الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

كلمات منثورة

Share

قرية صغيرة من قرانا الساحلية عشية يوم قائظ . فتى وفتاة من شباب العصر يسيران حافيين لم يبقيا عليهما الا القليل من الثياب ، واذا شاب من البلدة يختال فى بذلة قروية يترفق فى مشيته كما لو كان يطأ بساطا من حرير .

ويتلاحظ الشبان الثلاثة برهة يرمق بعضهم بعضا كأن قد ضل كل منهم طريقة أو وجد صورة من ذاته معكوسة .

من لى بالكلمة التى تشفى ظما القلب وتبدد مرارة القلق واليأس فينتعش الكيان توا ويخصب ، كأن قد تجددت خلاياه بعد وهن وذبول !!

رب كلمة تتلوها وكأنها الحبة المنفلتة من عقدها ضياعا وهوانا ... أو الورقة الميتة انفصلت عن غصنها دون وعى من الشجرة ولا مبالاة .

ورب كلمة كأنها قطرة من النغم تتجاوب أصداؤها فى قرارة نفسك بركة وسخاء .

رب امرأة تمتن على زوجها بعطائها لا ترضى بغير العقل والروح بديلا تكاد أن تستحل العرض والدم كما لو منحته رحيق الحياة أو أسكنته الجنة قرارا !

غرفتى المسكينة التى حجب سماءها وأطفأ نورها الجاهل الغبى ... كأنها الحبيبة انتهكت حرمتها على مرأى ومسمع من خلها العاجز المقهور !!

منطق اليأس ! كذب القلب لا اعتبار عند البشر الا (( للأنا )) . النسل خدعة ! والحب خدعة ! وكذا الابوة والامومة ! كل خدعة . كل يسعى لنفسه لا يلوى على شىء تسخرنا الحياة لمآربها ونتحلل بالعواطف والاوهام !

ليختر الفنان بين أمرين ليس منهما بد .. حياة وادعة هانئة عقما وتفاهة ، أو حياة الفكر والهم واليقظة الدائمة أسى وشقاوة !

الحكمة أنفس وانبل وأوكد لحياة الروح من أن تزدرى أو تعاف بذورها المتناثرة من أفواه ألد أعدائها ، يدعون اليها وقد اتخذوها تجارة وسلما الى مآربهم الاثيمة !!

لؤم ولباقة ! تناول صديقى باقة الفل دون استئذان واستبقاها برهة يتشمم عطرها الفواح ، وكنا جماعة فى حفلة عرس ، واذا أحد الحاضرين ، وعلمت أنه أبو العروس ، يتسلمها من يده برفق فيشمها لحظة ثم يردها الى مكانها الاول من الطاولة فى صمت وبرود .

كلا ! لست بحاجة الى أن تجوب الارض طولا وعرضا .. وأن تلتهم ملء بطنك العلم كله لتكتشف جوهر الحياة وتكتنه معنى الوجود !

حسبك هذه الحركات المتواضعة المعدودة تقوم بها كل يوم تقبسها من نور فكرك نورا ومن حرارة قلبك حياة حياة ...

حسبك هذا الافق المحدود لا يتبدل تبث فيه من حبك وايمانك فاذا هو عالم بأسره يسمو بك أعلى فأعلى .. الى المطلق .. الى اللا نهاية ...

آفة الفن التعبير فيه موته والحياة .

الطيبة عند أكثر الناس أن تتشبه بالحمير والكلاب والحملان فتتقاصر ليطأ الغير ظهرك أو تمد طوعا رقبتك للموسى أو تضرب وتموت بدائك صامتا !

حفيدتى الصغيرة حينما أتأملها وهى تلهو وتمرح وتفتن فى لعبها تبدىء وتعيد ولا رتابة ولا ابتذال فرحا خلاقا.. ابداعا لا كلفة فيه... لكأننى استقى منها الحياة عبا الى منتهى الرى وغاية الامتلاء فيضا لا ينقطع مدده ، فيغزر كيانى ويخصب ويتمدد ويتسع حتى يطاول الزمن ويتحداه ويصبح أبدا لاحد له !

طالما ساء طننا نحن المسلمين بأنفسنا ، ويئسنا من كل خير فينا حتى أنكرنا أن تكون لنا قيم بل أنكرنا أن تكون لنا ذاتية أصلا ، وحتى أصبحنا نصغى الى كلمة المنصفين لنا من مفكرى الغرب فى سخرية ولا مبالاة ، كما لو كانت شهادتهم شفقة ورحمة .. عطفا مبالغا فيه ، أو تملقا لا مسوغ له !

لأن أكون انسانا بحق ، وان متواضع القدر بسيط الشأن خير من أن أعد عبقريا من عمالقة الفن والعلم عديم الكيس خلوا من التهذيب جلفا من الاجلاف لا ادب ولا أخلاق !

أى وزن بل أى معنى لسلطة أفرغت من معناها فلم تعد تقوى على فرض احترامها وتبرير وجودها واقناع الناس بضرورتها وجدواها ؟!

اشترك في نشرتنا البريدية