الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كلمة الاستاذ عبدالواحد براهم

Share

في ضحى يوم قائظ من صيف 1958 ، طرف بابى ساعي البريد وسلمنى رسالة . اسمى وعنوانى كانا مرقونين على الظرف بدقه وفي الرفن الأعلى الى اليمين اسم محلة الفكر مطبوع بخط واضح وانيق ومعتد بنفسه لانه علامة جدى المؤسسات الكبرى التى عاشت وعرقت ، فلم يعد للزمان عليها يد .

لعطلة الصف عند المعلمين - وكنت أحدهم - طقوس ونواميس . ففيه تخبو صباباتهم وتغفو عيونهم عن كل ما لا سبب له بالراحة والاستجمام . فقلما يكتبون الرسائل أو تكتب اليهم الرسائل الا إذا كانت بطائق بريد خفيفة للتذكار .

وهذه رسالة رسمية من مجلة الفكر - هي الاولى التى اتصل بها منها . وحتى من غيرها . وتأتي في عز العطلة الصيفية . انها اخر ما كنت انتطر

الورقة الداخلية بيضاء نظيفة عليها نفس العلامة التى على الظرف يتوسطها نص موقون باتقان وممضى فى أسفل الصفحة من طرف مدير المجلة نفسه الاستاذ محمد مزالي .

لا شك الآن بأن بين يدى رسالة رسمية من مجلة كبيرة تحترم نفسها وتحترم من يتعامل معها .

يومها لم يكن عمر " الفكر " الا ثلاث سنوات ، ولم أكن قد تعرفت بعد على مديرها وان كان هو قد عرفني من خلال ما نشرت لى المجلة من قصص ومحاولات أدبية عند اعدادها الاولى ، وعرفته من خلال ما كتبه فى المجلة أولا ثم مما كنت اسمعه عن حركته الدائبة بين أوساط المتعلمين والمتثقفين لجمع الانصار حول مجلته الفتية وضمان انتشارها بينهم اينما وجدوا . وكنت أجد كل مرة

انزل فيها من القرية النائية التى درست بها الى احدى المدن القريبة ) الكاف أو جندوبة . أو باجة ) انه كان هناك فى الاحد الماضى او الذى قبله يجمع الاشتراكات للمجلة أو ينظم عملية توزيعها

وقرات في فحوى الرسالة ان ناشرا ايطاليا تعود على اصدار منتخب سنوي من القصص العالمي يختاره ويترجمه ويعرف بأصحابه لدى القراء فى ايطاليا ، انه اختار من أحد اعداد مجلة الفكر قصة لى بعنوان : " رجل حطم نفسه ، وهو يستأذن المحلة فى ترجمتها ونشرها ويسأل عن حقوق التأليف التى عليه دفعها .

ويقول مدير المجلة فى رسالته أنه اجاب الناشر بعدم امتلاكه للحقوق لان الجلة لم تشتر النص من صاحبه وان عليه الاتصال بالكاتب نفسه للحصول على اذنه . ويعقب المدير على الموضوع بأنها بادرة طيبة ومشجعة أن يقع الاهتمام بانتاجنا الادبي في الخارج وفي أروبا بالذات وأنا من رأيه ان استجيب لدعوة ذلك الناشر اذا ما كتب الى بطلبه بعد ذلك .

قد لا يكون لهذه الحادثة اى وقع فى أيامنا هذه بعد أن مضي من عمر مجلة لفكر خمسة وعشرون عاما ، وبعد أن ترجمت لى نصوص أخرى الى الروسية والاسبانية ، وبعد أن صارت اسماء الكتاب الشعراء من تونس معروفة ذائعة فى العالم العربى وغيره

كانت بلادنا فى تلك الايام خارجة لتوها من معارك التحرير وتجسيم الاستقلال كل شئ فيها يعاد بناؤه من جديد : الناس ، الحجارة ، المؤسسات القيم . وكنت في بداياتي الاولى اكتب لنفسي أشكو لها شجوها ، ثم بدأت ارسل بها أكتب الى الصحف اليومية المتواجد فى الساحة ايامئذ : ) النهضة الصباح ( دون أن يكون لى اتصال بمن فيها ودون شعور بأى انتماء لواحدة منها ولا حتى ان تحاول واحدة منها التعرف على أو الاتصال بى .

ثم ان الفكر كانت شابة طرية العود لم يتعد عمرها السنوات الثلاث وفى هذا الاطار يحب ان توضع صورة ما حدث لحكون قريبة من الاذهان والذين عاشوا معى تلك الفترة يعرفون هذا جيدا ويدركونه

كنت أرسل نصوص فتبرز بعد أيام وأطالعها كما يطالعها القراء جميعا وينتهي بعد ذلك كل شئ كانت المؤسسات الفتية اشباحا أتعامل معها بالبريد ولم يكن لى لديها حضور فعلى ولا كانت لى احساس بالقرب منها .

وها هي رسالة مجلة الفكر تصلنى فى هذا الصباح مستدلة على عنوانى فى مدة الصيف .. تخاطبني بالاسم وتبحث معى قضية تراها هامة وتدعوني الى أن أراها كذلك وتستثير همتى الى الاعتناء بالامر مشيرة بما ينبغى ان يكون تصرفي مع الناشر الاجنبى الذى اهتم بالمجلة وكتابها ومن خلالهما بالادب التونسي عامة ومحملة اباي بصورة غير مباشرة مسؤولية اغتنام هذه الفرصة المتاحة - التى قد تتلوها فرص أخرى - للانفتاح على العالم الخارجى وكسر الطوق الذى يضيق أنفاس الادب التونسي والادب العربي بصورة أعم

هذا الاتصال العفوى والانسانى سرنى وفجأنى فى آن واحد ، ودفعنى دفعا الى البحث عن مقر المجلة والتعرف على الرجل الذى وراءها والرجال الذين حولها فوجدتني بعد يوم واحد ادفع باب مكتب الاستاذ محمد مزالي - وهو يومئذ مدير مكتب وزير التربية - واجلس اليه دونما كلفة ونتحدث فى شؤون المجلة وظروف الكتابة والكتاب وكأننا متعارفين من زمن بعيد ، ودعاني الى حضور جلسات الاسرة الاسبوعية ولكن ظروف العمل التى دعتنى الى البقاء خارج العاصمة سنوات أخرى منعتنى من تلك الفرصة النادرة وحرمتني من تجربة ثرية .

المهم اننى احسست من يومها بالانتماء الى مجلة " الفكر " وأسرتها وتابعت خطاها الرتيبة العنيدة والمتواصلة دون انقطاع على مدى سنوات طوال تسجل حضورها الدائم في الساحة الفكرية والأدبية فى المجال التونسي ثم المغربي والعربى وتعلو سمعتها وتتسع رقعة اشعاعها فينداح فى بقاع عريضة من الارض ولا تكاد تغيب من رفوف أشهر المكتبات والنوادى الادبية والعلمية فى العالم

بعد اثنى عشر عاما من هذه الحادثة ويكون قد استقر بي المقام فى تونس العاصمة يدعون الاستاذ محمد مزالي الى تولى سكرتيرية التحرير بمجلة الفكر والتفرغ الى ذلك طول الوقت فقبلت عرضه مرحبا وبدأت من ثم تجربتى الحميمة مع " الفكر " التى دامت ست سنوات تشعبت بى من بعدها ظروف العمل الى مسالك اخرى .

لكن كم كانت تلك السنوات الست ثرية ومبهجة !!

ثرية ، لانك في معين ثرصب فيه باستمرار بريد ضخم من انتاج القرائح ، الثابتة على الدرب ، والتى تحاول ان تثبت والكفاءات الغضة الباحثة لها عن دروب جديدة . مادة خام تفوح برائحة النسغ الحى ، تقرأ كلها وتقيم نحرص وموضوعية ، وتنتخل ثم تصهر وتقدم - فى مطلع كل شهر بالتمام والكمال - مائدة ذهنية دسمة سائغة

ولكل ان يتصور ما فى زحمة هذا العمل المتجدد من زخم فكرى واحتكاك يومي بالمادة المكتوبة وصلات حميمة بالكتاب وأصحاب النصوص ، وجدل فكرى - خفيض أو مرتفع - حول هذا الرأى أو ذلك وهذا الشكل أو ذاك ، مما يعرفه من عايشوا مثل هذه التجارب القليلة فى تونس ولكنها متوافرة فى بعض بلاد الشرق التى يزدهر فيها النشر وتروج الصحافة الادبية

وهي مبهجة ، لان العمل بنائى ، يعطيك الشعور المنعش بأنك تخدم وطنك وتساهم فى اعلاء صوته ونحت صورته المثلى من ناحية ، ثم لانك تعمل مع رجال جمعوا بين التنور والتواضع فيهم من روح مدير المجلة ومؤسسها الكثير المستوحى من خصاله المعروفة تواضعا واستقامة واندفاعا بصيرا نحو الاهداف وتوحيدا موفقا بين القول والعمل

ولا تملك وأنت تعايش أسرة الفكر وتتصل اتصال الملازمة والمياومة سواء بمديرها الاستاذ محمد مزال أو رئيس تحريرها الاستاذ البشير بن سلامة الا ان تحس بأنك في أسرة يسودها الوئام والانسجام فكرا وأسلوبا وطرائق عمل ، اضافة إلى التلاؤم والتراحم والانقطاع الى أداء المهمة كلف ذلك ما كلف من وقت وعناء هو فى اغلبه مما يختص به الانسان نفسه للراحة ، أو يختص به عائلته للرعاية والاهتمام .

ما كان من أمر الرسالة التى ذكرت ، وأمر الاتصال الانسانى الحميم الذى نسعى المجلة وصاحبها الى ربطه بالكتاب ، أن تكرر بشهادتى عديد المرات خلال انقطاعى للعمل فى ادارة المجلة

ثمة دافع تلقانى أن تبحث المجلة عمن يكتب اليها ، أن تتعرف اليه ، ان تحس بوجوده ، ان تطرد من مخيلته صورة المجلة الشبح ، وأن تنبذ هذا

التصور السائد من أن الكتاب مجرد نصوص على الورق يقف التعامل معهم عند نهاية السطر الاخير .

لا أحب هنا استعمال كلمات المساعدة و " الاخذ باليد " وسأضع بدلها عبارة الصلات الانسانية " الباحثة عن الخيوط الفكرية المشتتة للجمع بينها ووصل بعضها ببعض

وسأستعمل عبارة " الزمالة والتكافل على حمل الهم الواحد " التى تريدها أسرة المجلة من يوم يصل فيه النص الاول اليها ليستمر فيما بعد وفاء وتعاونا لا ينقطع حتى ولو لم تساعد الايام والظروف .

شعراء صغار صاروا كبارا ، وكتاب كبار صاروا أكبر ، ورجال كتبوا ثم انقطعوا ، وآخرون انقطعوا ثم عادوا القينة بعد الاخرى مدارس نشأت ثم خبت نارها ، تيارات مبتكرات و تنضح بذلك سائرة صامدة على مدى ربع قرن .. مرآة مجلوة تنعكس فيها صورة التوهج الذهنى لابناء هذا الوطن الذي اسهم وما زال مصرا على الاسهام فى بناء الحضارة العربية الجديدة

نعم ، كان للفكر ان نكتفى بهذا الشرف وبأنها كسبت الرهان فى معركه البقاء والصمود .

ولكن انظر انها حققت كسبا لرهان أعسر وهو أن تتقدم وان تجمع حولها قلوب الناس وما أصعب ذلك !!

وليننظر من يشك فى ذلك الى احتفالنا هذا . . وليتأمل !

اشترك في نشرتنا البريدية