قبل ربع قرن من الزمان ، وفي مثل هذا اليوم ، ظهر أول عدد من مجلة الفكر الثقافة ؛ أصدرها فى مدينة تونس الاستاذ محمد مزالي ذلك حدث منوالى ، وقع ، ويقع ، مثله فى كل زمان ومكان . غير ان هذا الحدث المنوالى ، أصبح ظاهرة ، كيف انقلب ذلك الحدث التونسي المنوالى ظاهرة عربية فريدة ؟
هذا هو المعنى الذي نلتقي حوله اليوم أيها الاخوة ، تكريما له واحتفاء به . واستجلاء لمقوماته ، وانتفاعا من معطياته ؛ فهو وثيقة أصيلة من وثائق النضال البصير ؛ وتجسيد شامخ للانجاز القدير . ان تستمر مؤسسة صحفية يقوم عليها فرد ، وفي وجه تحديات ذات طبائع مختلفات ، تصدر منتظمة خمسة وعشرين عاما ؛ تضع في كل عدد لبنة فى بناء اجتماعى وفكرى متكامل تستهدف غابتها فى رشد ، وفي أمانة وفى مسؤوليه ، وفي شجاعة ، لم تسقط اعياء ؛ ولم تركع ضعفا ؛ ولم تتلون طمعا ، ولم تهادن خوفا ، وان تقوم مؤسسة صحفية فى عصر صناعة الصحافة ؛ على الجهد الذاتى ، والتمويل الذاتي ، ان يكون ذلك كله ، هو " ظاهرة " اجتماعية بكل المقاييس وهى " الظاهرة " التى نحييها اليوم ؛ نموذجا للقدرة وللمسؤولية ....
وراء هذه الظاهرة . الانسان ، صانع الحياة الاجتماعية ، ومبدع مظاهرها ، بما أوتى من فضل :
ونعم ، وراءها الانسان الرأى والرؤية ، والانسان العقيدة والقيمة ؛ والانسان لارادة والوعى ، والانسان القدرة والمسؤولية ؛ والانسان النخوة والعطاء الانسان الذي حول الحدث المنوالى ، الى ظاهرة ، هو شاب مثقف ، مناضل لم يملك الامور العادية التى يتباهى بها الناس ويتفاضلون ، كان دائما يملك القيم غير العادية ، لم تغير ؛ فلم يكبر ولم يصغر ، ولكنه ظل ينمو ، وينمى معه كل شئ حوله ينمو فى ذاته ، وفي نوعيته ؛ وفى جوهره .
السيد محمد مزالي الوزير الاول ، والامين العام للحزب الاشتراكي الدستورى ؛ هو الاستاذ محمد مزالى والمثقف والمناضل ، والمسؤول : النقى القلب والضمير ، العف اليد واللسان ؛ الممدود الود ، والموصول الوفاء انه ربيب مدرسة النضال البورقيبية ، نشأ على قيمها ، واستقام على طريقها فالتقت فيه الاصالة المستنيرة . بالتفتح البصير على المعاصرة ؛ فكان دائما محاطا بثقة المجاهد الاكبر ، رمز النضال الوطني الرئيس الحسب بورقيبة
أن محلة والفكر التىية ان مجلة "الفكر" التونسية هي شيخة المجلات الثقافية العربية اليوم ، وجودا وانتظاما ومشاركة وتأثيرا . . ذلك ان هذه المجلة عاصرت كل الاحداث المفاتيح فى الجمهورية التونسية ، وفى الوطن العربي الكبير ، فى مشرقه وفى مغربه ؛ وفى العالم كله فى صورته الجديدة المعقدة ، وشاركت بالرأى الناضج ؛ وأسهمت بالتوجيه الرشيد ؛ فى كل ما شهدته الساحة العربية ، في فترة من ادق فترات نضالها التحررى والوحدوى والاجتماعى ، وشهدت على الساحة العالمية نشوء ظاهرات سياسية ؛ تمثلت في ظهور الملامح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للعالم الثالث ؛ وفي اشتداد الصراع الايديلوجى بين الشرق والغرب ؛ وفي بروز كتلة عدم الانحياز ، وفي الحروب التكتيكية المحدودة ، وفى تحرر معظم أجزاء الوطن العربي ، من خلال النضال المشترك والثورات العربية الظافرة . وفى التجارب الوحدوية ؛ وفي الانتصارات والهزائم العربية ضد الاستعمار والصهيونية ؛ وفي تحرر القارة الافريقية التى تقاسمنا الوجود والتاريخ والمصير
وشهدت مجلة الفكر الدور العربى ، على الساحة العالمية ، بما يملك من قدرات ، وما يمكن ان تقوم به الامة العربية فى معركة التنمية العربية . تنمية الانسان العربى ، وتنمية المجتمع العربى ، وفى كل ذلك كان رأى وكان " للفكر " موقف ، يعكسان بامانة تصور المثقف العربي الملتزم حيال هذه القضايا فمجلة شهادة أصيلة لعصرنا ، وهي شهادة مشاركة والتزام ؛ وليست شهادة ملاحظة وحياد
وفي مجلة " الفكر ، التقى المفكرون العرب ، كتابا وشعراء ، ودرج في رحابه ، جيل من الشباب الذين يتصدرون الحياة الادبية ؛ وظلت الفكر منفتحة على الوطن العربي الكبير ، من اقصاه الى اقصاه ، تسجل كل حدث قومى ، وتقوم كل جهد فكرى ، فكانت مرآة لتطور الفكر العربي
وهى الى جانب معاصرتها للاحداث الكبرى على مساحة ربع قرن من الزمان الجديد ؛ زمان التغير السريع ، زمان تكنلوجيا المواصلات والاتصالات ، والى
جانب كونها مجتمعا قوميا للفكر العربى ؛ والى جانب كونها مدرسة تخرج عليها جيل من الادباء ، فانها امتازت بشئ ؛ هو فى واقع الامر ؛ القيمة التى نعتز بها جميعا ؛ والتى يجعلها تستحق اسمها الذي تحمله الفكر ؛ وذلك انها عنفت ، عن اى انحراف مادى ؛ يجعل منها مؤسسة مالية ، فعاشت على الامانة والتجرد ؛ وكان السيد محمد مزالي ، وما يزال ينفق عليها ؛ وتقاسمه جهده وكده ، فهى بعض اسرته وبعض أهله : ...
ان الاتجاه المالى ، كان مقتل المجلات الثقافية ؛ ولكن الفكر نجت بفضل مثل منشئها وبفضل قيمه .
أيها الاخوة ، ليكن مأذونا لى ، فى هذه المناسبة " الظاهرة " أن أحيى باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، التى كان ، وما يزال للسيد محمد مزالى دور ، كبير فى دعم أهدافها ؛ وتعزيز رسالتها ، وباسمى ، السيد محمد مزالى المعلم المثقف والمفكر والمناضل والملتزم ؛ والسيد محمد مزالى الوزير الاول ؛ والامين العام للحزب الاشتراكى الدستورى ، معبرا عن التقدير العميق ، لما يدل عليه هذا العمل الفكرى الرصين ؛ باعتبار انه يمثل قدوة القيم الايجابية التى نحرص ان يقوم عليها المجتمع الفكرى ؛ ويمثل قدرة صالحه لشبابنا فيما يمارسون من جهد قومي ، ويقومون عليه من عمل عام ينبغى ان تتوافر له المسؤولية والالتزام ، والمثابرة والعطاء .
ان الفكر العربي سجل للسيد محمد مزالي ، صفحة باقية فى تاريخ أمته ، بما ضرب من مثل فى التضحية ؛ وفى الاصرار ؛ فى أن يقوم وحده ، بما عجزت عنه الحكومات . وفى الواقع أن القدرة على اصدار صحيفة ثقافية محدودة الجمهور ، دون انقطاع ، على مدى ربع قرن من الزمان هي معجزة وهي عملية لا يمكن أن تتم الا من خلال تضحيات جسيمة ؛ ليست مادية وحسب ولكنها ايضا اجتماعية ، وانه ليس قادرا على تحملها ولا يقوم لها الا أصحاب الرسالات وقليل ما هم ، وانك أيها الصديق العظيم بما عرفتك شابا وكهلا أحد هؤلاء وتهنئاتنا فى هذا المقام مجددة ، تهنئة بالثقة الغالية ، ثقة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، رئيس الجمهورية التونسية وتهنئة بهذه المناسبة ؛ وما تنطوى عليه من عمل صالح ممدود وموصول ؛ ودعاء الى الله ، حنيف ، أن يهبك القوة والأيد ، والامن واليمن ؛ والخير والنصر . وان تبقى الفكر منارة شامخة ؛ ومعلما من معالم الفكر العربي وعبقريته وتجدده وعطائه ، زمن بعد زمن ، فى حياة تونس ، وفي حياة الامة العربية .
