الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

كلبان

Share

كان رجل ثرى يملك كلبين  عظيمين  وكانت زوجه تخص احدهما بعناية فائقة . . ولاحظ الآخر هذا الميز فتألم في نفسه وكتم حنقه وغيظه .

وفى احد الايام ، بينما كان جالسا الى رفيقه خطرت بفكره حيلة طالما بحث  عنها ولم تحضره فبصبص بذيله لاول مرة منذ دخل منزل صاحبه والتفت  لرفيقه وفاتحه الكلام :

" نحن يا عزيزى من جنس واحد . . ويغلب على ظنى اننا من سلالة واحدة . وغابت عنى الآن قصة ذكرتها والدتي نقلا عن جدتها الا انى اذكر منها - وهو المهم - اننا انحدرنا من جد روحه متناسخة عن حكيم كانت تعيش فى جسم انسان . . ولا شك ان هذه الروح قد تقمصت جسمى واقامت في هيكلى ومن ثم اوتيت الحكمة وصرت مترفعا عن التزلف والترامي على الاقدام  واحتقرت من اجل ذلك سيدتك التى اتخذت منك مسليا واعتبرتك لعبة  تلهو بك وقت الفراغ وتتحدث عن بلادتك وبلهك الى صديقاتها اللواتى يشاركنها  فى هواية الكلاب . . وهي وان تهتم بشأنك وتهمل شأنى فلانها لاحظت شممى  وكبريائى اللذين لا انزل دونهما ولا استجيب لسخفها وبساطتها . . ولما  علمت من وقارى وهيبتى الكثير ، تركتني ووجهت عنايتها لك فهى تطعمك  لا لحاجتك الى الطعام بل لحاجتها هى الى ضخامتك كى يقال انها تحب الحيوان  وترفق به . . ثم لانها تأمل ان تنال بك الجائزة الاولى فى المعارض التى تقام فى كل سنة .

اما رأيتها بالامس لما ارادت استمالتي بامرار يدها على جسدى . . رفضت طلبها بالاشعاع النارى الذى ارسلته من عيني ، وافهمتها بأنى لست من  العاطفيين الذين ينزلون من عليائهم لارضاء بطونهم ، واشباع نهمها .

فحملت صنيعى ذلك على ان الوحشية ما زالت كامنة فى ، ولم اتطرق الى اساليب التربية الحديثة رغم المؤثرات العديدة التى تحوطنى والتى ابتكرتها المدنية الحديدة . . واني يا عزيزى احدثك بهذه اللهجة لانى اشفقت عليك  وساءني تصرفها نحوك وانقيادك الاعمى لها . . واخشى على نفسك ان تأنس بالذل والهوان ويتأصلا فيها ويصيرا كغريزة ربما لا تنفع من بعد مقاومتهما . ولذلك اسرعت لكشف حالك القاتم ومصارحتك بما يكتنف جوك من اوباء ستقضى على اسديتك وتنزل بك الى هاوية يستوى فيها حالك - ان لم تحاول محاربتها - بالسنانير التى لا يروقها غير تصيد الفئران

رياء يا عزيزى كل ما تصنعه معك . .

وليس من الترفيه في شئ ما تخلعه عليك فى الشتاء . . وما تنزعه عنك فى الصيف . . وما تحابيك به من فاخر الاكل وشهى اللحوم . . وما . . وما .

انها بكل ذلك تسعى لان تقتل ما وهبتك اياه الطبيعة  من شجاعة وحرية انها توهمك بانها تفعل معك كل حميد لتتمكن من التحكم فيك كيفما راقها  وطاب لها . ألم يخامرك هذا ساعة ما ؟ . ولم تتيقظ فى نفسك عزة اجدادك  وتذكى  فيك شعلة الحمية على الانطلاق من هذا السجن المهذب ؟ . ألم تشته ان  ترسل صوتك بالنباح دون ان تلكز وتمنع ؟ الا تأمل ان تنقض على دجاجة  وتتلذذ بتمزيقها بانيابك التى ذهبت حدتها ، دون ان تطارد وتجلد ؟ .

لا استطيع تصديقك لو اجبتني بالنفي . . لما مرت على من تجارب متنوعة  تمكنت من الافادة منها ، وصرت خبيرا بدقائق الاشياء ، وطبيعة النفوس وكما اسفلت لك تقمصتني روح حكيم من بني آدم زودتني بما خبره الهيكل الآخر قبل ولادتي . فاضفت لها ما وعيته انا بنفسى ، وصارت لى حنكة  بكثير من علم الانسان وتقلباته . .

انه من واجبى ان اكشف لك عن مواطن الداء لتتمكن من معالجتها . .  والحكيم الحكيم هو من يسعى الى اسعاد بني جنسه ويقدم نفسه ثمنا لهذا الامر .

وما حكمته ان لم تستفد منها أمته وما الفارق الذى يميزه عن بقية الناس ؟ . . فمن الواجب عليه ان يكاشفهم الحقيقة ولو كانت مرة ، كي يكونوا على بينة مما هم عليه . .

انه ان يفعل ذلك ، فقد قام بواجب اناطته بعهدته الطبيعة . وكلفته به  إذ وهبت له ما ليس للغير . ويعد خائنا ان استغل الحكمة واستعملها لنفعه وسخر من هو دونه للعمل ولصالحه هو وحده . . فهذه هي اللصوصية المهذبة التى ينظر اليها القانون ولا يقيم لها وزنا . بيد ان خطرها ادهى وافحل . . وذلك هو الحيف المستور بالحكمة . .

لقد رسمت لك . . بل رسمت لنا خطة اذ كل ما يلحقك من سوء فهو لاحقني . . وبذلت ما وسعنى فى كيفية التخلص من عبودية وصفوها بضرورية للمدنية . وعليك باتباع ما اشير به عليك كى يتحقق النجاح ، وما نصبو اليه من مقاصد وغايات . . لو نبدأ باضراب الجوع كامل يومين متتابعين .  ونتظاهر بالمرض . . ولا تعد تجلس القرصاء كما كنت تفعل ساعة الغداء  والعشاء . . بل انطرح وتعمد الاسترخاء . . وان جاءتك سيدتك فلا تهتم بها واتركها هكذا حتى تتساءل عن حالتك وتستشير صديقاتها فى شأنك وسأفعل مثلك حتى تستغرب الخادم امرى وتخبر سيدتها . . ومما لا شك فيه انها  ستأخذنا الى البيطار عندئذ يجب عليك ان تتثبت فى سيرك وتتصنع الألم  ولا تنقد لها . . واذا اطلقت عقالك فاغتنم هذه الفرصة وفر إلى الوادي فأنا على اثرك . . "

وافترقا على ان يكون الامر كما ذكر . . الا ان الكلب البليد لم يطق صبرا ولم يحتمل حرقه الجوع . . واثارت غريزته روائح الاطعمة الشهية . . فنسى  وعده لرفيقه واخلف ما اتفقا عليه . . وسال لعابه ، فتغلب عليه الجشع

مر يومان على الكلب الحكيم ازداد فيهما شحوبة ووضحت عليه علائم السقم وصادف ان تضاعفت اشغال الخادم لكثرة تردد الضيوف فلم تحفل  به . . فتفاقم بالمسكين الهزال حتى عجز عن الخروج من زاوية فى سطح المنزل خصصت له . . وانطوت ايام بلياليها ، عانى اثناءها الكلب الحكيم ألوان  العذاب . . عذاب الحكمة التى اوتيها والشعور بالحرية التى مات فى طلبها والمبدأ الذى تعلق به ، فذاب فى سبيله غير ماسوف عليه . .

اما الآخر . . . لما رأى رفيقه محمولا ليدفن ضحك في قلبه وقال :

سأعيش بعد اليوم هانئا ، وانعم بما تعطينيه  سيدتى الحسناء الفاتنة " . . .

اشترك في نشرتنا البريدية