١
الدعاوة البيانية سلاح ماض ، ركب فى طباع البشر من قديم . وهذه الدعاوة من شأنها ان تصلح المجتمع اذا كانت اصلاحية نبيلة ، وتسم افكاره اذا كانت غرضية وبيلة . وقد ساد في المجتمع العربى القديم لون طريف من سلاح الدعاوة البيانية ، يتمثل في قولهم : " زعموا انه حصل كذا وكذا " . . واثرت هذه الصيغة اثرها المنشود في تكييف اراء سامعها على النحو الذي يقصده الداعون ردخا من الزمن ، مما جعل عقلاء القوم يومئذ يفطنون لسوء تأثير هذا السلاج الخطير ، فاستنبطوا بذكائهم الألمعي مثلا حكيما ملؤوه بروح التهكم
البقية على الصفحة ١١
اللاذع ، ولطموا به وجه تلك القولة الماكرة لطمة أفقدته الصواب وزجته فى تباب ، حيث قالوا : " زعموا - مطية الكذب " . . ومن ثم تحامى الدعاة الوقوع فى هوة قول : " زعموا " . . لئلا ينبذ بالكذب العيان ، ولكن الفكرة الخطيرة التى ضرب هذا المثل النبيل لضربها فى الصميم لم تمت كما كان يرجى ، فقد بقيت عالقة بالنفوس ، متغلغلة في الطباع حتى برزت اخيرا فى صيغة لبقة جديدة اعتادها الناس حديثا ، إذ يقولون لك عن الفكرة التى برومون بثها فى الجمهور : " الناس يقولون فه لعقلاء الجيل الحاضر ان يفطنوا لما تحويه هذه الكلمة من مكر كبار ، وذر للرماد في العيون ، فيضربوا لنا مثلا رائعا جديدا بمحوها ايضا من صفحة الوجود كما فعل اشياعهم من قبل بزميلتها القديمة ؟ .
وبعد فاذا كانت كلمة " زعموا " - مطية الكذب فى المجتمع القديم ، فان كلمة " الناس يقولون " - آلة التغفيل والشغب في المجتمع الحديث ، وهكذا تختلف مظاهر الدعاوات فى المجتمعات وتتحد المخابر

