ما أيسر أن ينتصب المرء اماما للناس أو حكما .
كأني بالاخلاق صورة أو " معلقة " ذات وجهين . ضدان نظهر منهما لغيرنا وجه الحفاظ على الخير والفضيلة فى حزم وصرامة حتى كأننا سدنة الاخلاق القوامون عليها نغتصب ضمائر الخلق بلا تورع ونصدر الاحكام الحاسمة عليهم بلا تعقيب .
أما الوجه الآخر...فصفحة بيضاء نخط عليها ما نشاء ونحتفظ بها لانفسنا هانئين.
لا أخطر على الانسان من نفسه...مقسم بين عربدة الطبع وجبروته وصلف العقل وخذلانه.
كأنه السد مهما أحكم بناؤه وشده فهو لا يقوى على فيض القوى الضارية التى تتحفز للتمرد فى كل حين .
هجعة الاعماق...طمأنينة كاذبة...هدنة على دخن . كالبحر الوادع . . سهل من النور يغريك لينه وسكونه ومن دونه مخاوف وأهوال .
لقد كلفت هذه المدنية الانسان ثمنا باهظا أرفع كثيرا مما تستحق . أغرته باليسر والرفاه وارتهنت القلب منه والروح ؛ ولو كان بوسعه الخيار لرفض غير آسف هذه الطرفة المغشوشة .
يلازمنا طيف بعض الاموات وتعلق ذكراهم بقلوبنا حتى كأنهم لم يختفوا .
بعض من تمرد الانسان على الموت يرجع الى وهم باطل راسخ فى النفس رسوخ الحقائق البديهية وهو أن الموت يغصبه حقا له مشروعا . . . ملكا أصيلا لا ريب ولا نزاع فيه.
لا أنس إلا مع الحب أو الصداقة الحق . هنالك تتقارب الارواح وتتلاقي الى حد التماس والاتصال...الى غاية التمازج والاتحاد.
حقيقة الانس أن تطالع الروح الروح وقد برزت كل من مكمنها وأزاحت الستر عنها وبدت عارية شفافة فاذا كل منها ترى نفسها فى الاخرى مرآة عاكسة حية .
الحب شباب دائم .
ما يتاح للكاتب والفنان والعالم من نشوة الخلق فى لحظات ممتازة ترتقي الذات فيها صعدا الى ذروة الابداع يمنحه العاشق نعمة من الرب ، عطاء مجاناً . فالعيش عنده أبداً غض طريف حتى لكأنه يخلق خلقاً جديداً فى كل ساعة .
الحب ميثاق ضمني بين روحين . . رهانا على المطلق . . مباراة نزاعة نحو الكمال الفنى والخلقي .
ها بوسع الظما أن يروى ذاته وبوسع الجوع أن يطفئ حره ؟ أليس الشهوة والحب قد أريد منهما التجاوز انعتاقا الى غاية أبعد وأسمى ؟
عاشق قبل البوح : "الصمت ! الصمت بيننا حجابا منيعا . وليته كان صمت الوحدة أو صمت الجفاء ! لكنه صمت شفاف . فالروح قريب قريب كالنور ، ممتنع كالسراب . اليقين بين يدى أكاد ألمسه فاذا الشك يذبحه ويمزقه أشلاء".
قيل لعاشق : " لم تبكى المستحيل ؟ " قال : " لأنه أمكن يوما "
من الحب ما هو مزمن يأبى أن يموت كأنه النار الكامنة فى قلب بعض البراكين الهامدة .
الحب ! ما يوحى به منه الشاعر فى قصيدة أو أبيات والرسام فى لوحة متعددة العناصر دقيقة الصنع والتركيب والراقص فى عدة مواقف وحركات تستطيع الموسيقى أن تعبر عنه " بجملة " واحدة لا غير .
هنا امتيازها على الفنون كافة ووجه اعجازها فى مجال الحس والوجدان .
القلب جسر بين عالم الغيب وعالم الشهادة والعقل منطلق له ودعامة . العقل مستراح لولاه لأذاب وهج نوره تعالى كيان العابد فى طرفة عين.
القلب رائد نفاذ لاينفك يلقف من أسرار الغيب ويختزن ولا جدوى لجمعه وادخاره لو لم يهيأ له العقل ترجمانا يفهم عنه ويفهم على أن أفضل الذخر يظل مطويا الى الأبد.
إن صح أن العقل " نبى ( 1 ) " فجبريله القلب.
العزلة . نعم ! هي منزلة الانسان التى لا يستطيع أن يتحرر ويخلص منها خلاصاً كاملاً.
وهل يستطاع العيش والتفكير والعمل بغير هذه المسافة المحددة المضبوطة التى تفرضها العزلة . هنالك منبع حريته ومنطلق تصرفه واقتداره .
ومع ذلك وفي الآن نفسه فهو مفعم بغيره يكاد يغص بهم قد ساهم أخوه الانسان القريب والبعيد عبر الزمان والمكان فى نسج سدا ولحمة كيانه وأنه ليضطرب فى أعماقه يتخلل طواياه يوشك أن يغزوه غزوا ويفسخ معالمه وحدوده.
لا تكاد يخطو خطوة أو يأتى بفكرة أو يعقد أمنية إلا وله من غيره شريك ينازعونه حياته - عن علم منه أو غير علم - نهبا لهم حتى كأنها ملك لهم مشاع .
ترى من أنا ؟ وهل من معنى " لأنا " ؟ وهل أولى أن نقول أن ليس إلا " نحن " فى كل " أنا " متخيل موهوم ؟
إنه التأرجح الدائم والتمزق المرير بين قطبى الذات . على أن هذه الثنائية هي شرط إكتمال الأنسان وتوازنه الدقيق الملتمس المكتسب فى كل ساعة والمهدد فى كل آن .

