قال لى بعض الاخوان وكنا نسير فى جنازة : (( ما أكثر الفرص الضائعة فى الحياة ! إنى ما حضرت مأتما الا أحسست بالغصة والندم . هذا الميت كان يمكن أن يكون لى صديقا أو رفيقا . لقد مات جزء منى لم اشعر به الا ساعة فقده ! ))
اصنع كلماتك نحتا وتفجيرا من مرمر الصمت !
كثيرا ما يكون الولد نسخة ناقصة محرفة عن الاصل حتى لكأنها صورة ممسوخة منه هزءا به وازراء .
شد ما أرثى لك ولنفسى يا صديقى اذ أحسنا ، رغم بهجة الانس ونشوة التصافى ، كالارض الناشفة الغبراء أكلها القحط وقتلها الظمأ هياكل خاوية تتحرك وتحيا ولا روح ولا ايمان ولا وجهة ولا غاية !
منزلة الفنان المبدع من آثاره كنسبة الخالق الى خلقه . قريب بعيد على قربه ، ظاهر خفى فى ظهوره ، فهو فى كل مكان من ابداعه وفى غير مكان .
المحبة - وكذا الصداقة - بلا احترام زيف وغرور ، ولهى أحوج اليه منها الى مجرد العطف والود ، فلا نماء ولا صفاء ولا دوام بدونه.
ليس أسخف ولا أغرب من (( صلة الرحم )) كما نعيشها اليوم فى بلدنا !
نزور أقرباءنا مرة أو مرتين فى السنة فاذا جاز أحدنا عتبة البيت ادرك توا أنه أبعد ما يكون عن صميم مشاغل القوم حتى لكأنه يطأ أرضا غريبة أو كأنه زائر غير منتظر أو ضيف وافى فى غير وقت .
الفن ، أيا كانت روعته وطرافته ، كذب وبهتان . غش وخداع للذات .. ازراء بالانسان وتعلة للخيانة ان لم يكن بذرة حياة .. ان لم يفض الى واقع أفضل وحقيقة تعاش يحيا بها ويموت لها الناس .
نحن أطفال أبدا أطفال لا نشفى من طفولتنا ولا نعتق منها ... نفس الرقه والحساسية وان مقنعة مكبوتة ، مهجنة مضطهدة . لا نشبع ابدا ولا نرتوى ، مهما كبرنا ، من العطف والحنان . ولعل ذاك سر شقائنا فى هذا العالم المسخ الذى لا ينى يشكو فطامه من المحبة والاحترام .
الرجل والمرأة كلاهما يبالغ فى تصور الآخر وتقديره الى حد والتقديس .. احساسا عارما بالنقص والفقر ، وشوقا الى التمام والكمال .
جذور كياننا ضاربة فى أعماق الغيب تستقى منه الحول والقوة وتستمد الايمان والصمود عن وعى وغير وعى منا ... فما أسخفنا اذ نباهى ونزهى بأمجادنا وفتوحاتنا نتعاظم وتتطاول كما لو خلقنا أنفسنا خلقا ونحتنا كياننا نحتا على غير مثال ولا سابق صورة !
وليس لنا فى الحقيقة من المنعة والاقتدار والفطنة والتبصر الا على قدر التحامنا بالغيب واستجابتنا له وتلقينا منه تجاوبا واعيا بصيرا . نيرا .
الصلاة الحق حال فريدة ممتازة يحس المرء فيها انه موصول بالوجود صلة الروح بالجسد كما لو كان وليد الكون أجمع .. ذرة من ذراته المتآخية المتلاحمة على الدوام .
لحظات سيان أنت فيها والابد ، لقد كنت ولا تزال مذ كان الكون ، فلا بداية ولا نهاية ولا مكان ولا زمان .
ميزة الفن التى يتفرد بها دون ألوان الجهد البشرى كافة أنه لا يرضى فيه بالشئ الوسط ، لا تنازل فى ذلك ولا تسامح ، فلا فن الا مع الجودة . تمام الجودة والاتقان المشرف أو المجاور للكمال ، وما سوى ذلك خليط غفل .. كمية مهملة لا وزن ولا معنى .. أنماط متداخلة متشابهة تتردد بين الضعف والتفاهة والسفم والسماجة . وقد يبلغ السخف ببعضها حدا تضيق له النفس وتألم غما وغثيانا .. سخطا وكآبة ، واذا الفن خزى ونقمة .. ضرب من العبث والعدوان.
نحن المدرسين لا يزال يطالعنا من ماضينا بين الحين والحين وجوه مشرقة .. اصدقاء لنا كثيرون لا حصر لهم ولا عد .. ذرات من كياننا تفرعت وامتدت فى كل مكان .. صور منا تحدثنا عنا وتشدنا الى الحياة شدا ، واذا تيار الوجود لا ينى يدفق فى أعاقنا لا ينقطع ، واذا نحن لا نشيب ولا نموت .
الانسان صوت الله الناطق ببداعة صنعه وحكمة خلقه . ولا معنى له آخرا الا ان يسبح باسمه ، ويترنم أبد الدهر بعظمته وجلاله .
الشر سماد الخير ولقاحه

