سيادة الاخ الاستاذ محمد مزالي - الوزير الاول سعادة الاستاذ الكبير محمود المسعدى اصحاب معالى الاخوة السادة الوزراء أصحاب السعادة السفراء السيد الوالى السيدات والسادة
فى هذا المهرجان الحاشد ، الذي يقوم بحقه ، تحية لذكرى مرور خمسين عاما من غياب ظاهرة عبقرية ، بالرحيل العجلان للشاعر أبى القاسم الشابى ، أحد أبناء تونس النابغين ، وأحد شعراء العرب النابهين ، أحيى باسمى وباسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، فى هذه المناسبة الكريمة الجمهورية التونسية ، رئيسا مناضلا رائدا ، وحكومة قادرة راشدة ، وشعبا معطاء منجابا وان هذا التكريم يجيء تعبيرا عن العناية التى توليها الحكومة التونسية للفكر وللعلم وللفن ، وتجسيدا للاعتزاز بدور الثقافة فى بناء الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ثم هو أمر يأتى منطقيا ، فى سياق الانجازات الثقافية الكبرى لهذه الدولة الناهضة المستنيرة ، التى قامت وسارت وتسير على نهج القيادة التاريخية الملتزمة ، قيادة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، رئيس الجمهورية التونسية ، عميد المناضلين العرب والافارقة، حفظه الله ورعاه ، وهي انجازات ، على هدى الفلسفة البورقيية ، ينهض بها
ويقوم لها مناضل متجرد ، من قادة الفكر والثقافة ، ممارسة مبدعة ، وريادة واعية ، وتخطيطا متكاملا ، هو الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول ، الذي ظل طوال مسيرته النضالية الصلبة ، يتخذ من الثقافة ومن دورها ، سلاحا يواجه به قضايا المجتمع ، تأصيلا للقيم العليا ، وتوكيدا على الشخصية التاريخية ، ووصلا لها ، بالمنجزات العلمية والتكنولوجيا للعصر ، و للخيارات الاجتماعية المستنيرة والرشيدة ، تتكامل فيها القيم الرفيعة ، بالقدرة الانسانية ، وبالعدالة الاجتماعية ، ومن هنا فان هذه المناسبة ، بقدر ما هي تكريم لاحد نبغاء هذه الامة ، هي كذلك تكريم للثقافة ، وحفاوة بالفكر.
سيادة الوزير الاول ، ان أبا القاسم الشابى ، كان نايا ممدودا فوق الوطن العربى ، وديانا وشواطئ ، بوادى وأريافا ، مدنا وقرى ، روابى وصحارى ، يغني للحياة وللاحياء ، بالكلمة الملونة والمعطرة والمنغمة ، الكلمة ذات الابعاد فى العبقرية العربية ، وذات الامتداد فى الحلم الانسانى ، تتعانق فيها قسوة الحاضر ، وقدرته ، مع أشواق المستقبل واشراقه .
أبو القاسم الشابي ، الشاعر ، كان يمتلك بين شعراء عصره ، الادوات الفنية : الرؤية الفلسفية والجمالية ، كتبها وبشر بها ، فى دراسته عن الخيال الشعرى عند العرب . قليلون هم ، الذين نظروا وعبروا . أو عبروا فنظروا ، فتكاملت لديه الموهبة والنظرية الفنية.
ولقد كتب عن أبى القاسم الشابى الكثير ؛ وسوف يكتب عنه ، ما دام هنالك ادب عربى وشعر عربي ، فهو شاعر كل الفصول العربية ، وكل العصور العربية ، فالمتنبى وأبو العلاء ، يكتب عنهم منذ أكثر من ألف عام، وكلما امتد الزمن ، امتدت الدراسة ، واتسع اكتشاف اسرار العبقرية ، فى ذلك الانجاز المتميز ، وهذا هو الامر فى كل الامم وفي كل الآداب ...
ان أبا القاسم ، عاش عرضا ؛ ولم يعش طولا ، وعمر الناس يحسب بالطول ، وعمر العباقرة بالعرض ... ان الزمن لا يعنى كثيرا فى هذا المجال ؛
فالفنان والشاعر ، والمفكر والقائد والعالم ؛ وكل الذين يصنعون فكر العالم وحماله وقدرته ؛ انما يتجاوزون الزمن في كل لحظة ؛ وحين يكون هذا التجاوز ، يكون الخلود ، فللعباقرة زمن مواز فى الزمن ، زمن أخضر ، لا يفني ؛ ذلك أن الفعل الابداعى يرتفع عن الزمن المادى .
مامعنى أن نجتمع اليوم ، بعد خمسين عاما ، لنخاطب أبا القاسم ، ويخاطبنا أبو القاسم ؟
سنمضى نحن ، ويأتى من ظهر الغيب أبناء وأحفاد ، وبعد مائة سنة ، وبعد ألف سنة ؛ يتحادثون مع أبي القاسم الشابى ؛ ولقد نقول عنه مات شابا فى الحياة ، ولقد نقول بنفس المصداقية ، انه يعيش شابا فى التاريخ ؛ انه مات فى زمن الناس وعاش فى زمن الخلود ، الزمن لا موت فيه ...
عاش أبو القاسم فترة تحرك جماهيرى ، وانبعاث وعي عربى ، ضد الاستعمار ، طلبا للحرية والانعتاق ، وتحريرا للارادة الشعبية ، والتحم مع مسيرة النضال بابداع الفنان ؛ ورؤية الشاعر ؛ فالتقى فى شعره نداء الشعب ، ومعاناة الفن ، حرية الوطن ، وحرية الحياة ، فكان شاعرا فريدا يعبر عن حقيقة فريدة ...
ان أبا القاسم ، أنجبته تونس من صلب العراقة التاريخية ، من منبع التراث العربى الاسلامى ؛ من الجامعة الزيتونية ، التى حملت لواء العروبة والاسلام القرون بعد القرون ، ومن تونس ، ومن القيروان ، عبر الاسلام الى المغرب العربى ، والى افريقيا الغربية ، والى أوربا ، وستظل تونس أمينة على رسالتها الحضارية ، ومن هنا ، فان صوت الشابى صيحة خرجت من حنجرة أمة ، وفكرة من ضمير أمة ، يحمل ميراث أمة شامخة .. ان كل الاجيال العربية رددت الشابى ، وتردد ، وستظل تفعل ..
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل ان ينجلى ولا بد للقيد ان ينكسر
قادت بها معارك الحرية ، واقتحمت بها السجون ، وتحدث بها قوى البطش والطغيان ؛ لقد انتصرت ارادة الشعوب ، وتكسرت القيود وأشرقت شمس الحرية فى كل مكان ... ما أقرب رؤية الشعراء من رؤيا الانبياء !
ان الاحتفال بأبى القاسم الشابى ، وبشعره ، وبعبقريته ، احتفال عربى ؛ فلقد قرر أعضاء المجلس التنفيذى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فى جلسته المنعقدة فى تموز ( يوليو ) 1984 ، أن يكون الاحتفال بخمسينية أنى القاسم ، احتفالا على نطاق الوطن العربى ، وأن تحيى المؤسسات التعليمية والجامعات والمنظمات الثقافية ، هذه الذكرى ، بما تستحق من التكريم ، فى مختلف صوره فالشابى إحدى مفاخر هذه الامة ، كان ، وسيبقي .
سيادة الوزير الاول ، سوف تظل الثقافة العربية ، وأنت من حداتها القادرين ، هى العروة الوثقى للامة العربية ؛ وميراثها الحى ، وملتقى أمجادها ، ومستقر قيمها ؛ إذا اختلفت المصالح ، أو تفرقت الدروب ، وان مثل هذه المناسبات القومية هو المثال التاريخي لهذه الحقيقة .
سيادة الوزير الاول ؛ انه من همى ، أن أحيي القائمين على تنظيم هذا المهرجان الثقافى ، احياء لذكرى شاعر عربى وانسانى عظيم ، وان الشكر ليتجه الى معالى الاخ الاستاذ البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية ، وكبار معاونيه ، والى الهيئات والمؤسسات التى أعانت على هذا ، والشكر ممدود الى سيادة الاخ والى توزر ، والى العاملين معه ؛ على الدعوة الكريمة ؛ واللقاء الحفي ؛ وعلى حسن اخراج هذه المناسبة ، فى هذه الصورة المشرفة ؛ التى تليق بمقام شاعرنا العظيم.
سلام على أبي القاسم ، يوم ولد ، ويوم اعطى وألهم ، ويوم ناضل وأسهم ، ويوم مات ، فتلقاه الله فى الشهداء والصالحين ، وسلام عليه فى الخالدين يوم يبعث حيا ،،

