الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

كفانا جفاء وجفانا ايتها السماء !

Share

" هذا الليل الحجرى ترن به أجراس الروح يشتعل الجسد المذهول بأجساد ليس ترى يغرقه طوفان النوم وتطفو آلاف المدن الحجرية فوق الظلمة والصحراء ! " (*)

تحرك الفك الأسفل فى جنون مصحوبا بصوته الضحوكى الغريب وراح يقهقه ... والناس فى وجوم . من صفاته انه خحول ولا يضحك إلا لماما ،، لكنه اليوم ما استطاع لنفسه كبحا ،، وظل يقهقه حتى كادت الأشداق تتمزق ،، والشعر منفوش !

أنزل الاب قلال الماء من على حمار انهكته المسافة والثقل وسارع الى ابنه ، وأهل الحى من حوله ملتفون ، وسأله بلوعة : - مالك يا ولدى ؟ هل أصابك مكروه ؟...

......... وضعت الأم الغربال ونفضت يديها وأعطافها من الدقيق وهبت اليه مستفسرة وأفشت سؤالها فى الحاضرين كلهب الحريق :

- ماذا جرى له !؟ خبرونى عم به ،، حدثنى يا كبدى !.. وأجهشت بالبكاء ..

أحس بضغط الكلمات فى داخله تريد أن تنفلت منه ، لكن شيئا من الحرص حال دون انطلاقها ...

وباشتداد حشد الناس وحيرتهم . اشتد الضغط حتى انهار جدار الكبت وانقذفت الكلمات كالويل : " أرى العواصف تأخذ طريقها الينا . وستكون أطول من أشجارنا ، أعمق من آبارنا ، أكبر من أحجامنا .. وأقوى من طاقة احتمالنا .. "

صدم النذير الآذان كالنشاز وعم الحاضرين الذهول والتفتوا الى حيث تسمر ناظرا الفتى : الى الجبل الرابض كالرهبة على عتبات القرية ..

ابتعد شوطا عن الجماعة دون أن يجرأ أحد على اتباعه .. توقف .. التفت اليهم واردف قائلا : ... وعندها لا يجدينا ترميم المبانى شيئا ، ولا مجادلة الطود نفعا ... قال ذلك وواصل المسير ..

تحسس مكانا بين الاشجار البرية وقبع .. اسند رأسه الممصوص الوجه على ركبتيه اللتين طوقهما بذراعيه العاريتين كجذعى شجر أجردين ومطط نظره الباهت فوق القرية الغبراء .. وتنهد ..!

تعالى فى الأنحاء عواء كلاب تائهة .. وملأ الشعاب ثغاء هزيل لخرفان ضبابية الهيكل وهى تلتمس من الشيح والعرعار غذاء .. فرفع يديه وقال : " كفانا جفاء وجفافا ، أيتها السماء ! "

بعد حين توالت السحب فى الفضاء .. توالت اندفاعا وتفاوتا : شكلا وحجما ولونا ..

مرت الاولى فى شكل أرنب . فلعن الارانب ورآها نذير شؤم ودوام غبن ..

.. والثانية بيضاء بياض ليالى القلق . .. والثالثة تستبق الرابعة وتنهش أجزاءها حتى احتوائها .. وتلك حال النفس والنوازع .

.. والخامسة ! اصفرارها فراغ وشفافيتها سراب ..

فرفع يديه من جديد وردد دعاء سمعه عن أمه : يا رب العلى لا تجعل شتاءنا صيفا . ولا صيفنا شتاء ! "

وباغتته السادسة . فاذا بها باهتة .. ضحلة ضحالة المنال فى عجاف الأيام . وتحفز الفتى لاستقبال السابعة .. وبعد لأى أطلت ..

" فى السابع ، تعرف من الشبعان ومن الجائع .. "

.. ظهرت منها ذؤالة .. فتململ في مكانه ثم إنه التفت ذات اليمين وذات الشمال وركز نظره يتفرس أجزاءها : .. ها هى تتدحرج فى السماء . تغمر الأفق ثم تنسل من الشفق ليظهر رأس جمل . فعنقه وساقاه الاماميتان المنتهيتان بخفين كشجيرة داكنة .. وها هو بطنه ينفرش ويتوسع حتى ليكاد يبدو متوقفا عن المضى .. وأخذ لونه النوئى يصفو شيئا فشيئا . وعضت الفتى المخاوف .. وانتظر لحظات طويلة لم تلتئم فيه البطن بعده ولم يلبس سواده المستحب .. وبحث عن الاجزاء الاخرى . فاذا به قد اضمحل بدوره وأطل من بين نفايات الجمل السحابى العملاق ، هليل اصفر اللون ، مقلوبا كزورق فقد راكبيه ..

وسرت خنفساء على قدمه الحافية . فنترها .. واستفاق الى أن الامل قد تبدد ، فنهض ..

انحدر نحو القرية يستعجل الخطى .. أخذت المسافة بينه وبين المنزل نتقلص بسرعة .. وبلغته ضوضاء من جوف الحوش .. وقف هنيهة وأصغى : أمه واخوته يبكون !

أسرع الخطى . دفع الباب بعنف . ودلف داخل الدار : الاب جالس القرفصاء بالقرب من جسد مسجى وقد أمسك منديلا مكمشا يكفكف به دمعا غليظا . بينما علا عويل الصبية وتحسر الأم الملتاعة .. ولمحه فى ذهوله أخوه الصغير فجرى يسر اليه نعى موت الحمار !

" فقدت ماءها أمى قبل أن يقبل البط والماء أو تسترد الحشائش بهجتها واحتشدت بالنواطير ايامها .. "

نزق إلى الفاس فتناوله من الركن وعاد الى الجبل عدوا ، ، اعترضته الحدود فتجاوزها ، والاحجار فتخطاها ، والاشواك فرفسها ، واقترب من الجماد الهائل الذى أخذت فرائصه ترتعد ،، توقفت الطيور عن الطيران وتسمرت فى الفضاء تشهد الحدث مشدوهة ،، وتكاتفت الاشجار تعاطفا ، حول الجبل ، غارسة جذورها فى أعمق أعماق الثرى ومتشبثة بصخوره الصلدة اكثر فأكثر .. وكان عزم الفتى قويا ،،

صعد الى القمة والأغصان تخرب أطرافه رغم ارتجاجها الشديد وهلعها واقترب من هدفه : الصفصافة اليانعة الصبوحة . وهوى عليها بكل ما أوتى من جهد وهو يردد : " زرعتك بيدى ، اجتثك الآن بفأسى .. لست بحاجة الى الخشب ، لست بحاجة الى الخشب ، قال ذلك وتابع الشلخ بكل عنفه وعطشه حتى أحدث بها شقا بليغا ولم يتوقف الى ان تطايرت منها قطعة أصابت منه المقتل . وانبجس الدم قانيا غزيرا ،، فانبسطت أسارير الطود .. لكن الدماء غمرته من كل جانب كالوباء ،، فتهاوت أشجاره وذابت أحجاره ، وانفجرت العيون المنحبسة تروى الظمآن ، تسقى الارض والحيوان ..

اشترك في نشرتنا البريدية