الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كلمة، الدكتور حسام الخطيب

Share

أحمل اليكم تحية فلسطين الصابرة المجاهدة المتوثبة المنزهة عن الشقاق والتناحر ، أحمل اليكم تحية فلسطين وهى توأم تونس وشقها الاخر المناظر لها على العدوة المشرقية للبحر الابيض المتوسط . إن فلسطين تتكلم وتفعل وقد أرادت قوى والاستعمار والصهيونية أن تقطع يديها وتشلها ولكن فلسطين وعت وتجاوزت فكانت لها بدل اليدين ثلاث . يد الكفاح المسلح ترفع البندقية حتى يوم النصر ، ويد السلام ترفع غصن الزيتون للمنطقة العربية وللعالم أجمع ، ويد الابداع تحمل القلم المشع لشعبها وللأمة العربية وللانسانية الخيرة . فلتكن تحية فلسطين باقة ورد لمجلة " الفكر " فى عيدها الخامس والعشرين ، ولتظل تحية فلسطين فوق كل التحايا .

أيها الاخوة ! تدعونا مجلة " الفكر " فنجيب ، وليس أحب إلينا من أن نجيب أية دعوة نغمز لنا بها عين تونسية وامقة ، على أن دعوة الفكر ودعواه أعز لدينا من اى شئ آخر . وإن للمجلة التى آثرت أن يكون الفكر اسمها وعنوانها وعلمها - وحق لها ذلك - دينا فى أعناقنا راسخا عتيدا كأنما هو جزء من تركيبنا إذ لا أمل لنا بسداده فى يوم من الايام ، فهو من ذلك النوع الذى يعز له النظير وبالتالى يرتفع فوق التقييم .

( ملاحظة لغوية : استعمل التقييم عمدا واجتهادا وأعرف تبعة ذلك ( .

عن طريق مجلة ) الفكر ( اتصلنا ، أقصد جيلنا المشرقى ، بالادب العربى فى تونس ، وكنا نحن احساس الفطرة أنه أدب غنى وعريق ووفى لماضيه وتراثه ، ولفترة طويلة ظلت ) الفكر ( نافذتنا السحرية التى نطل منها على انتاج تونس بل انتاج المغرب كله ، وإن أنس لا أنسى أنه من خلال ) الفكر

نفسها قرأننا ) والمجلة فى العقد الاول من عمرها الزاهر ( لأدباء الثورة الجزائرية المناضلين ومنهم من كان رهين السجون آنذاك .

وما أظن أن الجيل التونسى والجيل الفلسطيني يمكن أن ينسى أن مجلة ) الفكر ( منذ سنوات تفتح ذراعين مبسوطتين مرحبتين للانتاج الفلسطيني المناضل ، وتبرزه وتحنو عليه حنو المرضعات على الفطيم .

وإن أنس لا أنسي أننا استطعنا أن نتعرف من خلال ) الفكر ( على الاسماء التونسية المبدعة ، وفي مقدمتها محمد مزالي ، والبشير بن سلامة ، ومصطفى الفارسي ، والعروسي المطوى ، والشاذلى القليبي ، ومحمد فرج الشاذلى ، وأبو القاسم محمد كرو ، وأبو زيان السعدى ، وأبو وجدان الصادق شرف ووحيد الخضراوى ، وأحمد اللغمانى ، وأحمد المختار الهادى ، وأحمد المختار الوزير ، وأحمد القديدى ، وأحمد الحباشة ، والبشير المجدوب وجعفر ماجد ، وجميلة الماجرى ، والحبيب الجنحانى ، وحميده الصولى ، وحسن الصادق الاسود ، وحسين التريكي ، ورشيد الذوادى ، ورياض المرزوقى ، والشالى زوكار ، والطاهر اللبيب الجديدى ، وعبد المجيد بن جدو ، وعز الدين المدني ، وعبد السلام المسدى ، وعبد الله الخلايفي ، وعبد الحميد العلانى وفاطمة سليم ، ومنور صمادح ، ومحمد الشابى ، ومحمد باردى ، ومحمد الصالح الجابرى ، والمختار اللغمانى ، ومحمد الحبيب السالمى ، ومحمد الشعبوني ، ومحمد كمال المدائني ، ومحسن بن حميده ، ومحجوب بن ميلاد ، والمنجى الكعبى ، ونور الدين صمود ، ونور الدين بن بلقاسم ، ونور الدير عزيزة ، وكثيرين غيرهم .

إن استعراض هذه الاسماء وغيرها من الاسماء اللامعة الاخرى التى لا يتسع المجال لذكرها يمكن أن يوقع القارئ غير المتبصر بالارتباك ، لما بينها من تضارب في الاتجاه الفكرى ، وتفاوت فى السن والمقدرة ، وتباين فى الاختصاص والمشرب الادبي ، ولكن شيئا من التمعن فيما يكمن وراء هذا التنوع كفيل بأن يعطى القارىء بعض تصور للاسس السليمة التى قامت عليها سياسية ) الفكر ( ، والتي يمكن تلخيصها - من خلال وجهة نظر قارئ هاو - بالنقاط التالية :

أ - رعاية الادب العربي فى تونس والمغرب العربى ، وأدب ثورات التحرر العربية .

ب - خلق حركة نقد ادبى فاعلة والاتجاه الى بلورة معايير ذوقية ونقدية متماسكة وايجابية وذات قوة دافعة

ج - رعاية المواهب الجديدة ، وعدم اضاعة أية فرصة أمام كل محاولة واعدة .

) ملاحظة جانبية : حدب خاص من محمد مزلي على كل من خط حرفا (

د - تطبيق مبدأ الثورة الدائمة من الداخل ، بل التجدد المستمر مثلما هى سنة الطبيعة ، وبكلمة أصح فتح المجال واسعا أمام رياح التغيير وتقبل التنوع فى الافكار والاساليب والتقنيات ضمن اطار مبدأ الوفاء للاصال وللتراث وللوطن وللرواد .

ه - تشجيع الحوار الايجابى بين مختلف الافكار والتيارات ، ومقارعة الحجة بالحجة والرأى بالرأى بعيدا عن الاتهام أو الاسفاف .

( ملاحظة غير جانبية : لا شك أن هذا المبدأ يكتسي أهمية خاصة فى ايامنا هذه التى نسى فيها الوطن العربي أو كاد أن الحجة تقرع بالحجة والتى اصبحت فيها العصا أفضل وسيلة للاقناع ( .

و - اقامة الجسر الفكرى المنشود بين جناحى الوطن العربي ، والحرص على أن يكون رفيف الجناحين متساوقا متكافئا لا يطغى فيه جناح على جناح وتتناسق فيه الخوافى والقوادم لتقود النسر الى قمم العطاء الانسانية .

) ملاحظة ايضاحية : كان للمعركة التى فتحتها مجلة ) الفكر ( فى العامين الفائتين حول موقف المشارقة من ادب المغرب وموقف المغرب من ادب المشرق فضل كشف الحجاب عن مسألة في الادب العربي لا بد من التصدى لها بشجاعة ) .

وبالطبع يظل صحيحا دائما أن أهل مكة أدرى بشعابها ، وما قصدت أن اضع نفسى موضع حامل التمر الى هجر أو بائع الماء في حي السقائين ولكنني أحببت أن أعطى انطباعا بسيطا لقارئ بسيط حول ما تصورت أو

( الفكر ) تمثله من قيم وسياسة ادبية فان كنت أصبت فالفضل للمجلة وإن كنت أخطأت فذنبى على جنبى وأعدكم أن أكون فى المرة القادمة أدق نظرا .

أما أصحاب الفكر " ففضلهم معروف ومجدهم مشهود ، وإن جدية الاخ لبشير بن سلامة ودأبه واخلاصة هى مضرب المثل . والاخ محمد مزالى ممن يقال فيهم الكثير ويقصر بعض الكلام عن ايفائهم حقهم . فلتهنأ به تونس كاتبا وأديبا ومفكرا وراعيا للمواهب المطلة ومنافحا عن قيم الثقافة الرفيعة ووزيرا أول ووجها عربيا ووجها متوسطيا وموكب تواضع ومعرفة وخلق عظيم

( ملاحظة غير مكتوبة : لو لم يكن محمد مزالي وزيرا أول لما توقفت عند جد تعداد خلاله ( . أيها الاخوة الكرام !

لتبق دياركم عامرة زاهرة مستقرة مطمئنة فى عهد رئيسكم المجاهد الحبيب بورقيبة الذى بنى فأعلى وزرع فحصدت تونس من غرسه أطيب الجنى

ولتبق تونس العربية دائمة الخضرة على مدار السنين ، ولتظل قلوب أبنائها - كما عهدناها دائما - مؤلفة متعاطفة رحيمة فيما بينها ، شديدة على أعدائها ، نابضة بكل ما ينفع العرب وفلسطينهم ، ويذكى فيهم روح قوميتهم الواحدة وانسانيتهم الإصيلة وقيمهم الاصيلة الخالدة .

ولتظل تونس متطلعة أبدا الى تجاوز كل لحظة الى ما هو افضل منها ، الى بناء مجد الوطن بالعمل والتقدم والتطور ، والى الاسهام فى اشادة بنيان المغرب العربى الكبير الكبير الموحد ، فالوطن العربى الأكبر الذي يرتجى منه الخير كل الخير فى صياغة المستقبل المنشود للانسانية المعاصرة . وكيف لا يكون ذلك ، وهو الذي حمل مشعل الحضارة قرونا طويلة فى حقبة من أصعب حقب التاريخ .

ولتكن مجلة " الفكر ، وليكن الفكر نفسه ، مركبتنا المجنحة الى تحقيق ذلك كله من خلال اتصال حى بالناس ، بجماهير الناس فى وطننا ، بشعبنا الاصيل ووجدانه النقى ، الذي يبغى أن يحسب حسابه في كل دفقة تطلع

اشترك في نشرتنا البريدية