الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

كلمة بيانية ثالثة في (( غير العموي والحر )) ( 1 )

Share

14 - لا تظن أن الخروج عما عهدت من موسيقى الشعر العربى ولغته وبنائه عمل اعتباطى عن لنا فجأة ، فكرة عارضة ولدت هكذا من عدم ، فدلكة . وإنما هو تمخض حتمى لعدة مراحل مرت بها القصيدة العربية قبل أن تنتهى إلينا ، ولعدة إرهاصات وترقبات عاشت فى الضمائر طويلا .

15 - مما جاء فى كلمتى البيانية السابقة أن (( اللغة والوجود ملتحمان . . .)) . ألا ترى أن قمة الخلق الشعرى جماع بين لغة الشاعر ووجوده ، إخضاع لها ، درجة من الاحساس بها تجعله ينفذ الى مغلقاتها ، يفتضها , يحملها . يحبلها . يشكل منها البناء الذى يشاء !

16 - لقد سقط مفهوم الشعر والشاعر فى هذه البلاد سقوطا شنيعا . وعلى أنقاضه نحاول البناء .

17 - قراؤنا ثلاثة : قارئ له من الثقافة والاستعداد ما يجعله ينسجم معنا لأول وهلة . وقارئ له من الثقافة ما يبعده عنا ومن الاستعداد ما يقربه الينا . فهو بذلك قابل للتفهم والانسجام . وقارئ يرفضنا رفضا مسبقا . يعرض عن تفهمنا إعراضا . وقد اعترف لى كثير من القراء انهم لا يتذوقون هذه الأشعار إلا عند سماعها من أصحابها . مسألة تعود إذن . إذ أنهم اعتادوا أنغاما وتعابير وأبنية تدربوا على سماعها ومشاهدتها القرون الطويلة ، ودريتهم على الأحكام المسبقة .

18 - نحن أمة تأصل فيها الركون الى التقليد ، تقيس يومها بأمسها ، وتمشى باشارة من غيرها ، وتحتقر مبتكرات أبنائها .

(( على المحاولين الهدم والهدم والهدم ، إثارة الفضيحة والغضب والحقد وقد يتعرضون للاغتيال ، لكنهم يكونون قد لفظوا حقيقتهم على هذه القوافل . . . أول الواجبات التدمير . الخلق الشعرى الصافى سيتعطل أمره فى هذا الجو العاصف . لكن لا بد . . . )) ( أنسى الحاج - من شعراء مجلة (( شعر )) اللبنانية ) .

20 - لكن عملنا ليس عمل مقاومة وهدم . إنما هو عمل إضافة . إذ يقدر ما نعترف بقيمة تراثنا ونعتز به بقدر ما يحز فى نفوسنا أن نكتفى به ونقف عنده .

ومع ذلك فقد نقف بعض المواقف التطهيرية . فنقول مثلا بوجوب المراجعة ، لازالة الحشو والتكرار . إذ التاريخ - الحركة التصاعدية المستمرة - لا يعيد نفسه فى مجال الادب والفن إلا لدى القاصرين عن الخلق . وما دواوين الشعر العمودى والحر اليوم فى سنة 1970 ، بل وما ثلثا المكتبة العربية إلا من قبيل التاريخ يعيد نفسه .

21 - (( إنها دائما حالة القلق والبحث والتنقيب . . . )) ( توفيق الحكيم ) .

22 - الحرية فى الفن ليست منحة . . . إنها كارثة . . . إن الذى يعيش داخل الفن التقليدى . . . ضامن النتيجة الطيبة . . . لكن الحرية فى الخروج الى العراء . . . إنها خطوة غير مأمونة ، وعليك تحمل نتائجها )) .

23 - لهذا النمط من الشعر مقومات موسيقية أهمها فى رأيى لحد الآن : - الطاقة الصوتية الكامنة فى اللغة نفسها . - الطاقة الصوتية الذائعة فى هذا العصر . ما تسمعه وأنت واقف فى قلب (( باب البحر )) بالعاصمة ، أو هابط فى نهج القصبة ، أو عندما تكون فى مزرعة أو غاب ، أو فى القطار وأنت راجع الى منزلك . . . - الاصوات الكامنة فى ذات الشاعر . أنغامه الداخلية .

24 - ولا يذهبن بك الظن الى أن المسألة تنحصر فى مجرد الخروج عن (( الوزن )) إذن مسألة شكلية . جزئية . كلا . فما دام الشعر العربى يخضع لما عهدت من أوزانه فلن يحدث فيه جديد لا فى مستوى العبارة ولا الصورة ولا المعنى ، باعتبار أن كل وزن من تلك الاوزان يجر وراءه هياكل ( Structures ) أكثر من 14 قرنا . وكلما أردت أنت الشاعر الكتابة على وزن منها أزدحمت فى خاطرك - وانت الانسان العربى - وتسربت من لا وعيك هذه ال 14 قرنا ، وفرضت عليك نفسها بحق وصايتها على ذلك الوزن . فلنخلق إذن أشياءنا بأيدينا ولنمارس حرية الخلق ومتاعبها . وحينئذ فقط ، ينتهى تاريخ الحشو والتكرار ، وتتدحرج زوائد الكلمة بدون رجعة .

اشترك في نشرتنا البريدية