الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

كل، الاستاد الرشيد ادريس،

Share

أحييكم تحبة طيبة وأشكركم شكرا وافرا مقدرا لكم وللاخ الفاضل الاستاد البشر بن سلامة دعوتكم لى لحضور هذا الحفل البهيج عناية منكم وحرصا عمل ترابط الاجيال فى الرأى والعمل وانى ممن يؤمنون ايمانا ثابتا بان النضال فى سبيل المثل العليا التى تمثلها الفكر تمثيلا شاملا هو واجب القادرين مهما كانت اعمارهم وانه " لا تقاعد " ولا معاش فى خدمه الوطن ولا سيما فى ميدان الفكر الذي ينبع متدفقا من حيوية الشباب وينضج بمرور السنين .

على اني في الحقيقة من العاملين لا من الادباء التقيت بالادب فى شبابى وما كاد يلقاني حتى هجرني ، ابعدته عنى السياسة التى شغلتني واحتكرت جميع مواهبى واكلتني كما تاكل الارضة الورق وان تركت لى ذكريات منها العذاب ومنها ما اجتره وأنا فى أرق .

البى دعوة المشاركة فى هذا الحفل مهنئا ومذكرا .

فالتهنئة ودية خالصة لثبات " الفكر " مدة خمس وعشرين سنة وهو حدث لا مثيل له فى بلادنا التى كانت لا تعمر فيها المجلات الثقافية عادة لشتى الاسباب وأقرن التهنئة بأحر التمنيات بأن تستمر " الفكر " سنوات وسنوات طوا جيلا بعد حبل سجلا للاراء والانتاج الادبى والابداع الثقافي ومراة لنهضة متطورة نامية .

واما التذكير فيما شهدت وشعرت في تلك الايام الخوالى التى ظهرت فيها الفكر للوجود والتي شعرنا فيه معشر الوطنيين بحاجة التعبير وقد عملت فى نفس الفترة بعد عودتي من المنفي طيلة حوالى ثلاث عشرة سنة على بعث جريدة العمل التى صدر العدد الاول من حلقتها الجديدة فى الخامس والعشرين من أكتوبر 1955 .

كانت اياما تاريخية فى حياة بلادنا اذ كنا نعيش فترة ما بين الحكم الذاتى والاستقلال واحوالنا السياسية والاجتماعية مضطربة أشد الاضطراب بسبب نشاط العناصر الاستعمارية اليائسة وانقسام الاراء بيننا وتشعب المسالك امامنا .

وكان اكثر المثقفين - كما تذكرون فى تلك الايام القاسية - لا يقتربون منا الا القليلين ، لا سيما وقد كان مقر الحزب عرضة للنسف وكانت حياتنا فى خطر .

كنا أقلية ندرك سياسة المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة وابعادها ونثق فى المستقبل ونقبل التحديات ، فى هذه الظروف العصبة التقيت بباعث الفكر الاخ محمد مزالي كان يتردد على المرحوم الزعيم الاستاذ على البلهوان فى نادى الحزب ويتباحث معه فى شأن مجلة " الفكر " التى أسسها وأصدر بعض اعدادها وأعلنا عن صدورها فى جريدة العمل مرارا وهو مؤمن اشد الايمان بضرورة العناية بالادب والثقافة والتفكير الصحيح فى مصير الوطن وانتهاج نهج الاصالة فى تلك الايام التى كاد يختلط فيها الحابل بالنابل وتشعبت فيها المسالك وتأكدت فيها لذى النظر الثاقب ضرورة وضع الاسس الثقافية السليم للنهضة التونسية التى كانت تتمخض عنها التطورات السياسية المضطربة بالرغم من ضغط السياسة وحتمية أولوية العناية بما تفرضه من مواقف

ان الاخ محمد مزالى الذى اسس فى تلك الاجواء وسهر على صدورها بانتظام بفضل ما جبل عليه من صبر ومثابرة . لم تشغله عنها المهمات الجليل التى اضطلع بها منذ فجر الاستقلال قد وجد من زعيم الشباب على البلهوان وهو يقدم على مغامرته تفهما وتشجيعا مما يدعونى بهذه المناسبة الى ذكر هذا الرجل والتنويه بتأثيره العميق فى ميدانى الوطنية والثقافة . وقد كان الاستاذ المتبحر فى الفلسفة واللغة العربية صاحب كتاب " المعرفة عند الغزالي " والمساهمات الكثيرة . فى الصحف والمجلات ومنها مجلة المباحث الشهيرة وفي الفكر التى كتب بها ثلاث مقالات : والزعيم البطل الذي نقدر نصيبه فى تكوين الرجال وشحذ الايمان فيهم وفي الحركة التحريرية المظفرة . ولا يمكن او ننساه فى هذه الذكرى المجيدة التى نكرم فيها مجلة " الفكر " . وفاء للاستاذ المناضل الذى لا ننسى له فضله ونحن ننوه بجهد الاخ محمد مزالى مؤسس الفكر وعضده الاخ البشير بن سلامه الذى يشترك معه فى الرأى والحزم وأسرة الفكر جميعا وان كلمة طيبة قوامها الاخلاص للمبادئ التى نشترك فى

التمسك بها يقولا أخ أكبر لاخوانه لها اثرها فى تأكيد مبدأ ترابط الاجياز على امل ان تتقبلها اسرة الفكر بصدر رحب وهي تواصل الجهود لينعم الانسان فى بلادنا بنعم الثقافة الحق مع نعم التقدم المادى الذى يكون جحيما إذا لم يعدله تفكير صائب وثقافة راقية .

ان المبدأ الاساسي الذي تسير عليه " الفكر " حسبما استخلصه مما نشر بها خلال ربع قرن هو الاصالة والتفتح .

فالاسلام والعروبة والوطنية يحفظها الفكر " ويحافظ عليها ويذود عنها والتفتح على الثقافات الاجنبية لا تجحد " الفكر " فضائله فهى ترغب فيما فيها من مكاسب ايجابية وتلفظ سلبياتها لفظ النواة وقد تجمل ان تخطو الفكر فى السنوات المقبلة التى نرجو لها فيها التوفيق خطوات جديدة لنفض الغبار على أدبنا العربي العريق الذي ما زالت روائعه ذات القيمة العالمية الممتازة تستحق المزيد من النشر والشرح والتحليل ليستفيد منها ابناء العروبة الذين قد بعرضون عنها الى ما دونها مستوى وكذلك الراغبون فى معرفة آدابنا وثقافتنا لا سما وقد ظهرت عناية فى العالم بشؤون العرب والمسلمين منذ ازمة الطاقة سنة 1973 وتحت تأثير الانتفاضات التى عرفها العالم الاسلامى والعرب فى السنوات الاخيرة وتسرب مفعولها الى الخارج .

ان كاتبا كالجاحظ وفيلسوفا شاعرا كالمعرى ومؤرخا كابن خلدون وغيرهم ممن ساروا على خطاهم وانتهجوا منهجهم أو كانوا فى مستواهم من المتقدمين والمتأخرين الى عصر النهضة وبعده يستحقون الدراسات المستمرة ليتدبر فى تراثهم شبابنا ويستفيد به الباحثون مهما كانوا .

واذا ذكرت الاعلام من قادة الادب والفكر في العالم العربى والاسلامى فلان هناك اتجاها للاعراض عن الاعلام والاغترار بشعوذة الاقزام .

واني كلما قرأت لاقطاب الادب العربى نبذا ازددت يقينا بان لغتنا العربية التى جعلت " الفكر " من رسالتها الدفاع عنها وصيانتها . هي لغة راقية معبر وليس العجز - عند العجز - الا فى البشر الذي يتلعثم لسانه

كما يجمل أيضا ان يعمق المفكرون والباحثون وان يواصلوا التفكير والبحث فى شؤون اسلامنا وعروبتنا وفى مختلف الاراء التى لها اثر فى حياة الامم وهى متسربة الينا احببنا ام لم نحب ما دام العالم قد اصبح بفضل الاذاعة والتلفزة والسينما والكتب والمجلات والصحف اى وسائل الاعلام بانواعها وسرعة

المواصلات وحدة تنتشر فيها الآراء بسرعة . والبحث فى هذه الآراء التى لها اثرها خير من تجاهلها والرأى لا يقهره الا الرأى

ولا ينبغي ان يخشى المفكر الحيرة ، فالحيرة بداية اليقين ، وقد يكون من الضرورى ان يختار المفكر ليوضح السبيل لغيره من الناس فيطمئنوا

وانا لفي حاجة الى المزيد من الشجاعة فى الرأى والعمق فى التفكير مع التجرد في النوايا لوجود المسالك الذهنية التى يعرضها المفكر على ابن القرن الخامس عشر أو القرن الواحد والعشرين وهو شاب يبحث عن الطريق ويرغب في النجاة . ولا ينبغي ان يزعجنا اختلاف الاراء وتعددها وتباينها ما دامت الرغبة صادقة فى الخير والآراء يلقح بعضها بعضا مع ان رجل الفكر ليس مضطرا كرجل السياسة والعمل للاختيار السريع بين مختلف الآراء والاتجاهات .

وانما تموت الامم إذا حمد فيها التفكير وعجز الناس عن التعبير واغلق باب الاجتهاد وسدت منافذ الجهد واصبح البشر نساء ورجالا بيادق على رقعة الاطماع والنزوات .

على ان " الفكر " ينبغى ان يتناول بالتحليل والتقييم وباسلوب أدببى راق - إلى جانب النظريات المجردة - المذاهب والقضايا الدولية الكبرى التى تواجه الانسانية فى الوقت الحاضر كقضية الحوار بين الشمال والجنوب والنظام الاقتصادى العالمى الجديد وقضايا حقوق الانسان والتعذيب والعنصرية بقسميها الجنوب الافريقي والصهيونى وقضية القضايا ومضلة المعضلات قضية فلسطين التى لها كبير تأثير على تطورنا وسلوكنا وكياننا ثم قضية الذرة ونزع السلاح وحبذا لو يتناول الشعراء هذه القضايا ويعمقوا النظر ويشحذوا الشعور فى التعبير عما تثيره من هواجس وآمال بما يثرى الفكر ويحيى الضمير . أو ليست جديرة بعكاظيات ؟!

ثم ان الفضاء واعماق البحار ميدان يوحيان بالعلم والشعر . فهل يتناولهما الكتاب ؟ وما اوسع الآفاق ! آفاق الفكر لمن يريد ان يفكر ويشعر ويثرى نفسه وغيره . حتى يكون لنا فى المعترك الثقافي الدولى مكانة تستند القضايا المصيرية وخير الانسانية

ان 25 سنة من " الفكر " تقيم الدليل على ان خصال الصبر والمثابرة والاتزان تثمر فى بلادنا رغم شتى الصعوبات والعراقيل وهى صعوبات وعراقيل طبيعية فى بلاد نامية وتكون اى تلك الخصال الارضية الصالحة للنهضة الضرورية للاستقرار والتقدم والدمقراطية السلمية . تلك الدمقراطية التى

كتب عنها الاستاذ محمد مزالى كتيبا فى سلسلة البعث علقت عليه فى حينه بالتنويه حريدة العمل فى عددها الصادر فى 9 مارس 1956 يوم هجم علينا طغاة الاستعمار وكدنا نفقد الحياة ونحن نطبع جريدتنا العمل وفى مطبعة ) تونس سوار ( بشارع بورقيبة

اني أهنئ من جديد أسرة الفكر على ما قامت وتقوم به من عمل مثمر ، وان طريق التفكير كطريق الجنة محفوف بالمكاره ، لا تدمى عليها الا اقدام المؤمنين الذين يشعرون وهم يكتبون بان لهم رسالة لا راحة لهم بدون ادائها وفي ذلك سعادتهم وخير الوطن والانسان

واني اغبط الاخ محمد مزالي على ما يشعر به فى الوقت الحاضر من هناء وسرور وهو يتذكر يوم دفع أول عدد من الفكر للمطبعة والمتاعب التى واجهها والظروف الصعبة التى مر بها قبل ان يثبت الحب ويثمر الزرع

فهنيئا له بفكره الثاقب الذي الهمه الفكر " وبثمرة جهوده فى مجتمعنا الذى ساهم ويساهم فى نموه .

وانا لنرقب نشاطه الموفق وهو يباشر اليوم شؤون الحكم برعاية صاحب الامر فخامة الرئيس المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة وهو نشاط بذله بايمان واخلاص وتفان ويستحق كل تقدير ودعم اذ تتحقق بفضله المبادئ التى ما فتئت " الفكر " تناضل عنها منذ 25 سنة والتى نجد فيها الكثير من شواغلنا وطموحاتنا التى عبرنا عنها اكثر من مرة . وفى مناسبات عدة بالنضال فى سبيلها والذود عنها والتضحية من اجلها قبل الاستقلال وبعده لينعم الشعب التونسى فى الاستقلال السياسي بثمرة كفاحه وتكون بلادنا فى مجموعة المغرب العربى اولا وفي المجموعة العربية والاسلامية والافريقية موطن قوة وثقافة ونتعاون تعاونا نزيها مثمرا مع اصدقائنا اينما كانوا وخير تعاون ما دعم التفاهم والسلام بين الامم وفتح للفكر آفاقا للعمل على تقدم بنى الانسان .

وانا إذ أتمني للاخر محمد مزال واعضاده كل توفيق أؤكد لهم - فى يوم الفكر ويوم صفاء التفكير ووضوح الايمان اذ يسمو العقل بالانسان الى المتعة الثقافية المثلى - عزمنا الراسخ على شد أزرهم بما استطعنا تفكرا وعملا . شأننا كما كنا وشأننا كما نكون ايمانا منا بأن خدمة الثقافة والوطن حق مشاع . . لمن يحرث الارض الطيبة التى تعطى ثمارها للكادحين . الذين تدمى اقدامهم على درب اليقين .

اشترك في نشرتنا البريدية