أترضى أن تكون أقل شجاعة وتصميما من جسدك الجلد الصمود لا يني يقاوم أسباب الدمار والفناء فى كل طرفة عين !؟
غريب أمر ذلك المثقف الشاب جمعتنا واياه حفلة « ختم » ، وقد اصطحب ولدا له فى نحو الثامنة من عمره ، فاذا هو لا يفتأ يحتضنه ويضمه اليه من حين لآخر ، ويتودد اليه ويلاطفه على مرأى من الناس ، وكأنه فى أشد الوحشة اليه ، لم يستشعر فى ذلك حرجا ولا بأسا ، كما لو كان فى بيته وفى حل من أمره .. تبذلا وسخفا !
التبجح بالنعمة كفر بها وتجديف .
التبجح بالنعمة انحطاط عن مرتبتها ، وفقدان لشرف استحقاقها وفضل نسبتها .
ويلك ، يا هذا ، من سن تصبح فيها كالبغل البليد لا هم لك ابدا الا العلف والاسترخاء والنوم ، أخذا ولا عطاء ... عقما وخمولا !
قليل الاحسان عند الاحرار كثير .
التحدى ! تحدى الجماعة وتحدى الذات ... ذاك ما يزيد المجون لذاذة وفتنة ، وقوة إغراء وجاذبية ، بل إن أقصى لذته وسحره والباعث الاصلى عليه هنالك ، فى ذات التحدى وفى الصميم منه .
من طرافة المعمار العربى فى تونس وامتيازه أن لكل غرفة فى الدار ( أو لكل « بيت » كما يقال عندنا ) ميزة ومزاجا ، وشخصية قائمة الذات حتى ان الغرفة الواحدة منفصلة مستقلة عن الجميع ، لها كيانها الخاص وجوها الخاص وسرها بل وطعمها الخاص ، وإن كانت قسما صميما من المنزل ، جزءا لا يتجزأ منه .
فالبيت « القبلى » أحسن ما يكون مشتى ومرتبعا تنعم فيه أبدا بالنور والدفء والأنس يكاد ينسيك قسوة الصقيع فى أوج الشتاء ، تعطفا عليك ورفقا .. بشاشة وانشراحا ...
وأنت مخير بين « الشرقى » و « الظهراوى » فى الصيف والخريف يطفحان بردا وسلاما ، تسكن النفس اليهما وترتاح فى أشد القيظ لينا ورحمة .. رقة ولطافة ...
ولن يعيبك ، بعد ذلك ، التصرف فى بيتك الرابع تروضه وفق مشيئتك وهواك ، وإن شذ وتمرد ، واستعصى على التحديد والتصنيف .

