-1- . . في اغفاءة النور وداع شجى للأرض . أرض الهضبات الغرقي فى الضباب ، والكدمات الناتئة والانسان الضائع فى الزحام ، المنفى خارج ذاته فى جلبة الأيام ...ولهات الليالي . ..
لكن هنا ، في الظلال الزرقاء مرفأ للايحاءات المجنحة ، والأخيلة السابحة ، الباحثة عن شاعر . . وهنالك ، فى اطراقة أمسيات الخريف الحالمة ، تتدلى كالعناقيد حروف ( للقصيدة التى لم تكتب بعد ) والتي يغريها النسيان بالفناء ، وهيهات أن تفنى..!
ثم ٠٠! ترتاح نجمة المساء على الشرفة السماوية ، وكأن فى صفائها المسحور ، اقياس رؤيا شعرية غريبة . رؤيا تكشف للشاعر وحدة عناصر الكون على اختلافها . وحدة العناصر الكامنة في صميم تباين أجزائها . ولئن كان العلم يوقف الانسان على عتبة الحقيقة ، فالشعر الذي فى نجمة المساء يسمو بالانسان الى ما فوق الحقيقة ، وتلك هي رسالة كل شعر أصيل عميق...
- II - . . الليل يفتح جناحيه وكأن التصعيد فى الأجواء قد أرهقه ، ثم يوشح الكائنات بأهدابه الدمقسية السوداء ، المخمورة بالنعاس ، السكرى بالأحلام الذاهلة فى حضورها الغائب . . .
الليل سجا وما أغفى همس الشعر ، فما ينى يردد حكاية الأبد ، والحياة ، والموت ، والذكريات والحنين فينسكب كالغيبوبة الحسية ، ويدب كالنشوة الروحية فى شرايين الأشياء حتى لكأن الكون فى سكرة تواجدية . . وحتى لكأن ( روح الرمز ) الشعرى ما تزال بكرا تبحث عن عشاقها لغاية الابحار بهم في أجواء المجهول واللاوعى ، حيث تحرق الأشياء أوراقها وبراقعها
وأقنعتها ، وحيث تتجلي الأسرار ، و " تتسطح " الدواخل والخفايا ، وحيث تتفتح الألغاز قبل استقرائها ، واستفسارها . . .
فالشعر من خلال قصيدة الليل ، مرادف أو يكاد ، لكلمة " السحر " ولكلمة " الدين وهو لقداسته ، وشفافيته يكاد لا يعطى مفتاحه لأحد ، ويكاد أن يكون محض وجود " تهويمي " ، مع كونه يمتص اهتمامات الذات ، ويحرك الطف أعلاق الحس ..
ولو تناغمت حواس الشاعر الملهم ، وصوره ، وخياله ، لكتبت القصيدة التى تسمو بنا الى أعلى عليى الفكر . . الى الله .
-111- منذ انسان الكهوف إلى الانسان الذي لم يكن بعد رسم الشعر على صخرة التاريخ خطوطا وألوانا للجمال ممزوجة بدم الشاعر ، وعرقه ، ونهار عينيه . .
والدم هو دم الانسان وان اختلفت الحروف . والدمع هو دمع الانسان وان نباينت اللغات فى الشعر . والعينان هما عينا الانسان وان اختلفت الصور والايقاعات العروضية . . .
فالشعر فى كل لغة ولا فى لغة . فى كل موضوع ولا فى موضوع ، لأن الانسان هو الموضوع الأبدى والقاعدة الأبدية للشعر ، أما ما عدا ذلك من ازياء العروض والمدارس ، فلا يعدو أن يكون مظهرا شكليا زمنيا لهذا الكائن الحى ، المتجاوز لذاته باستمرار ، الممزق بشرف فى صراعه الكونى مثل سيزيف ، والذي اسمه : " الشعر " . .
إذن ، فالشعر هو " الانسان " فى كل أرض ولا فى قطر . فى كل لون ولا فى جنس . فى كل قالب شعري أصيل ولا فى قالب . ومثلما تغيرت " ملابس " انسان تونس اليوم عن انسان تونس ( حانبعل ) كذلك تطورت ملابس انسان باريس اليوم ، وانسان موسكو اليوم ، وواشنطن اليوم عن بقية العصور الاخرى
وكذلك العروض ! وكذلك المدارس !
وكذلك الذهنية الشكلية التى لم تركز اهتمامها إلا على الموقف التأخرى فى الشعر ، جاهلة أو متجاهلة حركية الزمان وقانون التطور ، مصرة بدافع ( مرض نفسى ) أو نية مبيتة أحيانا ، الى النظر الى حاضر الانسان بعيون الأجداد والكتابة بأقلامهم ومدادهم والتعاطف مع عصر الاعجاز التكنولوجي وعصر رجل الصحراء والجمل..!
والملاحظ أن داء " اللا تعاصر " هذا ، ظاهرة متكررة مزمنة في كل مرحلة انتقالية وهي على سلبيتها الظاهرة ، لا تزيد " الجديد " إلا تألقا ، وحماسا في رفع مشعل الانسان ، والحرية ، والتقدم .
وقد أفادت هذه الظاهرة كل تجديد أو اجتهاد فى الشعر ، فى كل زمان ومكان ، وفي كل أمة متفتحة كالفكر ، لا نهائية كالانسان ، وذلك بأن اعانته بدون قصد منها على التفريق بين التجديد الأصيل الجوهرى وبين الغوغائية الكاريكاتورية ، أى بين التجربة الأصيلة للحياة والانسان والأرض ، وبي التجربة المجترة ، المفتعلة ، المتقمصة لتجربة " الآخرين " . .
و ( التجديد ( ليس القائم على مناوأة القديم ، أو النفور من أساليبه بدافع الطيش أو النزق والبحث عن اثبات الشخصية ، بل التجديد الأصيل ، هو الذي يفرضه تجدد الانسان ، وتجدد الحياة فيه ، وتجدد حرارة الوحدة الحيوية بين الجزء مع صميم بقية أجزاء الكون . .
والتجديد لا يكون إلا إذا كان استمرارا وترقية للحس القومى والتراث القومى ، مع رفعه الى مستوى التحاور والتفاعل مع بقية حضارات الانسان . .
IV - لعل نظرة نزيهة للشعر فى العالم ، عبر القارات ، على اختلاف لغاته وقوالبه المتباينة والمتناقضة أحيانا ضمن ما أسماه "ارتير رامبو " بالصيد الروحى " تكفى للاقرار بأن الهياكل الكلاسيكية للشعر بموسيقاها النحاسية ، قد باتت جديرة بالمتحف لدلالتها التاريخية فقط ! وقد أصبح " الشعر " الذي ( ينبغى أن يكون ( ، أصبح يتطلب ايقاعات جديدة ، لا لغاية " الطرب " كما كان الشأن بالنسبة للشعر القديم ، بل لأداء ايقاع الحياة الذي فى وجدان الشاعر وفق ما تقتضيه أبعاد التجربة ، وبالمقدار الكافي من التقنية الفنية التى يريد بها الشاعر تشريك " الآخرين " فى تجربته . .
وخلافا للمعتاد ، الايقاع الجديد الذي أصبح الشعر يتطلبه ، هو ايقاع غير منفصل عن الصورة الشعرية . . فهو إذن ايقاع لا يقصد لذاته ، بل لتنغيم الصورة وترجمة ألوانها وظلالها وأضوائها بواسطة ايقاع شبه عفوى ، يجعل القارىء يرى بأذنه ، ويسمع بكافة حواسه ، ويتفاعل تفاعلا كاملا مع التجربة الشعرية ٠٠٠
لكن هل الحديث عن الايقاع والصورة ، إلا تحديدا مسبقا للشعر ، وتقييدا جديدا له ؟ والجواب بسيط فالخلق لا يتحقق في عبودية القواعد ! والشعر العبقرى فوق كل قانون لأن
وزنه الخالد هو التجربة الصميمة ، وقافيته هى نبض الحياة ، أما مقياسه ، أى مقياس أصالته فهو " الانسان " . .
بهذا يمكننا أن نحكم على أى شعر فى أية لغة من اللغات ، دون الاصطدام بالفوارق المفتعلة ، بين قواعد العروض المتباينة ، المختلفة ، المتضاربة
إن جوهر الشعر هو جوهر الانسان أى : التطور أو التغير المستمر والتجاوز الأبدى لحدود الكيان . لحدود المضمون والشكل . وفى ذلك شرفه ، وبطولته وسموه . .
إذن ، فلنقف فى المستوى الحضارى الذى يجعلنا نفهم الصيد الروحى " لتجارب الشعراء ، ورفضهم للمضامين التقليدية ، واجتهادهم فى استحداث القوالب التى تفرضها التجربة الفريدة ، وتستلزمها أصالة الشخصية الحرة من كل خنق موروث ، أو اعتبارات مستوردة
ولا غرابة ف " الشعر " الأصيل هو " رؤيا " لكشف " التآلف الذي تملكه الحياة " فى العالم ، عند أرسطو ، والشعر عند وردسورث هو أداة " للأدراك الحدسي . . ومن هنا فهو أسمى من أن يخضع لقاعدة أو قانون إلا القاعدة التى تقتضيها تجربة " الشعر " و " القانون " الذي يسنه فيض " الشعر بمطلق الحرية . .
- V - هذا الاستشفاف لآفاق جديدة لا يتأتى بالطبع للنظام المحترف ، كما انه لا يستهدف " العاديين " الجبناء و " الأنبياء الكذبة " من الذين لم يخلقوا إلا لاقتفاء الأثر ، وترديد الصدى ، واجترار الحكايات المملة ؛ قد يكون من الاجرام أن نكلف هؤلاء بهذا " الصيد الروحى " الذى حدثنا عنه " رامبو " قصد الكشف أخيرا عما سماه " بودلير " ب " الوحدة المظلمة العميقة " ! أما الشاعر الذى نعنيه فهو ذلك " الكائن " العظيم الذي تتضاءل أمامه المدارس والأيديولوجيات المحدودة . والذي يعيننا على الاحساس بالعلاقات الخفية الكامنة بيننا وبين " الآخرين " عبر القارات ، كما يعيننا على الشعور بالروابط الموحدة بين ذواتنا والصميم الحي للأشياء التى تشاركنا فى الكيان ، وتجايلنا بصمت . .

