحياة شئ أسمى من القتال  والفناء ، والحياة كلمة تأتى مغايرة للموت فلماذا نسعى للموت فى سبيل هذه الحياة ؟ اعتقد أنه من الأجدر أن نسعى للحياة من أجل الحياة فكلما كان الهدف صحيحا وجب أن يكون السبيل اليه صحيحا ايضا . ويسرني أن أدعوب بهذه المناسبة إلى تصحيح قواعد الكفاح من أجل الحياة والقناعة والرضى بما قسم الله والصبر على مكاره الحياة وويلاتها ، وأوصابها وما فيها من خلافات ومشاكل . كل ذلك وغير ذلك من أوجب الواجبات أن نعنى به ونتصوره ونقتنع به اقتناعنا بوجوب الكفاح فى الحياة .

وقال صاحبى أخيرا : كنت أخشى عليك أن تدعو الى غير ما سمعت وعلمت ولكنني أرى أنك تدعو إلى التدبر فى هذه الحياة وكفاحها وأن يرى الناس غير ما يرونه الآن فيما يقومون به من كفاح وجهاد وجلاد .

قلت : أجل ليس أحسن من الرجوع الى قواعد صحيحة تنظم وسائل الكفاح وتبعد الناس عن التقاتل والتكالب على تبرير وسائل غير مشروعة فى سبيل الحياة ..

فالحياة وديعة الله عند من وهبه الله الحياة فاتقوا الله فى وديعته ولا تهدروها فى سبيل غير السبيل الذى أراده الله لكم : (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)

(إن الله بصير بالعباد) .

اشترك في نشرتنا البريدية