الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

كلمات منثورة

Share

قد يسئ المقلد إساءتين . . . إزراء بنفسه وبقدوته معا . . شأن الصورة الهزلية نضفى على مثالها ، وإن برئ من العيب ، بعضا من سخفها وسماجتها .

الانسان . . ذلك الحيوان المجنون لا يبني يهذي ادعاء وتعاظما ، يروم أن يخرج من جلده . . ملتذا بهدم نفسه وتنغيص وجوده !

لم يكن الجمال عند النفس الحساسية ترفا قط . . زينة أو ملء للفراغ . . مذبة للرتابة والسآمة . . قرصا تعالج به خمود نبض الحياة كما تعالج ( * ) بعض الفحولة الضائعة . . . الجمال - ككل غذاء بل أفضل من أى غذاء آخر , لأننا لا نصبر  عنه ساعة فلا بد لنا من ومضه وإشراقه نزداد به قوة ونزداد به وعيا . . نورا على نور - الجمال غذاء سحرى يشعرنا بقيمة الحياة وطعم الوجود وحقيقة لغز الانسان . . . توقا الى أعلى وأبعد . . . سيرا الى غير غاية . . . ظمأ لا ينطفئ . . . وإرادة لا تفتر .

من الناس من يكثرون من الاشارات والحركات فى أحاديثهم إسرافا كأنهم صم بكم ، وحتى لنتساءل عن مكان اللسان منهم وجدواه ؛ أو كأنهم يمثلون أدوارا صامتة مجانا حيث لا داعى للعبث والفضول .

كلما اقترب الفن من الواقع وحاذاه ، او التصق به وتطفل عليه أسف وابتذل ، وتهافت وسمح ، واصبح صورة مسخا لكليهما ، قد عري من صفاء الفن وتساميه ، وعدم حرارة الواقع وصدقه وبراءته .

ليست البيئة الأم مجرد إطار لا امتياز له على غيره ، ولا حرج ولا خطر فى استبداله بسواه . إنها فى مثل ضرورة الماء للسمك والتربة الصالحة للنبات ، بدونها تتهرأ قيم المرء وتتلاشى ، ويتلف كيانه أجمع .

الفن يقتضيك أن تتطهر وتحرم إحراما قبل أن يمكنك من نفسه ويسلس لك قياده ، كشأنك إذ تدخل بيت صلاتك ، أو وشك اللقاء بمن تحب قد هفا القلب اليه ، وكأن قد صافحه بعد ، أنسا وإكبارا . . رهبة وحنينا .

ما كانت الأم لتحب أطفالها إسرافا حتى العشق والعبادة . . حبا تتقلص دونه عاطفة الأب وتتضاءل حتى كان لا وجود لها . . لولا إحساسها الحميم بأنهم فى الصميم منها قد شاركت - شأن المبدع الفنان - فى خلقهم ، بل هم صور منها ، نسخ من كيانها قد تجزأ وتعدد عند كل ميلاد .

هون عليك يا أخى ! لا تذعر من الشيخوخة وما ترمى به من عجز وبشاعة ، فان الحياة لا تشيب ، وشباب النفس لا يبلى ، وما يسمونه ذبولا وانحلالا إن هو إلا ذروة النماء والخلوص ، فاذا الروح كأنها الألماسة توقدا وصمودا . . . منتهى الشفافية والاشعاع . . . لا بهرج ولا زيف . . . قد ماتت الاباطيل واستوى الكون والعدم . إنه العري الأكبر . . مهر الحقيقة لا ترضى به بديلا .

اشترك في نشرتنا البريدية