الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

كلمات مشوشة في لحظة احتضار !

Share

الضباب ينتشر ببطء على السواحل الممتدة حتى يغمر العالم بأسره . . . فلا شئ يمكن ان تراه فى ذلك الصباح البارد من ايام الشتاء القارسة . . . الا الضباب . . . كل الاماكن أصبحت ظلالا شاخصة . . الا ملامح لحقيقة مختفية . . . وقد اخذت النسمات الباردة تهب على وجوه البحارة الحائرة نحو الافق البعيد فتعبث بشعورهم الوسخة والملبدة . . لا شئ يبدو منهم الا ظهورهم المنحنية على الارض المبللة ، وقطرات الندى العالقة بطرف شعورهم فزادت هذه الرطوبة فى انحناءتهم وارتعاشة اجسادهم النحيفة تحت الخرق البالية التى لا تعرف الا ماء المطر ورذاذ البحر والضباب . . . فاخذ الزمن يمر فى حين زاد عدد الجموع يتكاثر . . . كلهم شاخصون الى الافق الذى يحجب الضباب الكثف . . ماذا يبحثون ؟ ! ماذا يترقبون ! صمت رهيب يخيم على المكان الا صيحات البحارة المتقطعة على الارصفة المتآكلة كعواء ذئاب جائعة . . كصدى عويل مسترسل تردده الاصداء البعيدة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الرؤية غير واضحة . . . الضباب منتشر . . لا يمكن ركوب البحر الهائج . . . والأمواج العاتية . . . عودوا الى منازلكم عليكم بالراحة . . . انها ايام الراحة تقضى فى الحانات ! أين الدفء . . والسلتيا . . والوسكى . . والفودكا . . والباستيس . . . والكوديا . . والاسماك المشوية ، وروائح المرفاز الفائحة . . . والدجاج المصلى و . . . و . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

واستمرت الاصوات مضطربة مشوشة . . . فى حين وقف البحارة حائرين ايديهم على بطونهم الخاوية . . . وبدت اسنانهم تصطك بكل عنف . . . فزادت هذه الاسماء العذبة فى ترديدها آلامهم وعذابهم . . وبدا كان عجلة الزمن قد وقفت فجأة امام هذا الضباب  . . . اين انعدمت الرؤية فى عالم رهيب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الضباب ينتشر ... يجثم على الصدور ... فهو بداية لايام باردة لليالى حالكة ... الضباب هى اللحظات الاولى لحياة لا تعرف الاعتدال ... ولاح فى الافق نور احمر بنفسجى ... أخذ يميل رويدا ... رويدا ... الى قتامة الدكنة والسواد ... فالتجأت نحوه الاعين بكل ارتكاز . . وارتبطت به القلوب بكل قوة . . . واتجهت نحوه الاصابع مشيرة . . والايدى عالية . . . والافواه هاتفة . . . .......................................................................

انها الشمس ... انها الشمس ... من هنا ستشرق على العالم ... من هنا سيطلع النهار على الدنيا ... من هنا سنمر الى الحياة ... ها قد انقضى الليل ... الضباب سيندثر ... سيتلاشى ... ستطارده الاشعة اللامعة . . الشمس المحرقة فى كبد السماء الصافية . . .......................................................................

واختفى فجأة اللون الاحمر البنفسجى من الافق ... وراء السحب الداكنة والضباب المنتشر . . . وضاع الامل من جديد وساد الاضطراب البحارة المنحنين . . واخذوا يفركون ايديهم وعيونهم انهم لا يصدقون لا يفهمون ...  أوعاد الظلام من جديد ! ؟ ... أو غابت الشمس بعد طلوعها ؟ . . او غابت من حيث اشرقت ؟ ... أو يموت النور فى لحظة ولادته ؟ ! ... كنهاية الانسان فى لحظاته الاولى ... كانتدثار امل فى نهاية حلم ...

لا ... لا ... انكم تحلمون ... انكر تهذون ... انها ليست الشمس ... بل هو حلم جميل تراءى لكم فى النوم ، فى اغفاءة تحت هذا الضباب المنتشر ... انكم مازلتم مثمولين من ليلة أمس الصاخبة ...

وارتفعت الاصوات : " مثمولين ... مثمولين ... أين الخمر ؟ أين الشراب حتى نسكر ؟ .. حتى .. " عقبها ضحكات عالية وقهقهات صاخبة ... وعاد الصمت من جديد يخيم على المكان وعلى الاشباح المنهارة على الرصيف المتآكل ، فى حين تساقط بعضهم اعياء على الارض وبقوا فى أماكنهم ... رؤوسهم مغموسة فى الوحل حتى الجباه ، وارجلهم ممدودة على الارض ، وايديهم فى شكل سائح ينعم بأشعة شمسنا الافريقية وبدت اكفهم مجرحة ... والدم ينزف من افواههم النتنة فى حين بقى القليل منهم واقفا منحنيا يحاول الصمود بعد مسيرة ايام وليالي بين الادغال والأوعار والمرتفعات

يبحثون عن النهار ... عن الشرق ... عن السهول ... عندما اختلطت عليهم الرؤية وضاعت من عقولهم الحقائق فوجدوا انفسهم على الشاطئ المألح في يوم ضباب ... واخذت الصور تمر امامهم باهتة ضبابية اللون والشكل ...  قاتمة فى اعماق نفوسهم ...

ماذا تراءى لنا ؟! انه النور !! انه النور !! انها الحقيقة ... الحقيقة لماذا اختفت ؟ ... لماذا ضاعت ؟ ... اهكذا نبقى فى الظلام ؟ ... فى الظلام ...  انها الشمس التى طالما بحثنا عنها حتى ادمت ارجلنا على صخور الحياة ، حتى تمزقت اجسادنا ونحن نصارع الزمن ... اهكذا تحجبها قطعة صغيرة من السحب السوداء ؟ ... تزحف على الدنيا فتكسوها ... على الشمس فتحجبها ... على العالم فتكنفه ... السحب ... الضباب ...  الظلام ...

وعادت النظرات الفاترة والعيون الجاحظة نحو الافق البعيد .. لكن لا شئ فى الافق ... الا الضباب الذي يحجب عيونا حتى عن اجسادنا وانفسنا ... ..................................................................

هل هناك أفق فى عالم يكسوه الضباب ؟ ... هل هناك وجود لعالم يسيطر عليه الضباب ؟ اين تحتجب الرؤية ... وتنغلق العيون رغم انفتاحها .. ورغم ارادتها ...

ويبدأ الظلام من جديد يزحف على العالم ... وتزداد الوجوه وجوما ...  وتبدأ صدورهم ترتفع وتنخفض تحت ضغط التنفس كأن الهواء قد انقطع من العالم وضاع من الوجود ... وبدأت تسمع حشرجة اصواتهم المبحوحة ترتفع رويدا رويدا ... وتشق السكون الذى يخيم على العالم ... وتنقلب الحشرجة الى كلام غير مفهوم تتخلله اصوات سعال مبرح وقطرات من البصاق الممزوج بالدم الخارج من صدورهم المجرحة ... من حلوقهم وافواههم الدامية ...  وازدادت صدورهم اضطرابا ... واصواتهم حشرجة ... وبصاقهم احمرارا وارتفعت رؤوسهم الى اعلى فى حركة يائسة فى حين اخذ بعضهم يتلوى كذببيح وهو ممسك بشعره الوسخ بكل قوة ... حتى جحظت عيناه وبدت كحلقات بيضاء فارغة ضاع شعاعها ... وحتى اصبح العالم كله حلبة مستديرة من الذبائح الملتوية هى الارض المبللة بالدم ... وازداد الضباب كثافة على العالم بأسره ... فبعد ما كانت الوجوه متجهة الى الشرق ... الى الافق ... انقلبت

فى نظرة الى اعلى ... الى فوق ... وايديهم مرتفعة ... واصابعهم متوجهة فى الفضاء تحمل شكل انتصار ...

ومازال الضباب ينتشر ... وينتشر ... والظلام يجثو على الصدور بضيقها ... والهواء البارد يعبث بشعورهم واجسادهم وساد الصمت من جديد على الدنيا كلها ، على العالم بأسره ... الا اصوات اليوم النائحة يتردد صداها فى الافق البعيد ... فى حين اخذت الجثث تكنفها الارض المبللة ، الى ان توارت اجسادهم ولم يبق لهم اثر ... ودخلوا فى لحظة واحدة الى عالم التجاهل والنسيان ولم يبق يذكرهم كل لحظة الا نعيق اليوم تردده اصداء العالم الفارغ والافق البعيد ... وبدأ يظهر فى الافق اللون الاحمر البنفسجى الذي يسبق إشراقة الشمس وبداية النهار ... ........................................................................

أتطلع الشمس الآن دون ان يراها اناس ماتوا من اجلها ... اناس حلموا بها ؟! ... اناس داستهم عجلة الزمن من اجل اشراقة الشمس من جديد ... فلتكن اشراقة على قبورهم .. على الارض التى ابتلعتهم الى الابد ... فلتشرق على اجسامهم المتوارية بعد ما كنفهم الضباب طيلة حياتهم ... والتراب والنسيان بعد مماتهم .. ألا أيتها الارواح المحلقة .... ألا أيتها الاجساد المتآكلة . . انها الشمس ... ستشرق ... الا فانهضوا ... انها الشمس ... انها الشمس ... ..........................................................................

وبدأ الخيوط الاولى من شمس الشتاء الفاترة تلمع فى الافق ... تلمع على البحر المضطرب ... على الصخور المتآكلة والرمال الممتدة .. على القبور المجهولة ... فبدت كخيوط منكسرة ... كوهج أحمر محرق .. وبدت الدنيا صامتة ، ميتة لا شئ يسمع كأنه الموت الابدى .. فى حين ضاعت ملامح القبور المجهولة بعدما غمرتها مياه البحر المتلاطمة ، فلا شئ يذكرهم الا اصوات اليوم الناعقة كل لحظة ... الا ضباب الصباح كل يوم .. وسحب الشتاء كل سنة ... وما زالت القبور يغمرها الضباب والمياه والتراب والجهل والنسيان ... والشمس باهتة منكسرة على البحر المضطرب ... والعيون جاحظة متطلعة الى الافق ... والايدى عالية دون ان تتحرك ... والافواه مفتوحة دون ان تتكلم ... أن تصرخ ... أن تصيح ...

اشترك في نشرتنا البريدية