٣
اذا أمعنا النظر في الأسس التى تشاد عليها نهضات الأمم نجد أقواها هي اشغال الفكر في ميادين العلم والعمل . تقرأ في علم التاريخ ان امة من الامم بلغت الذروة في النهوض ، وان اخرى تدهورت الى الحضيض ونبحث فى الأسباب والعلل ، فلا نلبث ان نقف على ان بواعث النهوض هى فى اشغال الفكر في العلم والعمل ، وعلل السقوط هي في تعطيل الفكر عن الجولان في مناح العلم والعمل
ونقرأ فن الادب ، فنجد في منظومه ومنثوره تمجيد الجد والثبات والنشاط
والسعى وراء المعالي ، وذم الكسل والعطالة والبطالة والسعى وراء السفاسف ، فاذا دققنا النظر وتجاوزنا فى البحث الى الاعماق ، نجد الاداب انما تمجد فى الجد روح اشغال الفكر فى العلم والعمل ، وانما تقاوم في التنفير من الخمول والكسل روح تعطيل الفكر من اشغاله فى العلم والعمل
ونتأمل فى حضارات الامم الغابرة والحاضرة ، وفى الحضارة الاسلامية العربية بصفة خاصة ، ونزنها بهذا الميزان الدقيق ، فنجد انها قد بلغت أوج عزها حينما انكب ابناؤها على اشغال افكارهم فى حقول العلم والعمل ، وانحلت عراها الوثيقة وتحطمت برووجها المشيدة حينما ركنوا الى تعطيل الفكر عن اشغالهم فى العلم والعمل .
وننظر في نهضة العالم الاسلامي والعربى فى العصر الحديث فنجد من اهم مقومات هذه النهضة استعادة ابنائها لاشغال أفكارهم فى العلم والعمل .
والنهضه الاوروبيه ما الذى أوصلها الى قمم الازدهار والتفوق غير عكوف ابنائها على تنميتها وتدعيمها وارواء حقولها بالعلم والعمل . واننا لنلمس اثر هذا الأشغال واضحا حينما نقارن بين طلبة العرب المسلمين فى المعاهد وطلبة الاوروبين فى المعاهد . فهؤلاء يكرسون جهودهم فى اثناء دراساتهم الواسعة الدقيقه المستمرة ويشغلون افكارهم باقتطاف ثمار العلم والعمل ، فسرعان ما ينجحون بتفوق ، وسرعان ما يتخرج فيهم المهندس البارع ، والطبيب الحاذق والمخترع المدهش : والاديب النابغ ، وغير ذلك . اما الطلبه المسلمون فى المعاهد فكثير منهم يصدفون افكارهم عن اشتغالها - كما يجب - فى العلم والعمل ، ولهذا يتدرجون فى الدراسه تدرجا بطيئا وحينما يقدر لبعضهم التخرج ، يتخرج وتفكيره أبتر ، يستوف المعلومات التى تؤهله لمجابهة الحياة مجابهة قوية ناجحه تجعله ينفع وينتفع .
أقصد باشتغال الفكر فى العلم والعمل ان ينهمك الطالب بكليته ، فى شغف الشره المنهوم على التعلم ، وان يقبل المعلم على التعليم اقبال المبتسم النشط الشاعر : بجلال ما يؤديه من خدمه بارة ، وان ينهض كل عامل بعمله نهضة المتحفز إلى السمو به في معارج الكمال والنفع العميم . فلنكن كذلك ليحي المجد العربي الاسلامي الرفيع فى هذه البلاد المقدسه .

