نفوسنا أنفس مشتركة مشاعة كالأوعية المتواصلة المتداخلة ولا يمكن البتة أن نحب شخصا فى ذاته لذاته حتى ننحصر فيه ونتركز ونحتويه شمولا واستغراقا وإنما يحب المرء أخاه لغيره فى غيره إلا الأم ينبوع كل محبة بل هى المحبة الحق وما سواها وهم وسراب ...
فكأن لا حب أصلا ولاحياة إلا بالوسائط والقرائن بها تتلاقى النفوس وتتعارف وتتمازج وتلتحم إلى حين
وهكذا فلا خلوص ولا انحياز ولا انفصال ولا اتحاد وإنما نحن بين بين . كل منا طريق وغاية وليس بطريق وغاية . كل منا للكل ولا أحد لأحد .
أرقام باطننا صور ورموز ، خرافات وأحلام نتشاير بها ونتراشق وقد التبس بالأهداف الرماة
كلمات كالحجارة وأخرى كالسلاحف . كلمات فى مثل قوة السيول والشهب !
رب كلمة تطلق المرء من سجن ذاته فتربطه توا بالكون نفاذا والتحاما واذا هى تتردد فى أقطار كيانه اصداء تغور الى حيث لا قرار ...
لكأنها نفخة ناى الرب تتسرى فيك أقرب إليك من النفس المتردد فى صدرك ومن النبض الذى يشدك الى الوجود
الفنان مسلط على ذاته كالوحش الضارى ينهشها نهشا ليطعم غيره وفى ذلك موته وحياته وعزه وشقاؤه
صباح شتوى كاسف ... سحاب لبد تساقط رذاذا أسود أطيافا كخيوط العنكبوت كأن قد خيم الليل وشيكا والشمس شعاع كليل بهرة عمياء ضلت الطريق ...
تدلت السماء تدلت فحطت على السطوح جاثمة هامدة حبلى مجهدة أثقلها الفضاء .
الأدب مأساة لكن ما قيمة المأساة اذا لم تطعم وتلقح بالبهجة والطرب فتتجاوز وتنقلب ألما لذيذا . . نشوة عارمة . . راحة كبرى وظمأ أكبر وهكذا الى حين !
المأساة حال عقيم ما لم يتغذ بها الفنان ويسعد
أى خاطر نزق غريب لمع فى ذهن الزنجى يوما فلطخ نفسه - سخفا أو عبثا - بخضاب أسود مزمن ! ؟
- مسكين أنت أيها الأبيض تباهى بلونك الزائف كالأعمى المغرور لا ترى ما بك من سماجة البرص وكأنك مكشوط الجلد مقلوب البشرة !
بعض من مسؤولية الفنان مسؤوليته أمام الواقع الذى اهتدى الى سره وتذوق لبه .
ولن يستريح ضميره إلا بأن يؤدى واجب التعبير عما تلجلج فى صدره وتربع فى خاطره ؛ فكأن هذا الواقع يدعوه لذلك ويستفزه ويتحداه ولا طعم لحياته ولا معنى لوجوده إلا بأن يواجه التحدى ويكسب الرهان .
بئس البديل الشهوة الصرف عن الحب عز الذات ملكها الدائم ونعيمها الحق !
بعضهم يصطنع الاحسان ملأ لفراغ النفس فاذا هو يحسن ظنا بها ويغنى الى حين توكؤا على الغير
عمل الكاتب فى آخر أطواره أشبه بعمل الخزاف لا يزال يقولب الطين صقلا وتركيزا حتى يبلغ بالشكل كمال الصفاء وغاية الايجاز .
لو اعتدلت المرأة فعدلت بين زوج تتمالك عنه وتزهد نفسه فيه وولد تتهالك عليه شغفا به .
لا يكاد يستوى البشر مطلق المساواة إلا فى حالين : أمام الموت عريا من كل قشر ومن كل زيف وفضول وأمام الله عجزا عن إدراك سره والنفاذ الى حقيقته
من التبذير ما هو بركة وغنم وذاك ما يلتمسه الفنان من فراغ خصب بحثا عن البذور وتهيؤا للخلق !
ومهما تطل فترة (( الحضانة )) فلن يغض ذلك من الأثر الفنى ولن يزرى به لأن قيمته لا تقاس البتة بالساعات والأيام
أى كآبة فى هذا الغروب الجميل كأنها الحسرة أو الغصة المكبوتة . . ولكن أية طمأنينة !
لعله الغمام لطف صرخة الشفق فماعت الالوان وغامت واحتجبت فى رقة واحتشام ؟
عالم ينطفئ وقد بلغ الأوج فخامة وبهاء . . فما أروع الختام وما أجمل الرمز !
فياليتك تذوب هكذا وتفنى لا حركة ولا ضوضاء لا حشرجة ولا بكاء ميتة خالصة يتأخى فيها الفرح والألم سيان فيها الأبد والعدم
عملية الخلق والابداع أشبه بحركة الزلزال . غليان انضغاط فانفجار . . .
أو كضرية المسبار يشق طبقات الارض فينبجس الماء فوارة هائلة دفقا لا ينقطع الى حين
ما الثروة والقوة والحياة إلا فى الأعماق . أعماقنا هى الحقول هي الأهراء والخزانات
مهما تكن جادا فى دنياك حريصا فان الفرص حتما تفوت ويبقى العمر لا محالة أبتر
لا شئ اسمه ثبات وقرار فى عالم الكون والفساد الأشكال . . الحجوم . . الألوان كل يتغير كل يتحول فى دورة كدورة الأفلاك على مر آناء الليل والنهار
هذا أقرب الأشخاص منك وألزمهم لك تتأمل وجهه فاذا ملامحه الساعة غير ملامحه فى الصباح وقد يخيل لك أحيانا انك تراه لأول مرة حتى تكاد تنكره وتبقى فى حيرة منه عجزا عن إدراك حقيقته ويأسا من الاحاطة بحدوده
*** كل يزكى عن نفسه وزكاة الفن التعبير
غاية ما يلتمسه الكاتب الحق فى آثار المبدعين ضرب من التجاوب والتزكية لغرائب حسه وتفكيره أما الزاد أما الثروة فمن الذات فى تحرقها الدائم الى وصال الوجود
أشجار عند الأصيل أم نوافير خفاقة الاخضرار يرف قوامها وجدا بالنور وهياما !؟
الماضى هو أنت وإنكار الذات خيانة .
ماذا يبقى للفنان من روعة الواقع بعد أن يعيشه ملء جوارحه سوى فضلة فتات كالذى يقدم للسائلين والكلاب بعد انتهاء الوليمة !؟
جرثومة لا أفتك منها بالانسان . . أن يحب الحياة لذات الحياة . . عبث مطبق . . كالرحى تدور على نفسها يأكل بعضها بعضا .
وصفك الشئ قتل له وفى اللمح سر الحياة .
الحب عطاء من الذات . . نغم تائه فى النفس يبحث عن جواب ليس غذاء الحب من الحسن حتما أو الظرف الدلال فما من امرأة ذات حس إلا وتستطيع أن تقدح شرارته فى قلوبنا
فى بعض ادبنا المعاصر من السخف والغرور ما يثيرنا الى حد الألم والأسى والنفرة والغثيان
تقرأ فاذا الكلام يسخر من صاحبه ويفضحه تهافتا وخذلانا واذا أنت تكاد تيأس كفرا بكل ادب وبكل فن

