الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كلمات منثورة

Share

تعترض المرء فى حياته أزمات نمو أو تقهقر عدة لكن أشدها ما يعانيه الشيخ من قطيعة بينه وبين عمره كله حاضره وماضيه إذ قد يصبح فى موقف المتفرج الغريب من مسرح حياته وحياة الآخرين ليس له عليها من سلطان . يريد فيرتد ويشتاق فلا يرد .

هيهات ! لقد فطم عن الفعل ومنى بالعجز والحرمان وليس له إلا التعلل بالذكريات والاوهام . ينظر الى جسده فاذا هو جملة غضون وتجاعيد . لقد ارتخى اللحم واندلق وجفت البشرة وتقلصت . والوجه ؟ لقد أصبح قناعا أشوه سخيفا بالنظر الى محياه المعهود مدى السنين . إنه المسخ بعينه ! ومع ذلك فما الشيب إلا شيب القلب وفتور الهمة وموت العزيمة .

الفكر وحده هو العلاج ، به يصبح شاهدا على زمانه رقيبا حسيبا . يغربل الاحداث ويفجر الحقائق وينفذ الى أسرار الوجود .

لا أمل فى سلم حقيقة دائمة ما دام الانسان إنسانا . الحرب جزء من طبيعته . إنها جانب الشر والعدوان فيه . فلا الأديان ولا الفلسفات ولا المذاهب قديمة أو حديثة استطاعت أن تروضه وتكبح من أنانيته المفرطة وتعصبه الاهوج لآرائه ومبادئه .

داء البشرية ، سوسها العضال الاكراه . أن تنزل عند رغبتى وتنحنى أو تمحى !

يأبى الانسان فى جموحه وجنونه إلا أن ينسلخ أخوه الانسان عن إنسانيته ، أن يكون مجرد ظل له ، صورة بتراء منه ، مسخا أشوه على مثاله .

على ان اعترافنا بهذه الغريزة لا يزيدنا الا رفضا لها وردعا وتجاوزا لها وقمعا بكل ما اوتينا من شغف بالحياة وتقديس الحرية والكرامة

لا تغنى الأفكار ولا الحقائق مهما تكن ساطعة صارخة . ينبغى أن تتحول الكلمات قوى محركة للنفوس مزلزلة ، أن تتفجر وهجا من الحماس المتجدد والاريحية الدافقة والايمان الراسخ الوطيد . يجب أن ننزل إلى حضيض هذا الشعب ، أن نأخذ بيده ونجعل منه بشرا سويا ، إنسانا ممتازا ولا يمسنا فى ذلك نفرة أو إعراض ، ولا صلف ولا زهو ولا من ولا امتهان .

تلك هى الطريق وبدونها لا أمل فى تبديل وجه أرضنا البائسة وإنصاف شعبنا المحروم .

ليس الاجرام وقفا على الأقوياء ذوى البأس والبطش بل ان الكثير منه مرجعه الضعف والشعور بالنقص والجبن .

ليس أشد عداوة للفنان من نفسه . . . كالجذوة أبدا تتأكل . يجتلب بل يختلف من هنا وهناك أسباب الهم والقلق والحيرة والشقاء من فرط " حساسته ورقة نفسه " على ان له من خصب حياته الباطنية وسعة خياله موارد جمة للصبر والصمود والفرج والأمل .

ما أقرب المرء من طفولته . نحن نحمل طفولتنا من المهد إلى اللحد . لكأنها تشف تحت طلاء من النضج والرجولة والسؤدد والتمكن . لقد يكفى أن يدهمنا أمر فادح أو صدمة عنيفة أو مأساة قاسية فاذا بنا نرد - لحين - الى عهد سحيق سحيق من الرقة والميوعة والوهن والوحشة والوله والضياع يوم كنا نعتمد على الغير ونستمد من الغير وننتعش بالغير .

نحن أطفال كبار . . . كلمة مرددة مبذولة ولكنها حقيقة لا ريب فيها .

أسطورة الفردية !! لا وجود لأفراد ولا معنى لكلمة فرد . كل منا " كتلة " نواتها الأنا وسداها ولحمتها الكون باسره ، ومواطنونا وإخواننا فى الانسانية على الأخص ، وليس خارج " الكتلة " إلا الاختناق والموت .

اشترك في نشرتنا البريدية