الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

كلمة الدكتور شكرى فيصل

Share

لم يكن هناك موقف أحق أن تقفه شعوب المغرب العربى - وهى تواجه سياسة التنصير والتبشير والتجزئة والتفريق وتعمية التاريخ وطمس الحقائق وتشويه الشخصية واستلابها خلال عقود الاستعمار الفرنسى . لم يكن هناك موقف آخر أحق أن تقفه هذه الشعوب التى حاولوا طمس حضارتها وتقطيع ما بينها وبين جذورها ، وما بينها وبين فروعها - من هذا التجمع حول مفهوم واحد يؤلف المنطلق والغاية معا ، ويجمع بين الطريق والهدف ، ويلم أطراف الحياة فى وجهة واحدة ، هو مفهوم الاصالة .

ذلك ان الاصالة في بعض من معانيها هى الادراك والعثور على الذات .. وتعمق خصائصها والانطلاق بايحاءها .. وما دام هدف التأثيرات والغزوات الخارجية السلمية والحربية طمس هذه الذات فان البديل الوحيد الذى كان أمام هذه الجماعات الممتدة من برقة الى طنجة ومن صخور الشواطئ الى كثبان رمال الصحراء انما هو وعي هذه الذات وعيا سليما يحفظ عليها وجودها أولا ، ثم يحفظ عليها تماسكها ، ثم يهبها من بعد القدرة على الحركة والانطلاق من الاسر .

أكان عجبا اذن ان ينبجس الحديث عن هذه الاصالة وان تتشقق عنها الاقلام والافهام في هذه الاقطار الثلاثة فى فترات متقاربة وأن تشدد عليها وتحتمي بها وتجد فيها السلاح المعنوى تشهره لتعطل به أنواع الإسلحة المادية الكثير التى سلطت عليها ولتصد الغزوات الفكرية التى انتابتها

لقد كانت الاصالة معتصم هذه الشعوب وكانت طوق النجاة فى هذا المحيط الهائج الذي رميت به دعا اليها واخذ بها وتحدث عنها الكثيرون الذين عرفوا الطريق من المسجد الى الجبال ، والذين ظلوا يرابطون فى المساجد او فى الزوايا

المضيئة الذين حملوا توز الكلمة والذين حملوا نار السلاح ، الذين عرفوا التنظيمات الحزبية الجديدة والذين كانوا يجهلونها ، أولئك وهؤلاء جميعا كانت الاضالة تدفعهم . وكان تحقيق هذه الاصالة يقودهم نحو وعيها والعمل بها والعمل لها ، وادراكها والاستضاءة بأنوارها ومثلها.

ولكم وددت لو انه كان لذى متشع من الوقت ومن القدرة لا تتبع نشأة هذا المفهوم ومضاميثه عند الذين أمسكوا به ودعوا الى التمسك به ، فى اقطار المغرب الثلاثة : فى مدرسة علال الفاسى فى المغرب الاقصى وفى مدرسة ابن باديس والابراهيمي في المغرب الاوسط وفي مدرسة الصادقيين والزيتونيين وما نشأ عنهما بعد ذلك فى المغرب الأدنى .

وأيا كان الأمر ، وسواء أنشأ هذا المفهوم - المصطلح هنا أو هناك فمن المؤكدة ان وحدة أقطار المغرب العربي في الاصل - دون التوقف عند الخصائص الجهوية ووحداة الاحداث التى نزلت بها واعتزتها ، ووحدة ما بين جحافل الغزو في منطلقها من شمال البيرنيه أو جنوبها ، هذه الوحدة كان لابد لها ان تلتقى على مفهوم مشترك واحد للمواجهة . لقد كان ذلك هو مفهوم الاصالة ، ثم انتقلت هذه الصيغة بعد - وذلك اغلب الظن - الى المشرق وتعاورتها الالسنة والاقلام .

2 - ولكن ماذا تعنى الأصالة ؟ تلك هى المسألة كما يقولون ... ولست أملك أن اتحدث الآن - وبينى وبين موعد هذا الحديث أيام محددة محدودة - عن معاني الاصالة ، وعن اتساع هذه المعانى ، وعن اضطرابها كذلك بل قد لا اقدر عليه لانه يقتضى رصد كل ما كتب المفكرون فى هذه الاقطار . أفينهض بذلك باحث موصول العناية بالفكر والمجتمع فيتتبع ذلك ويجعل منه عنوانا لدراسة ما اشذ ما نحتاج اليها .

ولكن الصعوبة لن تخلى بيتى وبين محاولة اولى لنعرف ذلك على وجه من لوجوه انى - وان اعوزنى الوقت والقدزة والمصادر - فسأتحدث من خلال ما ترسب فى ذهنى او استقر عندي وما أتاحت لى الاقدار من فرصة الصلة القريبة بأقطار المغرب خلال سنوات العمل فيه .

ان تقضى ذلك عمل جدير بالكشف عنه فى رصد حركة الفكر فى الشمال

الافريقي ، وعلى نحو ما نتتبغ اخبار الحركات والثورات والتنظيمات ونهتم بتفاصيلها ورجالها ، فان علينا فيما أحسب ، أن نتتبع تطور هذا المفهوم الجديد الذي كان كذلك تجسيدا للون من الوان المقاومة ، بل لعله كان أروع هذه الالوان اثرا واعمقها بعدا .

فى محاولة تحديد لمفهوم الاصالة :

ويحسن فى البداية أن اشير الى أن مثل هذه المفاهيم والصيغ عسيرة على التحديد الدقيق .. انها ليست مصطلحات ذات حدود قاسية ضلبة .. ولكنها مفاهيم تترامى من حولها هالات .. بغض هذه الهالات مضئ وبغضها ضبابني يفسح لي يوما بعد آخر مجالا لاضواء جديدة أن تتسترب اليه وان تستقر فيه .. ان في مثل هذه المصطلحات خطؤطا مضاءة ونقاطا مضيئة وبقعا كالدنانير .. وقد تكون احيانا مثل دنانير أبى الطيب المتنبى فى شعب بوان تفر من البنان أو قل انها تفر من البيان وتستعصى عليه لانها الى لغة الروح أقرب .

والأمر الثاني الذي أحب كذلك أن أشير اليه أن مثل هذه المفاهيم لا تتعاقب عليها الاضواء والظلال فحسب . وانما يتعاقب عليها احيانا فهو مختلفة وقد يعتصم بها اولائك وهؤلاء من الذين لا يختلف ما بينهم فى الرأى فحسب وانما يتناقض كذلك ، ان الصيغة اللفظية الجديدة التى تقع للمفكر - وهو يغانى عملية التفكير - مثل هذه الصيغة تكون لها اغراءاتها ويكون لها سحرها ، انها تجتذب انصارها وخصومها على السواء ، وأولائك وهؤلاء يحاولون تسخيرها لما يضطرم فى اذهانهم أو لما يختلج في قلوبهم ، الم يكن ذلك شأن كثير من المفاهيم الاخرى الكثيرة التى تستبد بافكارنا وتنظيماتنا حتى قالوا في الاشتراكية مثلا لووفرة ما حملوها من معان : هناك اشتراكيون وليس هناك اشتراكية . أو هناك اشتراكية بعدد " الاشتراكيين " .

-3- فاذا تجاوزت هذين الاشارتين الى محاولة لتخديد الاصالة فان هذه المحاولة يمكن ان تمضى فى مرحلتين متكاملتين : مرحلة النفي ثم مرحلة الاثبات . نفي ما ليس من الاصالة وصولا الى اثبات ما هو لها . انها محاولة تعريف تستند - كما يقول المناطقة - الى جمع ومنع : منع ما ليس من التعريف وجمع كل ما هو منه .

ترتب الاصالة فى أذهان بعض الناس بالحديث عن الماضي وعن المستقبل ولان الاصالة هى الاصل . فان مفهوم الزمن لابد ان يواكبها وان يخالطها وان تفهم فى ضوئه .

ان البعد الزمانى لا بد أن يمازجها فاذا نحن فى محاولة تحديدها نربط أو نخلط بينا وبين الزمن ولذلك ألقى فى روعنا أحيانا أو فى روع بعض الذين تخوفوا من هذا التعبير ان الاصالة هى عودة الى الوراء أو أنها رجعة الى الامس أو انها - على الاقل - نوع جديدة من السلفية .

والحق ان الاصالة ليست كذلك ومحاولة اقحام الزمان بابعاده : الماضى والحاضر والمستقبل بكل ما يكون من دلالاته وآثاره محاولة لا تساعد على تحديد مفهوم الاصالة بل انها أقرب الى تغييره واضلاله انها محاولة تفتح بابا كبيرا لخصومات لا جدوى منها وتخرج هذا المفهوم عن محوره الاساسي .

الاصالة اهتداء الى جوهر الاشيه ومعرفة الطبيعة بغية الافادة من هذا الجوهر والتفاعل مع هذه الطبيعة ، الاصالة اذن فى المرحلة الاولى لتحديدها ليست الاستمساك بما نعرف وليست التوقف عند الذى كنا انتهينا اليه .. ليست هي السلفية ولكنها ليست نقيضا لها فى كل جوانبها ليست الجديد كله مقطوعا عن القديم ولا تنكرا له ولا ذوبانا فيه ، ليست تقيدا ولكنها اجتهاد ، وليست إسارا ولكنها تطلع وتبين ، صلتها بما قبل انها احتفاظ به وليست محافظة عليه انها ليست استسلاما للماضى ولا سكونا اليه ، انها على الجملة نوع من الحركة الايجابية وليست قط بالحركة السلبية . انها ارتواء وليست ظمأ ، انها بكلمة موجزة - بالنسبة الى الماضى - اتكاء عليه وليس توكلا عليه ، انها قوة حاثة او محرضة وليست قوة مبددة او مشتتة .

- 4 - لقد استخدمت فى هذه المحاولة لايضاح مفهوم الاصالة جملة من التعابير قد يكون غلب على بعضها الطابع الادبي ، ومن المؤكد أن بعضا منكم قد توقف عندها واسرع الى ورقة بين يديه يسجل سؤالا يواجهنى به كأن يقول : ما الفرق بين الاحتفاظ والمحافظة ؟ ودعوني اعترف لكم بأنكم على حق . ولكن ارجو ان لا تنسوا ان المهمة صعبة وان التحديد عسير وان المصطلحات التى حر وبصبح الحسى نعبر عن تحركات الافكار والشعوب لابد فيها من هذا التمازج بين الظل والضوء .. ثم اني أرجو كذلك . ألا تنسوا ان في المرحلة الاولى من محاولة التحديد ، أعني في المرحلة السلبية منه أى دفع ما ليس

من المعنى ، أو بتعبير آخر ، فى اخراج ما ليس من الحد وصولا الى معرفة ما هو منه .

- 5 - فاذا مضيت الى المرحلة الثانية ، المرحلة التى يجب ان تكون أكثر وضوحا فان الاصالة : أصالة هذه الشعوب التى دانت بالاسلام وصنعت حضارته العربية الاسلامية ، تتمثل في أمرين اثنين : أولاهما الفكر وثانيهما الاخلاق . أما الفكر فقد كان ابرز المظاهر فى الدعوة الاسلامية ، دعوة الى اعماله واستفادة من ثمراته . ان وضوح هذه الظاهرة لتغنى عن المضى بعيدا فى الاحتجاج لها والمرات التى استخدمت فيها مادة " فكر " . والمرات التى استخدمت فيها المادة المتصلة بها ، من مثل السمع والبصر والعلم والنظر والرؤية تحدد بوضوح - لا وضوح بعده - جوهر هذه النفس الانسانية التى صاغها الاسلام .

والفكر بهذا المعنى هو الخلق الجديد الذى خلق به الله تعالى العرب مرة أخرى ، وحملهم رسالته الى الناس جميعا ، أصفرهم وأحمرهم ، أبيضهم وأسودهم .. وهو الذى فهمه الصحابة الاولون وخرجوا به من ظلمة الجاهلية الى نور الاسلام ، وهو الذى احال ناسا من بداة الناس الى ان يكونوا قادة وفاتحين ، وهداة مرشدين ومعلمين للعالمين .. انه ليس نظرية محددة ، مرسومة ، ولا فكر انسان بعينه ، ولكنه مشاركة فكرية من كل الذين دعوا الى التفكير ومضوا اليه .

ومن هذا المبدأ ، انطلقت الحضارة الاسلامية ، وان الانسان ليعجب اشد لعجب وهو يقرأ سير رجال القرن الاول : الصحابة ثم التابعين ، من هذه الفعالية الفكرية التى وضعت الاسس لكثير من العلوم والمناهج والانظار والتي أسهمت في كل شئ ، فما منهم الا من قرأ وتعلم ، وما منهم الا من سمع وروى ، وما فيهم الا من علم وعمل ، وما فيهم الا من قال الشعر او صاغ الحكمة او أبدى الرأى أو وقف موقفا من مواقف التدبر أى انه ليس فيهم الا من افسح للفكر أخصب مكان فى تكوين شخصيته الذاتية وتكوين حضارة أمته ، ولكنه لم يكن الفكر المضروب من فوق ، وانما هو الفكر النابع من الاعماق الصادر عن ممارسة .

- 6 - قلت انهما امران يمثلان الاصالة ، وان أولهما الفكر ، أما الثاني فهو الاخلاق وحبن نشير الى الاخلاق تستوقفنا هذه الصلة بين الجاهلية والاسلام ، جاهلية

العرب أو جاهلية أية جماعة أخرى .. فليست الجاهليات مجردة من العنصر الاخلاقي ولكنها كانت انحرافا بهذه الاخلاق الى احد النقيضين : الافراط او التفريط .. ثم هي اهمال لبعض هذه الاخلاق وتجاهل لها .

والرسالة الاسلامية أفصحت بوضوح عن ذلك على لسان الرسول صلوات الله عليه : " انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " ونحن نفهم من اتمامها انه تقويم لانحرافها من نحو وسد للنقص فيها من نحو آخر .. وبذلك نفهم على نحو أوضح الاشارات القرآنية الكثيرة الى الجوانب الاخلاقية فى حياة المؤمن .

وليست الاخلاق - بطبيعة الحال - حلية خارجية نتحلى بها أو شارة نزين بها صدورنا ، وانما هي سلوك .. الحياة والممارسات فيها هى محك هذه الاخلاق وهى ميدان اختبارها ومعرفة مدى انغرازها فى النفس الانسانية وممازجتها لها .. ولذلك تقود الاخلاق الى مبدأ آخر خطير هو الالتزام

لقد ارتبط بهذه القيمة الكبرى للاخلاق وما تقود اليه من التزام فكرة أخرى كانت هي الظهير لها ، والرقيب عليها وهي فكرة الحساب ويوم الحساب . واستقام بناء الشخصية على هذا الاساس

- 7- وكذلك ، يتضح أن جوهر الاصالة فى حياة هذه المجموعة الانسانية يقوم على هذين الركيزتين : الفكر والاخلاق .

وليس ما بينهما بالمتباعد ، ليسا بالجوهرين المتلاصقين أو المتجاورين ، وانما هما فى الحقيقة جوهر واحد متخالط ، متكامل ، متفاعل . . الاخلاق جوهر الممارسة الفكرية ، والفكر هو مصدر هذا السلوك الاخلاقي انهما وجهان لحقيقة واحدة ، لا يمكن انتزاعها ولافصمها مثلها كمثل قطعة النقود يلقاك مع احد وجهيها الفكر كما تلقاك على وجهها الآخر الاخلاق ، ولكنك لا تملك أن تفصل بينهما الا اذا خرجت بالقطعة عن أصلها أو أتلفتها.

- 8 - اذا صحت لى هذه المحاولة فى تحديد الاصالة التى ندعو اليها - واحسبها صحيحة - فانه يبقى أن أشير الى أن هذه الاصالة ليست اصالة الفرد وحده

وانما هى بالتالي أصالة المجتمع كذلك وكما لا يقوم الفرد فى مجتمعه الا بالفكر والخلق ، كذلك لا يقوم المجتمع بإفراده الا في رعاية للفكر واعمال له ، وتطبيق للخلق وممارسة له .. اننا فى تجربتنا العربية الاسلامية على طول القرون وعلى امتداد الارض لم نكن نصطنع هذا التفريق بين الفرد والجماعة . ان ما بينهما لا يكاد يرى او لايمكن ان يرى ، اننا نؤمن بتكاملهما ونؤمن بتوازنهما وأيا كانت الفروق التى يمكن ان تصل اليها الدراسات الانسانية فى تبين ما بين الافراد والجماعات ، فان الذى استقر فى نفوسنا والتقت عليه ممارساتنا ان الركيزة الأخلاقية والركيزة الفكرية كفيلتان بتجاوز هذه الفروق وبتوحيد ما بين الفرد والجماعة اقامة الفروق بينهما حين تكون هذه الفروق ضرورية لتحرك المجتمع ، وتخطى هذه الفروق حين يكون التخطى ضرورة لحركة هذا المجتمع .

- 9 - ان محاولة فهم الاصالة على هذا النحو او على نحو قريب مشابه هو الذي دعت اليه مجلة " الفكر " ودعا اليه الاستاذ محمد مزالي ، وهو الذى يمكن أن يهب المجموعة العربية والجماعات الاسلامية فى هذا العصر الذي يمكن أن نسميه - نحن الذين نستعيد يقظتنا ونستجمع قوانا ونبتعث اصالتنا - عصر الغزو أو عصر الالتهام أو عصر الاستلاب ، هو الذي يمنحنا التماسك ، هو الذي يحول بيننا وبين ما أطلق عليه الرئيس بورقيبة فى ما أذكر عملية المسخ ، وهو الذي يمكن أن يتبح لنا أن نستأنف مسيرتنا الحضارية وان تلاحق الموكب الحضارى وان نضم جهودنا الى جهود الجماعة البشرية كلها .. ان هذا ليس لخيرنا نحن فحسب ، ولكنه لخير بني الانسان جميعا ولو كانت الركيزة الاخلاقية ماثلة فى صلب تفكير الجماعات المتقدمة وسلوكها لاستطاعت ان تتحرر من هذه البغضاء المستكنة التى تفسد عقلها ، والتي تحيلها احيانا الى مثل الجنون حين تنظر في علاقاتها بهذه الاجزاء من العالم .. بل لاستطاعت ان تتجرد من هذه الانانية لان الحضارة لا تبنى على جهود عرق أو منطقة أو ناس بأعيانهم ، وانما نتاج مشترك ، تتعاقب عليه الشعوب والجماعات : انها تظل الناس جميعا فيجب ان يشترك في بنائها كل اولئك الذين يقدرون على هذا البناء وان يسهم فيها كل أولئك الذين يقدرون على الاسهام ، كل من زاويته وبقدرته وبما وهبه لله . وحجب هذا الحق او هذا الواجب ان شئتم ، والحيلولة دون نوع من التمييز الذي لاحق فيه .. وتجارب التاريخ جديرة أن تكون نصب عيون الاقوياء

إذا كانوا انسان فعلا ، لان هذه التجارب لا تترك مجالا قط لانكار مكانة الحضارة العربية فى صياغة الوجود الحضارى الماثل .

- 10 - ان دعوتنا الى الاصالة هى دعوة الى ذلك كله ، وفى المؤكد عندى ايها السيد الاستاذ مزالي انك حين كنت تتكلم عن الاصالة ، انما كنت تتكلم عن هذا كله .. وكان هذا كله فى تصورك وفي ضميرك ... ولم يكن الانسان التونسى الذى دعوت له الا نموذج الانسان العربى والمسلم الذي اردته ولكنك بدات بدائرتك الصغرى دون ان تنسى او تهمل دائرتك الكبرى .. بل كنت على نظر اليها واتصال بها واستمداد منها واعتصام بها وتلك خصيصة من الخصائص التى نجدها عند اخواننا التونسيين . . الدائرة الصغرى التى هى موضوع اهتمامهم ليست منفصلة عن الدائرة الكبرى التى اليها انتماؤم وبها اصالتهم

- 11 - أيها السادة ، لم أكن أقصد الى البحث ولكنى انسقت اليه فاسمحوا لى أن أتوجه بعد بالحديث مباشرة الى الاستاذ الذى أولى الاصالة فى مجلة " الفكر " اهتمامه ولعلى فى ذلك انما أصدر عن مثل مشاعركم وتجاوبكم .

أيها الاستاذ المعلم الكبير ، كانت أولى صلتى بك خلال وجودى فى الجزائر معارا من جامعة دمشق ، وكنت واحدا من المشارقة لا أعرف الا الاقل عن دقائق الحياة فى المغرب العربى ولكن اكتسبت - خلال سنوات وجودى فى فاس معارا كذلك الى جامعتها - بعض المعرفة ، ثم اتسعت هذه المعرفة بعد ذلك فى الجزائر شيئا فشيئا واشهد انها كانت لى فى جملتها فى القطرين : تنمية وتوسعة وزادا وغنى وكانت أفاقا جديدة متفتحة امامى ، واذكر الآن كما لو كنت اشهده ، اني وأنا اودع ذات مرة السيد الدكتور احمد طالب الابراهيمى وزير التربية انذاك انه أوصانى بزيارة تونس وحثني على لقائك ولقد سعيت اليك وكان حديث ولقاء وكانت لغة التعليم الثانوى والعالى أبرز ما يؤرقني كما كانت بعض ما يؤرقك .

واذا كان لم يقدر لى بد ما قدرت من لقاء ، فقد ظلت " الفكر " الجسر الذي يصل ما بيننا فى المكان ويصل بيننا فى بعض المعاناة  .. كنت أقراها حين تصلنى واتفقدها . حين يعصف البريد بها ، وما اكثر ما يعصف البريد العربى بالثقافة العربية ، لكأن بينهما هذه الصداقة اللدود - عند هذا الصديق أو ذاك من سفرائكم كانت هي السفير ، وكنت انت وزملاؤك من حولك السفارة

المتحركة فى الاوساط العربية الثقافية . . أفيكون غريبا اذن أن تكون بعد ذلك وجه تونس الذي يلقاه الناس ؟

- 12 - ان الذى يروع فى مجلتك " الفكر " يتمثل فى جملة من الاشياء ، اقتصر منها على ناحيتين اثنتين : احداهما تعود الى الشكل ، والأخرى تعود الى المضمون ، وليس ما بين الشكل والمضمون بمنفصل أو منفصم

أما التى تتصل بالشكل فتتمثل فى هذه الاستمرارية التى تعبر - فيما تعبر عن الارادة والتحدى والاصرار .. ولعله لا ينهك الجهد العربى شىء مثل الانقطاع والمعاودة وفي أضابير دوائرنا الثقافية والسياسية عشرات الاقتراحات التى تعاود الحديث فى كل مؤتمر ثم تكرر التوصيات ، ولا يكاد يمضى زمن حتى نعود الى الالتقاء والبحث فنجد اننا حيث كنا من قبل ، واننا لم نحقق ألا خسارة الزمن .

فهل اكتسبت هذه الاستمرارية من روحك الرياضية فأقدمت على هذه المغامرة فى وقت كان يصعب فيه نجاح مثل هذه المغامرات ؟

وأما التى تتصل بالمضمون ، فذلك ما يتمثل - الى جانب اصرارك عن الاصالة والتفتح - فى وضوح رؤيتك فيما تكتبه ، فيما تبشر به أو تدعو له ، يشبه صفحة البحر فى يوم هادىء : سطح أملس ، هادىء يتيح لك ان تنظر الى بعيد بعيد من غير مشقة ولكن له - كما للبحر - موجه الداخلى وانفعالاته العميقة

اني لا عزو ذلك أيضا الى روحك الرياضية التى اكسبتك هذا الصفاء الذهنى ، مقرونا الى هذا التنفس العميق أو هذا النفس الطويل ..

- 13 - أيها الاخوة ، حين نسافر للمشاركة فى هذا الحفل التكريمي ، فان السفر لا يتخذ عندنا دوافعه الفردية فحسب ، وانما يتخذ كذلك دوافعه الاجتماعية . فتكريم الاستاذ مزالى وتثمين عمله خلال ربع قرن من الزمان هو تقدير للمسيرة الثقافية فى تونس ذلك أن مجلته كانت فى كل وجوهها تمثيلا لكثير من وجوه المسرة الثقافية فى تونس . . لم تكن المجلة فحسب التى انداحت في أوساط المثقفين وانداح من حولها المثقفون ، وإنما كانت فى حين المدرسة التى خرجت الكثيرين وانفرد عنها كثيرون ، وكانت فى حين الجامعة التى استوعبت

تجارب وشهدت بدايات وكانت فى كل حين المؤسسة الثقافية الدؤوب وكانت دائما دعوة الاصالة الاسلامية العربية فى تونس ، ودعوة التفتح فى آن .. كانت منطلقا لكثير من المفكرين الآدباء ، الجامعيين وغير الجامعيين ، وكانت مجمعا لهم وستظل إن شاء الله ماضية فى خطى متسارعة ولكنها مكينة متينة ، واثقة الى غاياتها ، تستقطب وتستنبت ، وتوجه وتدعو ، وتسجل وتعين .

وحسبك أيها الاستاذ الكبير انك قلت الكلمة الطيبة ، الكلمة التى وصفها القرآن الكريم ، مصدر الاصالة ، فان مثلها مثل " شجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها فى السماء ، تؤتى أكلها كل حين باذن ربها "

ولقد آتت هذه الكلمة أكلها أطيب ما يكون الاكل وأصفى ما يكون ، واستطاعت أن تجتذب اليها القلوب وان تستميل اليها العقول وان تترك فيها هذا الاثر البالغ .

واذا كان منصب الوزير الاول فى جوهره اختيارا للقيم التى دعوت اليها ، فانه القى على كاهليك مسؤوليات جساما .

جاءت تكليفا بقدر ما هى تشريف ، انها مسؤوليات تحويل الكلمة الطيبة الى العمل الصالح ، وترجمة القول الى فعل ، وتجسيد الفكرة فى تحقيقها على أرض الواقع

فليكن الله فى عونك على ذلك وليبارك عليك ما كان وليبارك عليك ما سيكون ، ولتظل زاوية " الفكر " أعلى الرايات فى وطننا العربى كله بديلا عن السيطرة والقمع والاكراه ..

ولتكن رسالة " الفكر " هي أغلى الرسالات وليكن الايمان بالفكر بكل موضوعيته وسلامته وتألقه وتطبيقه وانسانيته ، هو الايمان الذى نواجه به التاريخ ونصنع المستقبل .

وبعد ، فنحن ايها الاخوة ، لم نقطع اليكم سباسب ورمالا كما كان يقول الشعراء ولم نتجشم عناء ولا مشقة كما قال صديقنا الاستاذ فرج فى ترحيبه ، وانما ركبنا اليكم جوا ناعما كالحرير .. وعلى مثل نعومة هذا الجو الهادئ الهانئ نتمنى أن تسير سفينة " الفكر " أعوامها الطوال المقبلة ان شاء الله ، اعواما هي دائما أطول من الاعوام التى خلفتها ، ولكنها أصلب موقفا واسرع الى الاهداف خطى واقوم الى التى هى أهدى سبيلا ، ولنعم الرائد كنت ايها الاخ الكريم ، والرائد لا يكذب أهله ..

اشترك في نشرتنا البريدية