انه لشرف عظيم أن اتقدم اليكم بعبارات الاكبار والشكر على تلبيتكم دعوتنا وحضوركم أول اجتماع للمجلس العلمي للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات.
وهو مجلس قبل الانتساب اليه علماء اجلاء من اقطار الوطن العربي ومن دول صديقة يجمعنا واياهم تقدير الفكر والتعلق بقيمه وآثاره.
فيهم نرحب في بلدهم تونس واليهم والى زملائهم التونسيين أعضاء المجلس من علماء ورجال الفكر نعبر عن امتناننا وشكرنا على استعدادهم للمشاركة في الاعمال التي نبدأ فيها اليوم.
ان هذا الاجتماع الاول لهذا المجلس العلمى الموقر قد كان محل عناية رئيس الدولة المجاهد الاكبر فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية وباني معالم حضارتنا العصرية . فتفضل سيادته - ابقاه الله- بمنحه سامی اشرافه . هى يد اخرى اسداها فخامته الى المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ، تضاف الى اياد كثيرة منها تفضله بالامر بانشاء المؤسسة ثم اقراره وامضائه القانون التأسيسى المؤرخ في 20 ديسمبر 1982 فالی فخامته نرفع اسمى وأخلص مشاعر الاحترام والاكبار والاعتراف بالجميل.
وهذه المؤسسة قد حظيت منذ خطواتها الأولى بعطف السيد الوزير الاول الاستاذ محمد مزالى . وما حضوره اليوم بيننا ورئاسته لهذا الاجتماع الا دليل جديد على هذا العطف . فاليه نتقدم بأخلص عبارات الشكر والتقدير ، كما نتوجه بالشكر ايضا الى السيد وزير الشؤون الثقافية الاستاذ البشير بن سلامه الذى كان فى مقدمة الساهرين على نمو هذه المؤسسة .
ويندرج تكوين هذه المؤسسة الثقافية في الخطة البورقيبية الحكيمة التي سطرت غداة الاستقلال والتي رمت وما زالت ترمى الى تعميم التعليم ورفع المستوى الثقافي للمواطنين وترسيخ الذاتية الثقافية التونسية العربية المسلمة وضمان التقدم العلمى والفكرى للامة وتمكينها من المشاركة في الحركة العلمية والفكرية للانسانية جمعاء دون تردد او خوف .
فبعد الجامعة التونسية التي مر على تأسيس بعض معاهدها أكثر من ربع قرن وبعد ان نشطت الحياة الثقافية في تونس نشاطا لفت الانظار ظهرت مؤسستنا في الظرف الملائم لها وفى الوقت المناسب ليتلاقي في ساحتها العلماء الباحثون وأهل الابداع من الادباء والفنانين فيتم بالحوار الحر البناء التعامل والتكامل بين تجاربهم في ميادين الانتاج المختلفة. وقد حرص المشرع التونسي على ان لا تقتصر فرص اللقاء والحوار داخل المؤسسة الوطنية على التونسيين وحدهم من رجال الفكر بل أضاف اليها فرص لقاء بينهم وبين نظرائهم وزملائهم من مختلف الاقطار الشقيقة والصديقة من الوطن العربي ومن أوطان أخرى افريقية وآسيوية وأوربية وأميركية - ومن هذه الفرص ما يتضمنه نشاط المؤسسة من ترجمة وتحقيق للكتب ودراسات وهو نشاط يقتضى وجوبا وفي جوهره التعاون والتشاور والتفاهم - ومن هذه الفرص ايضا وبصورة خاصة هذا الاجتماع الدورى للمجلس العلمي الذي يشمل عددا وافرا من العلماء والمفكرين غير التونسيين بجانب عدد مواز تقريبا من التونسيين . وفي تركيب هذا المجلس العلمى وفى الأمال المعقودة على مداولاته امتداد للسياسة الثقافية التي عرفت بها تونس الحديثة بهدي ودفع من فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة
وهي السياسة التي استوحينا من مبادئها خطة العمل التي نعرضها على المجلس العلمي فى الجلسات الثلاث لهذه الدورة . فبرامج التحقيق وبرامج الترجمة يلوح من عناوين الكتب التي اشتملت عليها الاهتمام بالانتاج الوطني وبالثقافة التونسية هذا من جهة ومن جهة أخرى يتجلى فيها حرصنا على المشاركة في تقدم الفكر الانساني بالاخذ والعطاء اى بنقل أهم ما ظهر من الكتب الى لغتنا وترجمة أهم ما انتجه وينتجه الفكر العربي الى اللغات الأخرى. وسنتوخى نفس الاتجاه في الدراسات التي نؤمل أن تتم ضمن المؤسسة في الاعوام المقبلة.
والاولوية التي منحناها في برامجنا للكتاب تحقيقا وترجمة بالقياس الى وسائل التعبير الأخرى ليست وليدة الصدف ونتيجة للظروف وحدها . فنحن ندرك كامل الادراك الدور الكبير الذي اصبحت تلعبه في الحضارة المعاصرة وسائل الابلاغ الاخرى . لكننا مقتنعون كامل الاقتناع ايضا ان الكتاب لن يعوضه شيء فيما اختص به وهو تمكينه القارى من التدبير والتفكير . والكتاب تراجعه ما شئت فتنقده فالكتاب سيبقى أقرب وسائل الابلاغ الى الحوار الحر المبنى على المساواة بين الكاتب والقارىء واحترام الاول لحرية الثاني.
ان النظر فى نشاط المؤسسة السنوى من طرف المجلس العلمي هو - من بعض وجوهه - تنفيذ المبدأ التشاور الذي يتحكم في بناها وهياكلها فالخطط السنوية لمساندة الاشعاع الثقافي وتشجيع الابداع وبرامج التحقيق والترجمة تضبط خطوطها العامة وتفاصيلها وترصد الاعتمادات المالية اللازمة لها بعد الدرس الدقيق والمداولات المتعددة في مجلس الادارة وفي اللجان المتفرعة ومع ذلك فلا غنى لنا عن معرفة رأى المجلس العلمي في تلك البرامج بل تنتظر منه اثراءها بمقترحاته والمساهمة الثمينة في توضيح سبل التنفيذ وأساليب التحقيق ومناهج الترجمة وما يجانسها من وجوه الارشاد المتعددة التي يحق لنا ان نرتجيها من واسع علمكم وطويل خبرتكم وستجدون في الوثائق التي تحويها ملفات هذا الاجتماع اوراق عمل متعلقة بعدد من مشاريع التحقيق والترجمة عرضناها عليكم لاكمالها او تحوير محتواها.
الا ان هذا العمل التوجيهي والنقدى على أهميته لا تتمثل فيه وحده مهمة المجلس العلمي بل الاهم من المهم في تلك المهمة انما هو الدور الاكاديمي الذي سيخصص له قسم من مداولاتنا في هذه الدورة والذى يجدر بي ان اشير اليه في كلمتي هذه ولو باشارة وجيزة لا تفي بتعدد نواحيه وواسع آفاقه.
ان تعاملنا مع التراث المكتوب الذى جعلنا له هذه السنة الصدارة في برامجنا يتضمن - مع الاعتزاز بذلك التراث - مراعاة المعاصرة في فهمه وفي أساليب التحقيق والاحياء . ومثل ذلك يمكن ان يقال عن اهتمامنا باللغة العربية . فانا لن نعيد الى لغتنا منزلة تساوى التي كانت لها في أزهى عصور تاريخنا ان لم نراع حاجات أمتنا في عصرنا هذا بالذات . فالكنوز العلمية النظرية والتطبيقية وروائع الأدب والفن التي يجب علينا اخراجها وتعهدها بالصقل والتوضيح يتكون منها رصيد يجب أن نوظفه في حياتنا الحاضرة بما اشتملت عليه من مشاكل هذا العصر وهمومه - ولا سبيل الى ذلك الا بنظرة
شاملة للثقافة لا تفصل بين العلم والادب والفن وهي النظرة التي كان لها بعض الأثر في تركيب المجلس العلمى المؤسستنا وبرامج اعمالها . ونؤمل ان يبرز ذلك الاثر أكثر فأكثر في السنوات المقبلة . اننا نؤمل لهذا المجلس ان يكون ملتقى للكفاءات في أعلى مستوياتها وللتجارب فى اخصب وجوهها لتستفيد من ذلك ثقافتنا التونسية والثقافة العربية . وما الأولى الا فرع للثانية - وفي ذلك فائدة للانسانية جمعاء - اذ تقدم أمة من الامم يساهم حتما في تقدم الانسان أيا كان ..
ان التقدم العلمي المنقطع النظير الذي عرفته الانسانية في هذا القرن العشرين يفرض علينا ان نقبل على هذه العلوم الحديثة وان نشارك في رقيها بالاستكشاف والابتكار دون تأخر أو احجام . ان العالم الذى نعيش فيه يعرض علينا في جميع الميادين وسائل للانتاج وللابداع لم يكن اجدادنا يتصورونها وفي نفس الوقت وعلى قدر هذه المكتشفات والوسائل الحديثة للانتاج عظمت الويلات التي تهدد البشرية من كل جانب - فاصبح من أوكد ما هو أكيد ان تكون مواقفنا الفكرية والخلقية اى قيمنا ومبادئنا الحضرية - ومن ضمنها مستوانا الفكرى - متناسبا مع عمق هذه الثورة العلمية ومع خطورة نتائجها. فاخطار عالمنا الحديث لا تقاوم بالانزواء والانكماش والجهل او التجاهل بل يجب ان نتصدى لها بكامل الوعى وبالغ الادراك وواسع العلم وتحمل اقصى ما نطيق من المسؤولية . ولا شك ان العلم الحديث بسعة خضمه وجديد أساليبه يدعو الى التعاون والى تضافر الجهود وتكامل التجارب ويتطلب في نفس الوقت ضمان الحرية التامة لجميع رجال الفكر حتى يكون اسهامهم في الابتكار والابداع انشط وانجع ما يمكن ان يكون . فبالتعاون مع المؤسسات الثقافية الوطنية والدولية ومع رجال الفكر في الاقطار الشقيقة والصديقة من عالمنا الحاضر نطمح الى ابراز ثقافة عربية اسلامية تفي بواجبات الاصالة ومقتضيات المعاصرة في نفس الوقت ، وتسهم في تقدم الانسانية بما يتناسب والدور الذي كان لها في ماضيها المجيد . هذا هو الهدف الذي ينبغي ان ترمى اليه مؤسساتنا . وأملنا وطيد - أيها العلماء الأماثل - ان تعينونا على بلوغه. واليكم تجدد شكرنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

