الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

كلمات مبتورة للقلم

Share

ملعون أنت يا قلمي . . حطبت فى الجبال الوعرة من أجل أن أحميك وتريد اليوم أن تخذلني . . دست فى الطين اللزج حتى الركبتين حتى كادت الارض ان تمتصني من أجل أن ألقاك . . وها أنت اليوم تريد أن تهرب منى . . ملعون أنت يا قلمي . . أصابعي هذى الرقيقة الجميلة التى خلقت لتزرع الحنان ، تواسي حرمتها من جنان الحب وخواتم الذهب والجواهر ووضعتها فى النار المقدسة نار الحروف والكلمات وعلمتها كيف تسعى بين جحور الافاعي السامة بحثا عن فكرة . . بحثا عن جملة . . بحثا عن الكنوز المحجوبة . . أصابعي تلك ضحيت بها من أجلك يا قلمى . . من أجل إرضاء نزواتك وتخونها اليوم يا قلمي وتجف . . تجف يا قلمي تجف . . حتى أنت يا قلمي تعرف ما معنى الخيانة ولك أنياب صفراء وتضحك . . سحقا لك يا قلمى  .

لكن نسيت أيها المارد الصغير نسيت أننى فى الزمن القديم كنت بطلة رياضية . . كنت سباقة فى العدو . . كنت كالقطة أنط على الحبال وأتسلق السلاليم كنت أحسن التنفس من أعماق الضلوع . . وكان الهم ضبابا فى سمائي وكانت دمائى من شراب الزهر والسكر وكنت أحسن فنون المرح والتأمل . . كنت كالطقس : أسيل وأكفهر فى الشتاء . . وأزهر وأشمس فى آلربيع . . وأحرق وألسع في الصيف وأفتر وأتخاذل فى الخريف . . كنت يا قلمى الحياة بعينيها . . وكنت عشاقة عشقت المعرى بالرغم من عيونه الملسوعة بالجدرى . . عشققت الجاحظ بالرغم من جحوظ عينيه . . عشقت إمام المسجد بالرغم من تقدمه فى السن .

يا قلمي نسيت من أنا أنت كفور جهول غبى ماذا أصابك في عينيك . . عشيت عيناك . . نسيت يا قلمى عشرتنا الطويلة نسيت السهل والجبل . . نسست الليل والسحر . . نسيت الحب والموت . . نسيت العفريتة صاحبتك . . يا قلمى . . سأعصرك عصرا . . سأحقنك من جديد حروفا من نار أو من صديد . . من دم . . من دموع . . من قهقهات . . من طموح . . سأركب فيك احدث الآلات . . سأجعلك ماردا صعبا يحتضر ليحيا . . ويحيا ليحمل

المعول . . ليهدم . . ليبنى . . ليزعزع . . لينبش . . ليزرع . . ليستأصل . . ليوقع . . ليغنى . .

يا قلمى نقمتى عليك شديدة . . احترز جيدا فانى لا أبالى فى سبيل إرادتي لوما . . يا قلمي القناطر المهلهلة رقصت فوقها رقصات التحدى وشقوق الخطر تغمزنى . . مياه النهر ترتعش لتضمنى وأنا أرقص رقصة الحياة . . وأقفز نحو السهل فى اللحظات الاخيرة . . وتنهار القنطرة خلفى وأضحك عليها من بعيد . . وأركب الاجنحة الخفية من جديد وأطير . . أطير الى ما وراء البحار . . فعندى هناك منافس خطير . . حسابى معه لم يصف بعد . . وأبس طاقية الاخفاء وأمسك قصب السحر والحنان والهم وجعبة المشاكل . . وأطوف حوله . . منافسى الخطير يتظاهر بتجاهلى بعد أن ظن أنه مهزوم . .

واننى تلميذة إبليس الاولى . . منافسى الخطير . . أعرف جيدا أنه يحيا من اجل أن ينتقم منى . . لقد حقنته من غير أن أشعر بسموم الحياة المضادة . . بذرت فيه حب العراك . . علمته التحدى . . علمته الحركة . . علمته تكسير الحدود . . علمته أن يخلق النصر من أصل الهزائم . . علمته أن يثور على الروتينية . . وأن يمزق خيوط القز ويرتدى الخيش والقش . . ويعرى هامته للشمس . . من أجل أن يكسب هدفا . . من أجل أن يعيد خلق ذاته على الأقل مرة واحدة فى العام  .

منافسى الخطير . . يدعى أنه نسينى وأن الحياة تشعبت بنا وأن منحاه ومنحاى اصبحا ضدين لا يأتلفان . . ولكنه مخطئ اعرف انه مخطئ . . لأنه من وراء الحدود . . مع الأجهزة اللاسلكية . . مع هبات النسيم مع موجات البحار . . مع الطير النازح . . مع كل باخرة تعبر اليم . . أو طائرة تخرق الفضاء . . يسأل عني . . يرمز لاسمى بحروفه الاولى . . يقطع لحمى . . يحلل فكرى الجامحة . . يشبهنى بالفرس الجموح . . باللغز الأبدى . . يحذر الناس أن يقتربوا منى يقول لهم : انها كتلة من البارود فحذار أن تدخنوا سجائركم بالقرب منها . . يفعل كل ذلك لأنه يعرف أن الأخبار تأتيني الى عقر كهفى واننى ملكة جبارة . . عبيدى فى كل مكان يتراءون ولا يتراءون لكنه لا يعرف أن آفة الأخبار رواتها . .

يا منافسى الخطير أنت ما زلت رضيعا كما تركتك لم تكبر ولو قليلا . . انى أحنو عليك . . سألقمك حبا وهميا . . سأكسوك بردا خرافيا . . سأغنى

فى أذنك اليسرى أحدث الأغاني . . سأدغدغك حتى تسكر . . وسأصفعك لتفيق . وقبل أن تعرف من الجانى سأجلس على بساط الريح وأطير بعد أن اترك فى يديك قطعة من معدن محفورا عليها اسمى  .

ملعون أنت يا قلمى . . حر نت وتمردت طيلة أيام السبات كأنك تعلمت منى التحدى . . كأنك شربت طباعي . . لن تنقش اثرا واحدا ما دامت العروق جافة . . ما دام الشجر بلا أزهار . . والنقمة متكاثفة . . والحب معدوما . . والسم يعوض الدم . . وما دامت الثعابين الصغيرة مغروسة فى أفواه الناس . . تطل برؤوسها من جحور العفن وجماجم الحكمة وكتل الغرائز  . . يا كتل الغرائز ! !

أنت يا قلمى . . أنت يا سيدى . . أنت يا عبدى يا من أقول لك كن فتكون أو لا تكون . . على هواك أنت الوحيد الذى نصرنى يوما . . وخذلنى أياما أنت يا  قلمى . . من أنت ؟

هل أنت الساعة الدقاقة فى شرايينى تحصى على أنفاسى وتجس نبضى وتخزنى عندما يكون للوخز قيمة ومفهوم يا قلمي  . . !  أنت غريب مثلى . . كم من مرة وضعتنى فى مفترقات الطرق وقلت لى اختارى  . . ! كم طوحت بى . . إننى ألعنك في نقمتى ألف مرة فى الثانية لأنك أغريت بى أصحابك . . ألبتهم ضدى . . جعلتني كالمسحورة بما يرسمون على الورق . . شكلتم جميعا أمامى عالما . . قلتم أنه الحق ولا حق سواه . . قلتم أنه العدل . . قلتم أنه الزرع والنوار والحياة والحب . . قلتم أنه بسمة الصغير الجائع . . وحلم الكادح المحروم . . وسعادة الحسناء التائهة . . قلتم أنه الفن . . انه الرسم . . أنه المسرح المتجول . . انه الحياة . . انه الخلود  .

ولما اقتربت وجدت السراب لزجا عفنا . . فذهلت . . صدمتنى كتل الغرائز . . آه يا كتل الغرائز . .

يا قلمى . . وانت يا منافسى الخطير . . التراجع اليوم أصبح عندى مستحيلا . . والحياة العادية صارت وباء . .

كلاكما اليوم أعاتب . . سأعجنكما عجنا . . سأحتطب وسأوقد . . سأذيب فيكما بقايا حجر الثلج . . وسأعريكما يوما من كل ما لبستما من ثياب النفاق والركود والتجاهل  .

اننى ما زلت قوية ما زلت . . لقد فقدت بعض الأرطال من شحمى . . وبعض المقاييس من عقلى . . ولكن عودى ما زال مستقيما . . ودقاتي على الأرض ما زالت متوازنة . والخط الذى حفرته بأظافرى ما زال محفورا . . وقصب السبق فى آخر الطريق ما زال يناديني ويفتح ذراعيه كالصنم الباهت فى انتظارى . . وما زلت مصرة على ان اخلق مدينة عائمة . . جزيرة يقظة . . برجا من معدن . . جبلا من وعى . .

فما زالت عندى أنامل . . وما زلت يا قلمي حيا . . وما زال منافسى الخطير يكسر الحجارة ويجفف العرق  . وبالرغم منى . . ومن تشنج الزمن . . سأكتب سأكتب . . سأكتب .

اشترك في نشرتنا البريدية