فى نفس كل أديب وكل فنان حرب قائمة لا هوادة فيها . صراع متصل بين ضدين لا يأتلفان : رغبة جياشة فى الاتصال بالغير والامتزاج بهم الى غاية الاتحاد والفناء . وحرص بالغ على الاستمساك بذاتيته وإثباتها بل وفرضها - كما هى - بمميزاتها وشذوذها كأنها حمى مقدس دونه مسافة حرام تعصمه من كل فضول وابتذال .
كذا يكون مترددا مقسما بين العزلة والوصال ، بين الوحدة والجماعة ويعيشها " جدلية " مضنية خلافة . فهو هو " الارستقراطى " المعتز بأصالته وامتيازه وهو هو " آبن الشعب " يتوق توقا الى الشركة والشياع والمجانسة والوئام .
ليست الكلمات هى التى تؤلف الجملة عند الكاتب الفنان بل الجملة هى التى تخلق الكلمات .
لكل منا وجهان ظاهر وباطن غير ان الباطن " معدل " وجوه . . . خلاصة صور متحركة متحولة بدونها لا يتم تفاهم ولا تعاطف ولا انسجام .
قد تنبعث الصداقة بعد توقف وفتور أما الحب فهو يموت - ككل كائن حى _ اذا لم يطرد نموه لأنه ألصق بالحس وأدخل فى الطبيعة .
حاجة الفرد الى الجماعة كحاجة السمك الى الماء .
الشكر قرين اللذة حتى كأنه جزء منها وبعض من جوهرها . كذا السخط لا يكاد ينفصل عن الألم صدى له ملازما .
الشارع والسوق والمعمل كل ذلك بيتنا المشترك اذا لم نأنس إليه ولم نرض عما يجرى فيه فان نعيم بيتنا الخاص لذة زائفة حرام . . . ضرب من الأفيون تذوى به الذات وتنتحر .
ويل لأمة ينظر إليها العدو جبهة واحدة ، كتلة متراصة وهى طوائف شتى يهدم بعضها بعضا .
الانسانية أصلا منزلة شاذة ، صراع دائم من أجل أن تكون ، وضع مهدد أبدا بالتهافت والانفصام .
كل منا فنان فى أحلامه ولا فضل له فى إبداعه .
الاحلام جاسوس منا علينا . . . رقيب عابث يهول تارة ويزين أخرى .
الاحلام جسر متحرك متردد بين اليقظة والنوم .
فى كل شاعر حتما رسام وموسيقار وقد لا يذوق الموسيقى ولا يفهم الرسم .
بالشعر ( 1 ) يتم للوجود طابعه ومذاقه . الشعر عنصر " الهارموني " ( 2 ) فى صوت الوجود . خلق الحيوان شقيقا للانسان ضدا . . . جارا له مزعجا ، صورة منه مسخا تفضح أخفى أسراره وعيوبه .
الحياة لا تميز بين السطوح والأعماق ولا تؤثر اللب على القشور لانها كل ذلك . ليس الجمال شكلا باطلا أو طيفا زائلا . إنه دعامة الحياة وبعض من معنى الوجود . الجمال عتبة الغيب .
من الحمق أن ييئس اليوم بعض كتاب العرب من الأدب ويقولوا بافلاس الكلمة وضآلتها تجاه قوة الحديد والنار . ففى الكلمة قوة لا تقل عن قوة السلاح . . . قوة تشد كيان الشعب أجمع لا القلوب التى تحمل السلاح فحسب . يسكت السلاح أما الكلمة فتبقى مترددة عبر الآفاق تزرع الحياة على الدهر . وهل من معنى للحرب اذا لم تكن غايتها السلم ؟ !
ما رأيت أروع من شجاعة فلاح يحرث أرضه وادعا مطمئنا عند سفح بركان يهدد دوما بالانفجار . لهو أبلغ رمز لكفاح الانسان الصامد الكابى المنبعث المستجد على مر العصور .
عجبا ! كيف يتعايش الناس ويتألفون وما من أحد إلا فيه جانب من السخف يدعو الى التندر والتهكم أو الزهد والنفور ! ؟
يعيش الناس ويأبى الكاتب - لعاهة فيه - إلا أن يتصيد - رشقا بالقلم - صور الحياة وظلالها شأن هواة جمع الحشرات على انه ما يكاد بحبس الحياة حينا حتى يطلقها الى الأبد .
فى جمال الحيوان روعة هى روعة الجمال الصرف الذى يجهل ذاته .
من الأنس والبشاشة ما يفضى الى الحرج والخيبة . قد نستلذ الفكاهة الخفيفة السطحية عند مشاهدة شريط أو ملهاة - أو فى محفل - وننبسط لها الى غاية الارتياح والانشراح ولكن ما نكاد نخلو الى نفوسنا حتى نشعر بالنقص والخواء والطيش والسخف قد خرجنا من مجلسنا أفقر مما كنا وأجوع .
الاشجار ، على صمتها وسكونها ، أبلغ تعبيرا وأغزر حياة من الحيوان فى نشاطه وثرثرته .
رب شجرة هى فى عين الرسام ورقة أو زهرة عملاقة .
الفن ذاك الأسير الطليق . . . حرية محض رغم القيود والحدود !
محنة الانسان وعظمته أنه خلق ناقصا . ليس الانسان إلا " مشروعا " . . . مجرد صورة تدور حول ذاتها وتبحث دوما عن معناها . . . صورة مفتوحة على الغيب من جميع نواحيها . أما الحيوان فكائن سوى تام قد بلغ بدءا غايته ومنتهاه .
لا نصل الى القليل من الفهم والتجربة إلا بعد الكثير من الألم والشقاء وتحطم القوى فاذا بنا نتساءل عن جدوى هذه الحكمة الباهظة العاطلة .

