الشعر الحر ، القصة التجريبية الحديثة ، مسرح العبث أو اللا معقول ، أسماء جديدة لأشكال جديدة من التجربة الادبية فى مختلف مجالاتها .
وهى فى الحق ، كلها دلالة على أن تغيرا ثوريا هاما قد لحق بهذه الفنون جميعها بحيث أوجد اختلافا عميقا بين ماعرفته فى مطالع القرن العشرين وما عرفته فى أواسطه . والتفاوت بين الطابع الكلاسكى لكل هذه الاشكال الأدبية وبين مظاهرها الجديدة أمر - فى اعتقادنا - غنى عن البيان . فمما لا يمترى فيه أحد ان هناك فرقا شاسعا بين قصة للدوعاجى مثلا وقصة لعز الدين المدنى ، وبين مسرحية لابسن ومسرحية لبيكت .
والواقع أنه ما من شكل ظهر من هذه الاشكال الادبية الثورية الجديدة ، الا و ثارت حوله زوبعة وخلافات حادة بين ممثلى شتى الاتجاهات الادبية . ونحن مازلنا نذكر معركة الشعر الحر والعمودى ، فقد شغلت - منذ مدة - حيزا كبيرا من اهتمام كتابنا وأدبائنا مما أصاب الحياة الادبية بالدوار .
بيد أنه على أية حال فقد انجلت تلك المعركة وهدأت حدة المهاترات المتبادلة فيها . وساد التعايش الأدبى بين أنصار المقفى من الشعر وانصار الحر .
غير أن هذه المعركة الأدبية الشعرية - ان جازت التسمية - ما عتمت ان اندلعت من جديد غب ظهور هذا النمط الجديد من الشعر (( غير العمودى والحر . )) اذ قامت جماعة ممن يغارون على التفعلية ، وممن لم يقدروا هذه الدعوة حق قدرها ، يزعمون ان اتخاذ هذا الشكل عامل من عوامل تقويض التفعيلة - الوزن - والواقع ان نظرة البعض الى هذا الشكل لم تكن نظرة موضوعية شاملة بل كانت نظرة جانبية ضيقة ان لم نقل عدائية .
و اذا كنا نوافق بعضهم فى أن هذا التشكل عامل من عوامل تقويض التفعيلة - الوزن - الا أن من العنت الحكم على تيار أدبى جديد بالعقم . . .
وغير العمودى والحر ، - فى نظرنا - ليس هو التفريط فى التفعيلة - الوزن - فهذا فى تقديرنا تعبير خارجى شكلى للغاية . انه يتعلق فى حقيقة الأمر بمنهج بناء القصيد نفسه ، طريقة تنمية أفكاره ومشاعره وانفعالاته وحواره .
فالشكل الخارجى لقصيد من الشعر الحر مثلا لا يختلف كثيرا عن الشكل الخارجى لقصيد من غير العمودى والحر من حيث العمود الشعرى الحديث ، ولكن منهج بناء الصور ، وتنمية الافكار والمشاعر يختلف اختلافا عميقا عن منهج القصيد الحر ، ان استخدام اللغة ، طبيعة الالفاظ ، حركة الفكر ، طبيعة الصور التعبيرية ، هذا ما يعبر عن الاختلاف بين قصيد حر وقصيد من غير العمودى والحر . أما التفعيلة والوزن فانهما لا يمثلان جوهر الشكل ، انهما يمثلان مظهرا خارجيا له ، وعنصرا من عناصره ، لا نقلل - قطعا - من قيمته ولكنه ليس هو الفيصل الحاسم فى تحديد الاختلاف بين قصيد من الشعر الحر وقصيد من غير العمودى والحر . قصيدة (( الطاهر الهمامى )) مثلا (( من الوجود والاشياء القديمة )) ( 1 ) أو قصيدة فضيلة الشابى (( الى محمد رائد الثورة الكبرى )) ( 2 ) ليست ميزتهما التخلى عن التفعيلة - الوزن - وانما هو منهج تنمية الصور ، منهج التعبير بالصور ، منهج الوحدة العضوية الحية للقصيدة .
هذا ما أعتقده ، الاختلاف بين الشعر الحر وفى غير العمودى والحر . فى الشكل الشعرى .
أما من حيث المضمون فأمر يحتاج الى تحديد ووضوح كذلك . فالاختلاف بين الشعر الحر مثلا وفى غير العمودى والحر ليس فى الموضوع الشعرى وانما
فى مضمون هذا الموضوع ودلالته . ولو كان بعضهم بحث لوجد فى شعر من ذكرنا آنفا المنشور على صفحات الفكر الغراء وفى الملحق الثقافى الاسبوعى لجريدة العمل . المضمون القومى والانسانى فضلا عن المتعة بالشكل الجديد . واذ يعجز هذا المقال عن حمل ما نريد فلنكتف بمقاطع من قصيدة واحدة لفضيلة الشابى تصور فيها محمدا فى صورة حية ونسج شفاف . تقول :
عيون محمد . . عوالم عمق
سافرت فى الأشياء
تبحث عن أشلاء
أشلاء الانسان
المعلقة فى أنياب الذئاب
فى مشانق الزمان
عنفه . . . كلمه
لم تدفن فى الكتب الصفراء
لم تعرف الاعياء
عنفه دنيا
تتفتح . . . تتفتح
عنفه زهرة تواجه السماء .
وبمثل هذه النفاضات القلمية المصورة ، نقع عل شعر تتمثل فيه ميزات الشعر الحقيقى الفنى ، المجرد من المباشرة والجهارة والرنين
نضع هذا النموذج الشعرى الواحد الذى لا يخضع للشعر العمودى والحر ، مؤكدين ان هذا التيار الجديد تسبح فيه درر متألقة مماثلة له تستأهل كل اكبار .
وفى غير العمودى والحر من حيث المضمون هو الشعر المرتبط بروح الجديد الواقعى ، روح الثورة ، لا بالكلمات ، لا بالتقارير ، لا بالحماس الاجوف وانما بالرؤية الحقيقية ، بالايقاع الصادق ، بالحرارة .
وفى غير العمودى والحر رسالة جديدة ووعى جديد ورؤية جديدة .
هذا هو فى تقديرنا معنى فى غير العمودى والحر سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون . وفى هذا فليتنافس المتنافسون .
وأملنا أخيرا أن يسود التعايش الادبى ، خدمة للفن وامكان التجاوب تجاوبا سليما مع تجارب العصر ، وحقائق الحياة الجديدة .

