لغز الأمومة ! ما رأيت عدلا أشبه بالغبن والظلم من إنصاف الأم فى بذل عطفها وقسم محبتها بين أبنائها فى دقة عجيبة لا تكاد تؤثر الواحد بذرة زائدة من ودها وحنانها وفيهم النجيب والناقص والوسيم والدميم الصالح والفاجر - ولعلها أعطف على الدون وبه أبر - ومع ذلك ما أبسط هذا اللغز وأقربه لو نظرنا فيه بعين القلب ومنطق الحب !
لتكن كتابتك نحتا أو لا تكن !
رب فكرة رائعة أكتشفها فى كتاب فاذا بى أمتلئ طربا غريبا تشوبه لذعة الحسد كما لو كنت صاحب الفكرة قد انتزعت منى سطوا . كذا لا يخلو بعض الاعجاب من الرفض والنقمة والتمرد .
ما الثقة بالنفس والايمان المصمم العنيد وما الحياة ذاتها فى حقيقة جوهرها إلا ضرب من الرهان .
الرجولة الحق تقتضى الرهان جزما بغلبة الخير على الشر والحق على الباطل والحياة على الموت .
أجود الفن أخفاه . بل أجود الفن أن يبطل الفن وينعدم .. لاستحالة التمييز بين الصناعة والطبع .
أنا رسام ولا يد . أنا مغن ولا صوت . أنا راقص ولا أرجل . أنا ممثل ولا وجه ولا شخص حتى ولا شبح . أنا كل ذلك وليس أنا كذلك . أنا الكاتب .
الفن اكتشاف حر مباشر للذات والكون كما لو أنشئ الوجود من جديد مرة أخرى من أجلنا نتأمله فى نضارته الأولى ننفذ الى صميمه عفوا بلا واسطة ولا وسيط . الفن أن تكون صنو الكون وتربه .
الفن بدءا مناجاة . إن رجل الفن بازاء موضوعه كأنه بين يدى المحبوب يدعوه ويناغيه ويراوده ويستهويه . الفن ضرب من الوصال .
الذروة فى الفن ومقياس أرقى الجودة فيه أن يشتد الطرب ويقسو فيبلغ حدا لا يرى المرء بعده صورة لسعادة أشفى وأكمل لانه يحس إذ ذاك إحساسا صميما نيرا بمعنى الخلود . حالة يتحد الالم فيها باللذة ويلتقى الموت بالحياة ويستويان فاذا بنا نهتز عشقا للوجود ونهفو حنينا الى الموت ويزين إلينا الفناء كأننا استنفدنا كل ما بالحياة
وأتينا على خلاصة ما بها من نعيم وطبنا نفسا عن الرحيل ريا وشكرا واكمالا .
ما أروع أن (( يغزو )) الانسان الفضاء ويهتك حجب الكون فيكتشف أغواره ومجاهله وأشرف من ذلك وأوكد أن يتصدى لمشاكل الارض ومعضلات الانسان وهى تحاصرنا من كل صوب وتهدد كياننا ومآلنا فى الصميم .
الفرار من الذات ... من الحقيقة ... التعامى عن الكمال الحق تلك آفة الانسان منذ أبعد العصور وأخشى أن يكون العلم الصناعى الحديث ، على عظمته وجزيل أياديه ، وسيلة من وسائل الهروب ، مأزقا تورط الانسان فيه باختباره ، أكذوية كبيرة ، فردوسا اصطناعيا نصحو منه وبنا مثل غصة الكابوس ولذعه .
الأنس غذاء النفس . من منا - مهما يكن صلبا جافيا ، مشبعا بذاته منطويا - لم يعرف أحيانا على كفافه ويسره طعم الحاجة وذل السؤال فكأنى بنفسه تهتف ضارعة تستغيث : (( الأنس ... الأنس ... )) * * *
منذ أيام اكتشفت صديقا لى كان مغمورا فى زوايا ذاتى المعتمة المهملة .
هو الله . قريب منى قريب كاحساسى بالحياة ، كشعورى بالذات فى . منحجب ممتنع جدارا من حديد .
شمس من اليقين تبهرني إشراقا لا يستقر الطرف عليها لحظة حتى يزل ويتيه واذا التقين معنى شرود كالسراب ينأى ويذوب .
إن سألت القلب عنه قال : (( هو الوجود الحق لا وجود لحق سواه لا ولن تفقه لنفسك معنى بدونه )) . وإن سألت العقل قال : (( هيهات ! أتطمئن الى ما لا تدرك سره ومداه ! ؟ كيف اهتداؤك والليل سرمد لا رمز ولا صوت فيه ! ؟ ))
لن يستطيع الفنان ، مهما تكن عبقريته ، أن يخلق على قدر ذوقه ، أن يرضى ذوقه بفنه غاية الرضى وينافسه حتى يتجاوزه .
خدعة الفن نغرى به فنلح فى طلب الكمال رغم الخيبات المتكررة والافلاس المتجدد على مر العصور . ثم نعيد الكرة كأن لم يكن ثمة فشل ولا عجز ولا خيبة وكما لو كان الكمال فى الامكان .
ههنا ، فى هذا العبث الساخر المضنى ، فى هذه المسافة الحرام هوة لا قرار لها بين الخيال والواقع تكمن مأساة الفنان وعظمته فى آن معا .
