الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

كلام منثور لتجميع شوارد الذهن حول جمل ةواحدة ، (تحية سى البشير)

Share

" لا تكرهوا ابنائكم على أخلاقكم فانهم خلقوا لزمن غير زمانكم " *

عمر بن الخطاب

لا أذكر متى التقيته لاول مرة .

وقد لا تكون هناك مرة أولى ومرة آخرة . فهو من أطياف الزمن يعاند القلب المؤمن ، يعاود الانصار والكفار ، يراود الاذهان على مدى تحولات الاجيال .

ربما انبرى لعينى مجمعا جسمه النحيل فى جبة رمادية متربعا فى اريكة واسعة من أرائك نادى أبى القاسم الشابي ملاطفا سبسيه بأنامل رقيقة حتى إذا مل كوى رأسه بالنار وقبل ثغره بشفتين أدق من خيط الفجر ، فلا يعرف السبسى أيشتكى من لوعة اللهب أم يترنم بلطف القبل.

- اشكون هذاك ؟ - ما تعرفوش ؟ هذاك سى البشير متاع " برق الليل" ..

فى ذلك العهد كان سى البشير من الذين لا يسهون عن صلاة عشية السبت فى معبد بناه مع عدد قليل من الرفاق المؤمنين واسموه نادى القصة . كان المتعبد الوفى الذى لا يغيب . بل كان أول القادمين آخر المنصرفين ، حتى حسبناه لا يرحل . كان " عرصة النادى ".

وكل احد شيخين (1) حريصين على اشعال كل الفوانيس فى ذلك المحل المنفى في حى الوردية كل عشية سبت وان ضل المريدون يومها . فلربما اهتدى اهل الشك او الفضول.

- اسمعوا . ولو ما جا حد منا . وصيوا العساس يطبخ التاى كالعادة .. ويخلى شمعة النادى تشعل .

تغيب سى البشير مرة . ثم مرات . ثم انقطع مجيئه . ثم انقطعنا عن النادى ولكن الشمعة التى اشعلها سى البشير لم تنطفئ . هي لا تزال تعاند الفتور والفتنة والافلاس فتضئ قلوب فتية آمنوا بما آمن به من قبلهم سى البشير فالتزموا المثابرة فى الكتابة مهما حصل واينما قادهم الرحيل. كان ايمان البشير خريف بالقصة يخيفنا.

لم نكن نتصور ولا نتصور الآن ان احدا منا سيصبر ذلك الصبر فى الهامش والرياح عاتية تعصف في جماجمنا وتهتف بحلول ساعة التمرد على كل ايمان ثابت وعلى كل تفاؤل مستكين.

ولم نكن نتصور ونحن نتصور الآن ان بامكان احدنا ان يتطاول على اسس كان شيخانا يريدان اثباتها للقصة التونسية ، فلا يغضب الشيخان ، بل ان أحدهما ينصت ويقرأ وينشر والآخر ينصت ويبارك ويضحك ضحكة مبحوحه خافتة :

- الله يهديكم . - علاش سى البشير ؟ - قول آمين ، الهدى ديما باهي.

فى مواضيع أخرى من ذاكرتي آوى فتيان يجلسون الى مائدة سى البشير مساء الخميس فى " مقهي المغرب " او فى " مطعم الديك الذهبى " او فى نادى دار الثقافة ابن خلدون بعد جلسة نادى الخميس . اللقاء اسبوعي ولا داعى ولا موعد ولا مناسبة سوى العادة والالفة والانس.

- اللى يحب يجى مرحبا . كل شئ موجود ، التاي القهوة ، الشراب للى يقد روحو واللى عندو يخلص.

- سي البشير ، اشنو رايك فى قصة محمود ؟ - كيف هو رضا عليها ونشرها لازم تكون باهية . شو هاك العام مشيت لفرنسا...

ينطلق سى البشير في ذكرياته لا يعود الا اذا ادرك اننا نسينا قصة محمود كان لا يستسيغ الخوض فى أمرين : السياسة " متاع اماليها " والأدب التجريبى "متاعكم انتوما مسؤولين على جيلكم " .

كنت في طرف المائدة انظر واصغي اشعل سى البشير سبسيه . تساءلت : هل ان الرجل يسخر منا ؟ انه لا يعبا باستفزازاتنا ولا يتحرج من جلوسنا معه فى نفس المكان حول نفس المائدة وهو يعلم اننا نرمى أدبه بالانتساب الى الماضى بل بالمجانية اذ هو لا يقصد الا اثارة احدوثات طريفة فى اطار مجتمع ساذج منسحب متقلص ، بل بالنقل الواقعي الذي لا يتطلب جهدا او فنا . وهو يعتقد اننا جعلنا القصة "تاكل على رأسها ما كلى الطبل نهار العيد " لكنه يبقى هادئا يناوش اطراف الحديث عن الخمر ، وعن النساء ، وعن الفن ، وعن الدنيا التى " تضحك إلى يضحك لها " وعن " العالم اللى هو عالم ربي واسع ، وحرام عليهم اللى بدعوا الباسبورات وعيب على الجماعة الاخرين اللى اعطاؤهم وفكوهم.

قد لا نستفيد من الرجل شيئا يخص القصة التونسية . كتابته معروفة وهو لا يعرف الحديث عنها مهما حاولت استدراجه . وكتابتنا لا تعنيه لانه من جيل غير جيلنا.

ولو سألته عن كاتب غيره من جيله يراوغ ويبدأ اجابته بضحكته المبحوحة : - مصطفى خويا الله يرحممو قال لى ...

انصرف خائبا حانقا . وأعود بعد اسيوغ لان الفضول سكنني والتحدى ملكنى.

- أصى سمير يعيش ولدى راك مازلت صغير .

في يوم احد . انا ومحمود ( ... ) وفرحات (... قادتنا ارجلنا بعد ان حملتنا سيارة اجرة الى بيت سى البشير بالقرب من ضاحية منوبة . البيت وسط مزرعة وسى البشير وسط الغرفة لا يندهش لقدومنا. - مبروك الكتاب سى البشير... السبسى اولا - مبرك على اماليه . خرج مني ارتحت منو .

الشاى ثانيا - هايلة الرواية سى البشير... - انت كل شى عندك هايل يا محمود - بالمنجد نكلم فيك - عاد أنا انجم نكذبك . بعد اللى تعتقد اللى "صحن كفتاجي بالعظمة" حاجة هايلة . قول هو يشبع الى ما فى حالوش. والضحكة المبحوحة اللطيفة ثالثا. - سي البشير انت عشتها الرواية يظهر فيك - كان نعيش كل القصص اللى كتبتها مانى نولى قطوس بوسبعة ارواح - المكى وحفه والعطراء لازم تعرفهم.. - من بعيد لبعيد .. واذا موش هو ما ناس كيفهم . تعرفشي كيف الحقيقة متاع ربي ، آنا رجعت برشه مرات للجريد باش تخيلتهم ، سمعت الناس تحكى .. وهو راهو موش مهم . المهم هو ماتوا فى كتاب باش يعيشوا بعدى. - قداش قعدت تكتب فيها ؟

- منعرفش بالضبط . ما سجلتش . المرات الاولى كتبتها فى ليلة واحدة ، اربعة وثلاثين صفحة بقلم الرصاص فى زمام . بعد خدمتها ...

في طريق العودة قال محمود : هذا الرجل سيغلبنا لانه وفي لتاريخ كامل ولاشخاص عاشوا محنهم الخاصة بدون ان يتدخل هو فى شؤونهم بدعوى انه المؤلف .

قلت : الا ترى انه يتدخل بفكره وذوقه وظرفه ؟ فهو ربما كتب عن حقب سابقة لكنه بعقلية الحاضر الذي يحياه كما يحياه . ان ليلة الحب التى عاشتها العطراء وماتت من اجلها لا يمكن ان تكون الا فى ذهن الحاضر . ثم لا تنس ان فى طي تعليقاته محاولة للتعبير عن أفكاره . هي أفكار ساذجة عموما . أفكار انسان يحاول تسليط حكم القارئ الذي لا ينتسب للحقبة المعلومة ولا لجيل المؤلف . اسمع :

" قال لهم وهو يحسر عن ذراع لطيف

- تشوفوا كيف نجعل من ها الضعف قوة..

تلك وقفة الحبيب بورقيبة فى فجر الحركة المباركة التى ننعم بضحاها " (2) لا اظن ان هذا التعليق الاخير مما يراود اذهان الناس فى ذلك الوقت . لذا

فهى حضر المؤلف نفسه في الرواية معلقا على احداث وشخصيات ماض بعيد بخواطر عهد جديد ينعم بشمسه.

قال محمود : لعل المؤلف لا يعيش فى واقع الامر معنا ، بل مع أبطاله فى سالف الزمن . لعلنا لا نراه ولا نسمعه بل يخيل الينا . لعله شبح يعاودنا. سكتنا . طويلا . بقيت كلمة يتردد صداها على مدى الطريق بين شفتى - فرحات: " اربعة وثلاثين صفحة بعد خدمتها . ." "وماتت بتجهد المؤذن وطلع سكير آخر سكت عندما "

وكذلك الذاكرة تأخذني الآن في قراءة عكسية " للدقلة فى عراجينها " . لكنها تتوقف عند هذه الجملة وتعود الى النسق المرتب : "عندما سكت آخر سكير وطلع المؤذن يتهجد ماتت" . جملة واحدة في سطر واحد . ذلك أهم ما كتب البشير خريف . بين الحياة التى تنتهى والحياة التى تبدأ.. بين الحياة التي تنتهي نشوى بعيش متقلب الاحوال والحياة التى بدأ راضية مرضية ماتت العطراء.. تخلص منها البشير خريف نهائيا بقصاوة ودقة. ضربة واحدة . قاضية . قاصمة . كنزول سيف القدر كتب " ماتت . ولم يضف ضميرا واحدا يذكرني بها. وضع ماتت في أعلى الصفحة في نهاية سطر واحد هو السطر الرابع . وبقيه الصفحة بياض . ما عدا ذكر مكان وتاريخ هو تاريخ ذكرى فصل بين ماض وحاضر. فى واد قريانة واد الصمت وفى تاريخ 18 جانفى... " ماتت . فى النادى وخارجه ، وفي منتديات عديدة ، وضمن صفحات متعددة، لا تزال الشمعة تضئ . بل قد قوى وهجها ، فادركنا انها من الشموع التى لا تفنى مدد الله فى حياتها.

انتهى الملف الخاص بالقصاص البشير خريف

الشاى ثانيا - هايلة الرواية سى البشير... - انت كل شى عندك هايل يا محمود - بالمنجد نكلم فيك - عاد أنا انحم نكذيك . بعد اللى تعتقد اللى "صحن كفتاجى بالعظمه" هايلة . قول هو يشبع الى ما فى حالوش. والضحكة المبحوحة اللطيفة ثالثا. - سي البشير انت عشتها الرواية يظهر فيك - كان نعيش كل القصص اللى كتبتها مانى نولى قطوس بوسبعه ارواح - المكى وحفه والعطراء لازم تعرفهم ... - من بعيد لبعيد.. واذا موش هو ما ناس كيفهم . تعرفشى كيفاش الخ متاع ربي ، آنا رجعت برشه مرات للجريد باش تخيلتهم ، سمعت ال تحكى . . وهو راهو موش مهم . المهم هو ماتوا فى كتاب باش يعيشوا بعد - قداش قعدت تكتب فيها ؟

- منعرفش بالضبط . ما سجلتش . المرات الاولى كتبتها فى ليلة واحدة اربعة وثلاثين صفحة بقلم الرصاص في زمام . بعد خدمتها ... في طريق العودة قال محمود : هذا الرجل سيغلبنا لانه وفي لتاريخ ولاشخاص عاشوا محنهم الخاصة بدون أن يتدخل هو فى شؤونهم بدعوى المؤلف . قلت : الا تري انه يتدخل بفكره وذوقه وظرفه ؟ فهو ربما كتب عن سابقة لكنه بعقلية الحاضر الذي يحياه كما يحياه . ان ليلة الحب التى ع العطراء وماتت من اجلها لا يمكن ان تكون الا في ذهن الحاضر . ثم لا تنس فى طى تعليقاته محاولة للتعبر عن أفكاره . هي أفكار ساذجة عموما. انسان يحاول تسليط حكم القارئ الذي لا ينتسب للحقبة المعلومة ولا المؤلف . اسمع :

"قال لهم وهو يحسر عن ذراع لطيف - تشوفوا كيفاش نجعل من ها الضعف قوة . تلك وقفة الحبيب بورقيبة فى فجر الحركة المباركة التى ننعم بضحاها لا اظن ان هذا التعليق الاخير مما يراود اذهان الناس في ذلك الوقت

فهى خضير المؤلف بخواطر  قال محمود : لعل المؤلف لا يعيش سالف الزمن . لعلنا لا نراه ولا نسمعه  سكتنا .  طويلا .  بقيت كلمة يتردد صداها على مدى الطريق بين  " أربعة وثلاثين صفحة بعد خدمتها .." "ماتت يتجهد المؤذن وطلع سكير اخر سكت عندما" وكذلك الذاكرة تأخذني الآن فى قراءة عكسية . للعقلية فى  لكنها تتوقف عند هذه الجملة وتعود الى النسق المرتب :  "وعندما سكت آخر سكير وطلع المؤذن يتهجد مات". جملة واحدة في سطر واحد . ذلك اهم ما كتب البشير خريف .  بين الحياة التى تنتهى والحياة التى تبدأ.. بين الحياة التى تعيش نشوى بعيش متقلب الأحوال والحياة التى بدأ راضية  مرضية موتت  تخلص منها البشير خريف نهائيا بقصاوى ودقة . ضربة واحدة . قضية . قاصمة كنزول سيف القدر  كتب "ماتت" ولم يسبب ضمير واحدا يذكرنى بها .  وضع ماتت في أعلى الصفحة ف ىعباية سطر واحد هو السطر الرابع . وبقية . الصفحة بياض.  ما عدا ذكر مكان وتاريخ هو تاريخ ذكرى حصل بين ماض وحاضر.  فى واد قريانة واد الصمت وفى تاريخ ... " ماتت " . فى النادى وخارجه . وفي منتديات عديدة ، وضمن صفحات متعددة.  لا تزال الشمعة تضيء . بل قد قوى وهجها فادركنا أنها من الشموع التى  مدد الله فى حياتها .

انتهى الملف الخاص  بالقصاص البشير خريف

اشترك في نشرتنا البريدية