الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

- كلمات منثورة

Share

 فى نفس كل أديب وكل فنان حرب قائمة لا هوادة فيها . صراع متصل بين ضدين لا يأتلفان : رغبة جياشة فى الاتصال بالغير والامتزاج بهم الى غاية الاتحاد والفناء . وحرص بالغ على الاستمساك بذاتيته وإثباتها بل وفرضها - كما هى - بمميزاتها وشذوذها كأنها حمى مقدس دونه مسافة حرام تعصمه من كل فضول وابتذال .

 كذا يكون مترددا مقسما بين العزلة والوصال ، بين الوحدة والجماعة ويعيشها " جدلية " مضنية خلافة . فهو هو " الارستقراطى " المعتز بأصالته وامتيازه وهو هو " آبن الشعب " يتوق توقا الى الشركة والشياع والمجانسة والوئام .

 ليست الكلمات هى التى تؤلف الجملة عند الكاتب الفنان بل الجملة هى التى تخلق الكلمات .

 لكل منا وجهان ظاهر وباطن غير ان الباطن " معدل " وجوه . . . خلاصة صور متحركة متحولة بدونها لا يتم تفاهم ولا تعاطف ولا انسجام .

  قد تنبعث الصداقة بعد توقف وفتور أما الحب فهو يموت - ككل كائن حى _ اذا لم يطرد نموه لأنه ألصق بالحس وأدخل فى الطبيعة .

حاجة الفرد الى الجماعة كحاجة السمك الى الماء .

 الشكر قرين اللذة حتى كأنه جزء منها وبعض من جوهرها . كذا السخط لا يكاد ينفصل عن الألم صدى له ملازما .

  الشارع والسوق والمعمل كل ذلك بيتنا المشترك اذا لم نأنس إليه ولم نرض عما يجرى فيه فان نعيم بيتنا الخاص لذة زائفة حرام . . . ضرب من الأفيون تذوى به الذات وتنتحر .

 ويل لأمة ينظر إليها العدو جبهة واحدة ، كتلة متراصة وهى طوائف شتى يهدم بعضها بعضا .

  الانسانية أصلا منزلة شاذة ، صراع دائم من أجل أن تكون ،  وضع مهدد أبدا بالتهافت والانفصام .

كل منا فنان فى أحلامه ولا فضل له فى إبداعه .

  الاحلام جاسوس منا علينا . . . رقيب عابث يهول تارة ويزين أخرى .

الاحلام جسر متحرك متردد بين اليقظة والنوم .

 فى كل شاعر حتما رسام وموسيقار وقد لا يذوق الموسيقى ولا يفهم الرسم .

بالشعر ( 1 ) يتم للوجود طابعه ومذاقه .  الشعر عنصر " الهارموني " ( 2 ) فى صوت الوجود .  خلق الحيوان شقيقا للانسان ضدا . . . جارا له مزعجا ، صورة منه مسخا تفضح أخفى أسراره وعيوبه .

  الحياة لا تميز بين السطوح والأعماق ولا تؤثر اللب على القشور لانها كل ذلك .  ليس الجمال شكلا باطلا أو طيفا زائلا . إنه دعامة الحياة وبعض من معنى الوجود .  الجمال عتبة الغيب .

  من الحمق أن ييئس اليوم بعض كتاب العرب من الأدب ويقولوا بافلاس الكلمة وضآلتها تجاه قوة الحديد والنار . ففى الكلمة قوة لا تقل عن قوة السلاح . . . قوة تشد كيان الشعب أجمع لا القلوب التى تحمل السلاح فحسب . يسكت السلاح أما الكلمة فتبقى مترددة عبر الآفاق تزرع الحياة على الدهر . وهل من معنى للحرب اذا لم تكن غايتها السلم ؟ !

 ما رأيت أروع من شجاعة فلاح يحرث أرضه وادعا مطمئنا عند سفح بركان يهدد دوما بالانفجار . لهو أبلغ رمز لكفاح الانسان الصامد الكابى المنبعث المستجد على مر العصور .

  عجبا ! كيف يتعايش الناس ويتألفون وما من أحد إلا فيه جانب من السخف يدعو الى التندر والتهكم أو الزهد والنفور ! ؟

   يعيش الناس ويأبى الكاتب - لعاهة فيه - إلا أن يتصيد - رشقا بالقلم - صور الحياة وظلالها شأن هواة جمع الحشرات على انه ما يكاد بحبس الحياة حينا حتى يطلقها الى الأبد .

 فى جمال الحيوان روعة هى روعة الجمال الصرف الذى يجهل ذاته .

من الأنس والبشاشة ما يفضى الى الحرج والخيبة .  قد نستلذ الفكاهة الخفيفة السطحية عند مشاهدة شريط أو ملهاة - أو فى محفل - وننبسط لها الى غاية الارتياح والانشراح ولكن ما نكاد نخلو الى نفوسنا حتى نشعر بالنقص والخواء والطيش والسخف قد خرجنا من مجلسنا أفقر مما كنا وأجوع .

  الاشجار ، على صمتها وسكونها ، أبلغ تعبيرا وأغزر حياة من الحيوان فى نشاطه وثرثرته .

رب شجرة هى فى عين الرسام ورقة أو زهرة عملاقة .

الفن ذاك الأسير الطليق . . . حرية محض رغم القيود والحدود !

محنة الانسان وعظمته أنه خلق ناقصا .  ليس الانسان إلا " مشروعا " . . . مجرد صورة تدور حول ذاتها وتبحث دوما عن معناها . . . صورة مفتوحة على الغيب من جميع نواحيها .  أما الحيوان فكائن سوى تام قد بلغ بدءا غايته ومنتهاه .

  لا نصل الى القليل من الفهم والتجربة إلا بعد الكثير من الألم والشقاء وتحطم القوى فاذا بنا نتساءل عن جدوى هذه الحكمة الباهظة العاطلة .

اشترك في نشرتنا البريدية