الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

كلمات منتورة

Share

آسفى على شيوخ لا تزال صدورهم تتأجح بنار الشبيبة تراودهم احلام الفتوة ونوازع الصبا ويهزهم الطرب هزا فلا يتحركون تصونا واشفاقا وكأنهم يلمحون بعد سخفهم وابتذالهم وهوانهم على أنفسهم وعلى الناس !

أروع الحسن ما اشتبهت عليك حقيقته فالتبس فيه الفن بالواق والواقع بالفن . . . هذه الباقة اللطيفة فى انائها البلورى . . وهذه الشجرة المنتصبة على الطريق يغمرها الشفق بنوره . . أهما حقيقة أم خيال ؟ أم مزيج منهما محير يشرق فى النفس لحظة ثم يتبدد ويموت ؟ !

المرأة الناضجة التامة الأنوثة كالعازف البارع الممتاز خبيرة بأوتار النفس جميعا تتصرف فيها حسب هواها ؛ بينما هي تأسر القلب بلطفها ورقتها وهيبتها ووقارها اذا هي تدغدغ " الحس " بظرفها ودلالها وطيشها وعبثها .

الشعر الى الحياة كالعطر . . " روح العطر " الى الزهور .

ليس الخجل حتما عنوان ضعف وتوجس من الواقع عجزا عن ملاءمته أو تطويعه وتسخيره . قد يكون أحيانا صورة مقنعة . . تعبيرا مهذبا عن استنكارنا لأوضاع سخيفة وتقاليد زائفة .

غاية الانسجام عند الفنان في ازدواجه بالطبيعة وتفتحه لها وفهمه عنها وتجاوبه معها . هذا الالتحام القوى العميق هو " النبض " الحقيقي لكيانه وباعث الخصب والحيوية فيه .

كانت ثيابه ترف حسنا وظرفا ثياب فاخرة بلغت بها الأناقة الى حد . . . الوقاحة وأقبلت على الرجل أتأمله فاذا هو يحرك شفتيه بلا انقطاع وبيده مسبحة فاخرة يداعب حباتها برشاقة واذا هو يلقى من حين لآخر لمحة خارج الحافلة يتلهى بالمنظر ساعة . . ثم يجول بعينيه بين فئات الركاب متابعا همسه وتسبيحه وقد لاحت على وجهه سيما الغبطة والسعادة .

الأدب منازل ودرجات منها الشهادة تمثيلا للواقع وسبقا الى التعبير عن خبايا النفوس ورغباتها المكبوتة . ومنها ، وهي أقصاها ، فتح سبل جديدة وخلق قيم مبتكرة تعيش البشرية عليها أجيالا .

كان سبيل الرجل الى المرأة وجهها بمعانيه وأسراره . . رنة صوتها . . ثم القد بما فيه من رشاقة وأنس وبهجة ثم طباعها وجانب الانسان فيها . . .  أما اليوم فلا يستقر النظر لحظة على الوجوه حتى يحيط كالطوق بمفاتن الجسد البادية للعيان يلبسها لبسا وهو يتلمظ شهوة ومجونا أو يعرض عنها عزوفا وابتذالا .

ما أغرب أن تسمع ضحكك يتجاوب وأنت فى خلوة وحدك . . فلا تدرى أأنت تضحك مع نفسك متفكها بما تقرأ أم ضاحكا عليها سخرية منها !

الحياة فن ممتنع رفيع لا يترقى اليه الا عند مشارف الشيخوخة وقد فات الأوان .

ها أنا أتأمل من خلل سياج الحديقة هذه الشجرة الظريفة . . كتلة خضراء أسلم نفسي اليها طوعا . . أعتنقها . . أشدها الى وانضم حتى الازدواج . .

أعرج فيها خفة ويسرا وأنزل ، وألتف حولها وأطوف . . أتذوق هذه النكهة الخضراء وكأن مسام كيانى أفواه . . شفاه تلقفها . . تتشرب وهجها الخافق المتموج حتى أفنى فيها وأغيب وأشهد هذه الرياضة العجيبة . . هذه الحركة البهلوانية تصدر منى عفوا وكأنى الصورة والعين وكأنى الشجرة الانسان .

لا يزال الانسان يأكل آلهته ويلهو بها دهرا بعد عبادتها وتقديسها حينا وهكذا . . . فلا طاقة له بها ولا غنى له عنها .

كما يمسك نفسه الغواص بحثا عن الدر فى قعر اليم . . كذا يعطل الفنان عقله عند تملى الجمال فيعود حسا خالصا بغية النفاذ الى كنهه واستيعاب مذاقه .

رب تذمم و تأثم منشؤه فقر أسباب اللهو وتفاهة اللذة لا العفة الصرف والتجلد الحق .

مسرح الحلم بذوره من صفحة النهار .

مسرح الحلم بذوره من صفحة النهار .

شد ما يشقى الفنان بعزلته ولكنه يلتذها ويقتات منها ويستطعم مرارتها خمرة مزة يضئ لها كيانه ويخصب واذا الالم نشوة والنشوة خلق وفن .

كلمة تتلجلج أحيانا ، عن وعى أو غير وعى ، فى صدر كل منا : " لقد فرطت وضيعت . فما أبعدني عما أريد أن أكون . . . بل عما كان يمكن أن أكون!"

كما يتحلب فم الذواق أو المنهوم عند رؤية فاخر الطعام . . كذا الكاتب أحيانا ما ان يلمح صحيفة فى تمام جدتها ونقائها وبهحتها حتى تثور شهوته الى الكتابة حنينا عارما يبرحه بعذوبة قسوته .

الى صديقة : " ما أعجب أمرنا أنا وانت ! يخيل لى أحيانا أن الموسيقى تحدثنى عنك . . تحمل الى صوتك كأنها الترجمان لنجواك . . لا بل أنت التى تحادثيننى من خلالها ، وقد رقت وشفت ، بأفصح لمح وأغرب بيان . "

مروج . . مروج على مدى البصر . . والزرع فى أوج النهار تأتلق رؤوسه . . يرف رفيفا . . بحيرة خضراء شد ما تختلج مع هبات النسيم  . .

هنا وهناك كتل . . أكوام من الزهر كأنها آلاف من الفراش الساكن الوادع . . كالعمائم الملونة . . أو القباب الصغيرة . . انه الربيع فى زهوه وطربه . . فى سماحته وجوده . . كالنبع الفوار يجيش حياة مستجدة . . نضرة وشبابا . . قطعة من الخلد لا ينى اشراقها يومض فى النفس على الدوام . . .

أناس تزعجهم سعادة الآخرين الى حد الفزع والشقاء كما تتأذى الخفافيش بالنور وتختنق . .

جل " كلماتى " نبضات مخنوقة . . يوميات مختزلة حتى لكأنها " أقراص " حياة .

اشترك في نشرتنا البريدية