كفى ألفاظا وشعارات وتوجيهات تسلط على الكتاب جزافا حتى كأنهم التلاميذ تملى عليهم فروضهم إملاء . . الأدب ودوره . الأدب ورسالته . . الالتزام . . الالتزام . . وكأن الكاتب الخلاق فى هذا المنطق السخيف أشبه بثور الطاحون بلادة واستخذاء
أن تحس ذات يوم ، وقد شارفت الشيخوخة ، كأن قد ساخت بك الأرض أو أطلت على هوة بعيدة القرار . . وإذا أنت ترى فجأة أن لا شئ يعتد به فى الوجود . . لا الأهل ولا الابناء حتى ولا الحياة . . لا شئ ربما سوى معنى تعيش من أجله . . لا شئ سوى أن تعيش وأن تنساق الى العيش . . متجافيا جهدك عن الحيوان فيك
تهيم المرأة هياما بالجمال حتى لقد ترضى أن تشوه وتمسخ من أجل جمال موهوم
السعادة فى غفلتك عنها . . السعادة ومضات وإشعاعات خاطفة ما أن تعيها حتى تتلاشى وتموت .
دورة الفصول . . . . سنفونية منسقة الاطوار متآلفة الأضداد تبعث من قلب الشتاء هادئة لينة ثم تنمو وتتفرع لا تنى تصاعد حتى تبلغ ذروتها وتنفجر فيضا من رائع الأنغام والأنوار وبديع الصور والألوان
هناك شئ أشد من الموت وأفظع حتى ليبدو الموت - بالنظر إليه - رحمة وخلاصا .
إنه شبح الموت كاللغز منتصبا فى النفس لا يزال يروعنا بغموضه وغرابته ، ويخدعنا بتهاويله حتى اذا ما اقترب انكشف أمره وباخت هيبته وبطل شذوذه والتقى بالحياة وئاما الى غاية الاتحاد .
شفاه تدعوك وتغريك . . . كأنها الثمرة انفتحت نضجا وطيبا
الفكر . . تلك الذرة الصغيرة الضئيلة . . يراعة نائهة فى خضم الظلام . . نقطة على وجه العدم لا تكاد تبين الفكر . . تلك العين النفاذة تجوس أقاصى الكون . . شهابا عاتيا لا ينى يطوى الزمان والمكان . . .
ماذا عسى يبحث الانسان من خلال كل ما يلتمسه من الاشياء ، الجليل منها والصغير ، سوى ضرب من الحضور . . أيا كان هذا الحضور . . طعاما شهيا . . عملا منعشا . . نصا جميلا . . أنسا بين الأحبة والأصدقاء أو لهوا سخيفا تافها ؟ !
المعنى أو الطعم والمذاق ذاك جوهر الحضور وصميمه ؛ فبالمعنى يقهر المرء العزلة الأم فيتحرر من نفسه ويحيل سلبية الوجود وحياده ورتابته وجموده حنينا ظامئا . . توثبا وعراما . .
نعم ! الحضور . . أن تأنس الى شىء ما وتلمس وجوده ، حتى ولو كان هذا الشئ ذاتك ، على ما فى صحبة الذات من عنت وحرج على أن من الحضور ما هو أسوأ من الوحدة والغربة وأنكى من الوحشة والفراغ
الأدب - والفن عامة - صورة من صور الهزل الجاد والتندر Humour فالكاتب يعيش الواقع كغيره من الناس ولكنه ما أن يستغرق فيه وينفذ الى لبه حتى يسيطر عليه ويتجاوزه بالتعبير عنه . . قشرا يلقى به لا يؤبه له .
إحساس حاد غامر ينتاب النفس أحيانا . . . كالجدار يضرب بينك وبين أبنائك فاذا أنت أبكم يجهد ثم يجهد فلا يبين . . واذا أنت كالشجرة الثكلى جردت من أوراقها عنفا وقسوة ، أو الحقل الخصيب يصرعه البرد فيهوى هشيما . . أو البغل السخيف يتوق عبثا الى نسل موهوم . . . .
لقد انعدم التواصل وليس لك إلا أن تتجرع مرارة العجز والافلاس وتهنأ - رضيت أو لم ترض - بالخيبة والجحود
الخلق أخذ وعطاء . . ضرب من التنفس هو قوام توازن الكاتب واعتداله ومنتهى طمأنينته وصفائه .
وليس أشد على نفسه من جفاف القريحة واحتباسها إذ يرى نفسه كاللص الغادر أو الطفيلى المهين يتناول فى غير حياء ما ليس له . .
إنه ليس الشعور بالعجز والعقم فحسب وإنما شئ آخر ، فكأنه شذ عن الجماعة وانفصل عنها ، وكأنه قد أصبح عالة عليها وانقلب عيشه عبثا مجانا . ولن تهدأ نفسه ويهنأ ضميره حتى يقضى دينه ويرد العطاء أضعافا .
قلما تسلم الشعوب من الدجل والزيف فى سوق السياسة فما تحسبه فضلا وتضحية وبطولة قد لا يكون سوى ضرورة حتمية قضت بها المصلحة قهرا .
خداع العين . . بل فنها الكيس البديع ووشيها اللبق الجسور ! أبدا تنسج وترسم لا تفتا تولد أفانين من اللهو والحكمة ألواحا عبقرية من الحقائق والأوهام
العين شاعرة تأبى العرى الأجرد والفراغ الخواء لا تنى تضفى على الواقع الجلمد دفئا من اللون ورفة من نور
العرى لا يطاق . العرى ضيق واختناق . العرى عورة يجب أن نلفها فى خيوط من سراب
لا بد من قناع . . كساء من شعاع أو كفن من ضباب
أن يكون للأشياء روح ومعنى . أجل . ولا معنى ولا روح دون صورة وإن تكن شوهاء ، ودون لون وإن يكن شاحبا باهتا .
العابثة الصناع تبنى وتهدم فى كل آن . تخلق الضد من الضد ، وتمحو النقيض بالنقيض هكذا اعتباطا . . رغبة مطلقة . . ولذة محضا .
من أسخف صور التقليد وأشدها غثاثة وابتذالا تقليد المرء لذاته ، فلقد نشعر أحيانا أن بعضهم يصدر فى هيئته وسلوكه وحتى فى حديثه عن الصورة المثال التى عرف بها عند غيره - ذلك النموذج الذى قد شارك غيره فى صياغته - يحتذيه ويستعمليه ويتوكأ عليه . . عجزا عن التجدد والخلق وإيثارا للتحجر والجمود
لماذا لا تكون السعادة أقرب وأسمح . . آنس وأبسط . . تماما كمنظر هذا الخليج فى روعته الممتنعة وسلاسته المغرية . . فى عظمته ومهابته . . فى بشاشته ولينه تشاهده الآن وقد قبضت عليه بروحك كما لو كان صورة ملك يدك ، أو رؤيا نجمت من خيالك ٠٠
شعور بالنقص قاهر عنيد ازاء السعادة . . شأن الغنى لم يتخلص بعد من فقره أعطى الثروة ولم ير نفسه لها أهلا .

