الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

كلمات ..

Share

التاريخ

قال لي لبيب : " أدراك تكتب عن التاريخ افأنت حقيقة تؤمن بالتاريخ ؟ أن التاريخ ما هو الا تلفيق ، وما إلا سلسلة أكاذيب ، ومجموعة مغالطات... وليس هذا رأياً شخصياً ، بل هو رأي يكاد يشبه الاجماع "

وكلام هذا الأديب فيه شئ من الصدق ، وفيه شئ من الاندفاع أيضاً ، فالتاريخ ليس كله بدون استثناء حقائق لا شك فيها . لكن التاريخ ليس به مغالطات ، او سلسلة اكاذيب ، كما يتصور هؤلاء ، وإذن فليس ما يمنع ان يتخذ الكاتبون من حوادث التاريخ مادة لكتاباتهم ، وحينما نشك في اي حادث تاريخي ، فلنا كل الحق بان نضرب به عرض الحائط ، ولنا كل الحق في ان نعبر عن هذا الشك ما وسعنا التعبير ، وأخيراً لنا كل الحق بأن نقرر أ كذوبة هذا الحادث مع بيان الاسباب...

وبهذا ، وبهذا وحده ننصف انفسنا ، وننصف التاريخ ، ولن تفوتنا العبرة النفسية بعد ذاك . العبرة التى هى ولأشك اسمى ما نتحصل عليه حينما تلقي انظارنا إلى مرآة الماضي ، ولن يفوتنا أيضاً : لن يفوتنا الدرس الاخلاقي او الاجتماعي او السياسي ، الدرس الذي لا يمكن ان نتلقاه ، ولا يمكن ان تتلقاه أى أمة من الأمم الواعية الامن " جامعة التاريخ " !

بين الأدب والتاريخ

الأدب فن التعبير الجميل . لكن الثقافة الشاملة هي التى تضفى عليه القوة

الثقافة التاريخية على وجه الخصوص هى التى توسع من آفاقه ، وتفتح له الميادين...

والتاريخ علم وتحقيق . لكن الأسلوب الأدبي الجميل هو الذي يمهد له السبيل الى النفوس ، وهو الذي يصنع له الخلود...!

العلوم والفنون والاخلاق

كنت اقرأ عن جان جاك روسو ، ذلك الأديب الفرنسي ، بل الأوربي الكبير ، ذلك الأدب الذي طالما نادى بالرجوع بالأنسان الى الفطرة ، لأن الترف والمدنية هما وحدهما سر شقاء الانسانية ، وسر تأخرها الاخلاقي !

ولعل من أعجب ما كتبه هذا الأديب الموهوب ، الذي يعتبره قادة التربية الحديثة من أوائل روادهم المعدودين ، رسالته الشهيرة عن أثر العلوم والفنون فى إفساد الأخلاق ، وهي الرسالة التى تقدم بها لاحراز الجائزة التى قررها مجمع ديجون فى عام ١٧٤٩ لاحسن رسالة تكتب في هذا الموضوع

والغريب أن روسو جاء مخالفاً فى آراء رسالته هذه لآراء اعضاء هذا المجمع ، بل لآراء جمهرة العلماء والأدباء في ذلك العصر . ومع ذلك...ومع ذلك فاز بالجائزة ، ومن يومها فاز أيضاً بالشهرة ، وان لم يفز طيلة حياته بأي نصيب من الجاه ، او اي نصيب من المال !

صاح روسو في وجه الترف ، وفي وجه المدنية ، وندد بمساوئهما الكبرى وقال انهما نتيجتان من نتائج تقدم العلوم والفنون ، وما تقدم العلوم والفنون الا ضربة على الأخلاق في الصميم !

وهذا شذوذ فى التفكير لاشك فيه ، انه هجوم على الحقيقة من جانب روسو ، ونحن إن شئنا أن نلتمس عذراً يبرر هذا الشذوذ ، فانما يجد هذا العذر واضحاً صريحاً فى البيئة التى عاش فيها روسو لاسواها

في عصر روسو كانت حياة فرنسا متأخرة كل التأخر ، مضطربة كل الاضطراب ، وكانت العلوم والفنون لايكاد يبدولها اى وجود مستقل متكامل

ومن سمات هذه العصور ، ندرة العلم ، وندرة الفن ، كما هو المحتوم ، ومن سماتها أيضاً شيوع الغرور ، وشيوع النفخة الكذابة ، وشيوع الدعوى ، وشيوع الحذلقة العلمية والأدبية ، واحتقار الآخرين في فريق غير قليل ممن ينسبون أنفسهم إلى العلم ، أو إلى الأدب ، او الى اي فن من الفنون...

هذه السمات البارزة فى عصور التأخر ، او عصور الأنتقال أو عصور أوائل النهضات انما هى داء من اعضل الادواء الخطرة ، انه داء يصيب انصاف المتعلمين فينظرون الى الوجود والى الحياة والى الناس نظرات فجة ، ولقد شاهد روسو في بيئته التى عاش فيها كل هذه الادواء ، شاهد كل ذلك وشاهد غير ذلك فتألم ، واعتقد حينما كتب ، ان تقدم العلوم والفنون عامل هدام في بناء الأخلاق !

ولكنا نقول مع إعجابنا بعبقرية روسو : أن العلوم والفنون بريئة مما نسبه اليها . . انها مصدر كل حق وكل خير وكل جمال ، وان في تقدمها تقدماً للأخلاق ، وما مصادر الخطر على الاخلاق إلا البيئات وحدها ، وفي صلاح هذه البيئآت صلاح الأخلاق ، وصلاح غير الأخلاق !

اشترك في نشرتنا البريدية