الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

كلمات :, في الشعر

Share

قال لى صديق : أقرأت قصيدة فلان ؟ انها تبدو جميلة ورائعة ، وبالأخص لأنها ليست من شعر المناسبات . . ؟

قلت : قد تكون جميلة ولكن من قال لك ان شعر المناسبات ليس كله جميلا وليس كله رائعا ، انى اطرب لشعر المناسبات ، كما أطرب لغيره من أنواع الشعر ما دام الشاعر يصدر فى شعره عن ) شاعرية ملهمة ( وعن عاطفة جياشة ، وعن فن اصيل ؛ وكان لكلامه من الموسيقى التى هي الشرط الجوهري لكل شعر - ما يهز النفس حقا ، ويؤثر فيها ، ويوحى اليها . قال كلا . . فانا بالنسبة الى شعر المناسبات ، أرى غير ما تراه !

قلت له بلغته : كلا فليس هذا رأيا أراه أنا ، وانما هو رأى جهابذة الشعر ، وجمهرة الناقدين ، ودليلي - يا صديقى - هو هذا الشعر العربي القديم ثم شعر الاسلاميين ، ثم شعر المولدين ، ثم شعر المعاصرين .

هذا زهير بن ابي سلمي ، وهذا نابغة ذبيان ، وهذا حسان وهؤلاء الاخطل والفرزدق وجرير ، ثم هؤلاء ابو الطيب والبحترى وابو تمام : الشعراء الثلاثة الذين قال عنهم ابن الاثير فى مثله السائر ١ انهم: لات الشعر ومناته وعزاه . .  " ونحن بالطبع لا نستحسن هذا التشبيه ، وان كان هذا المؤلف الناقد القديم ، قد أراد منه - دون ما شك - : التقدير والاطراء لهؤلاء الشعراء " . وأخيرا شوقي أمير الشعراء ، وزميلاه الكبيران حافظ وصبرى . . هؤلاء الشعراء الكبار هم بالأجماع أنبغ شعراء العربية فى مختلف عصورها التاريخية ، ومعظم شعرهم الخالد انما هو شعر مناسبات وهذا الشعر ، مازلنا نقرأه الى اليوم ، فنطرب له كل الطرب ، ونتذرقه كل التذوق ، ونميل اليه كل الميل

فهل حال بيننا وبين أن نطرب لهذا الشعر الحى الرائع الجميل انه من شعر المناسبات ؟ كلا يا عزيزى كلا . انما علامة الشعر الجميل انه شعر يهز النفوس !

وهذه " الفتنة الشعرية " - ان صح هذا التعبير وهو فى نظري صحيح ! - هذه الفتنة الشعرية التى تملك عليك شعورك ، وتستولى عليك كل الاستيلاء وأنت تقرأ الشعر الذي يصح أن يسمى رائعا ، هذه الفتنة الشعرية انما مثارها ان هذا الشعر صادر عن طبيعة شعرية ، وعن قوة في العاطفة وعن صدق في الاحساس ثم تأتي الموسيقى . ويأتى حسن اختيار الالفاظ ، وحسن اختيار الاوزان ولا فرق بعد هذا ، سواء اكان من شعر المناسبات ، أم من شعر الوصف ، أم من شعر الاجتماع .

وهذه السمات الشعرية متكاملة ، هي سر الجمال الشعرى ، انها وحدها مصدر ما نشعر به من متعة حينما نقرأ القصيدة أو المقطوعة للشاعر المطبوع .

ووجود هذه السمات هو مايجعلنا نتعشق شاعرا من الشعراء وننجذب الى شعره كل الانجذاب ، ونقدم اليه اعجابنا ، لأنه هو نفسه يفرض علينا هذا الاعجاب ! وبالعكس - يا صديقى فان انعدام هذه السمات هو مايجعلنا ننفر كل النفور من شعراء آخرين . ونتقزز من شعرهم كل التقزز ، ونزدريه كل الازدراء لان هذا الشعر بطبيعة الحال ، هذ الشعر المائت الهزيل لا يهزنا أى اهتزاز ، ولا يؤثر فينا اي تاثير ، ولا يوحى فينا اي عاطفة ، او اي معنى من معانى الحق أو من معاني الخير ، أو من معاني الجمال !

وسمة آخر للشعر الرائع الجميل هي الصدق - يا صديقى الصدق فى كل شئ الصدق فى العاطفة ، والصدق فى الاحساس ، والصدق فى التعبير ثم الجودة الفنية فى المكان الاخير .

وذلك هو السبب - اولا واخيرا - فى هزيمة ألوف من الشعراء النظامين . . لأنهم وقد استحال عليهم ان يكونوا صادقين استحال عليهم أن يكونوا شاعرين !

اشترك في نشرتنا البريدية