الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

كلمة حول كتاب ، ------------، حصاد العيد

Share

حين قدم الى ، الكاتب الرائد المفكر الصديق عبد القدوس الانصاري مؤلفه الأدبي الجديد " حصاد العيد " كان اول طيف جميل من اطياف الأدب الخالد ، اوما لي وابتسم وهتف ، بيت امير الشعراء :

حسن فى اوانه كل شئ

      وجمال القريض بعد اوانه

هتف : انا هنا في شعر الكاظمي..! وهذا حق فان الشعر الفني ، جماله خالد ، في اوانه وبعد اوانه . .

ها هو شعر الكاظمي وافانا ، يختال اختيال  الغادة الحسناء  اللعوب ، في رفارف الخلد النضرة ، وهواة الأدب وشداته حولها نشاوى مستغرقين يعبون من فجر اشعاعها وسلاف حلاوتها ما طاب من متعها الرائعة الخالدة . .

ويزيد جمالها روعة على روعة سحر اللمحات الساحقة من عينيها الدافقتين امواجا مكهربة خاطفة للقلوب والالباب . .

ورأيتني - وقد خطفني عن احاسيس المادة الصماء - بيان هذا الحصاد المتسلسل

من ينبوعية الغزيرين شعر الكاظمي ونثر الانصارى

وأحسست كأني استويت به منطادا دقيق الصنعة رائعا ، وبديع الفن صافيا أذرعه طولا وعرضا . .

وأطل من نوافذ الفاظه ، الى عوالم مزدهرة وهاجة . من النظم والنثر ، تمور فيها الاطياف السارحة البارحة .

حيث تبتعد وتقترب افنان الخمائل الباسقة المائدة . .

وحيث تلتقى وتفترق ، وتعلو وتصطف أسراب الطيور الصادحة ، ذات الالوان والاشكال . .

وحيث تبدو وتختفى شتى المناظر الملونة هنا وهناك .

وهكذا الشعر الفني الرفيع الخالد الوان والوان من الجمال والابداع والسحر وراء الالفاظ والمعاني . .

١ - فمنه المعتق الفواح المسكر على تداول الحقب . .

٢ - ومنه الطريف المحلق بين مطالع النجوم والضارب بقواربه في لجج الداماء بين المد والجزر بمجدافي الهوى والشباب .

٣ - ومنه الوطني الحساس المتفجر بالحنين والذكريات ، ومرابع الصبا ، الخافقة بالظلال النابضة بأفراح القلب ، والمنتشية بأغاريد العواطف .

٤ - ومنه الحر الابي المناضل دون الامجاد والمعبر عن اصالة العربى ، وكبير طموحه السباق . .

٥ - ومنه المتنزي آلاما ، والعاتب على نكس الخلان ، وترادف الحرمان . .

٦ - ومنه الناعت القصور الشماء

والحدائق الغناء ، والروابي الخضراء وشواطئ البحار ، ومفاتن الليل والنهار ، والمحلق في الاجواء . والغازي البروج والافلاك . .

٧- ومنه القاص حوادث الاجيال ، واخلاق الناس ، ومسارب مداخلهم ومخارجهم وتبادلهم اسباب الوداد والجفاء ، ومناسبات الافراح والاتراح . في الرواية والملحمة والتمثيل . . .

هذه عيون الفنون الشعرية التى فاضت بها مواعب شعرائنا المحدثين الى جانب الاختصاص والامتياز . .

وفي شرطة القمة مكان شاعر العرب الكبير ، وشلال شاعريته غامر ويأم - بضم الياء وفتح الهمزة بعدها ميم مشددة مضمومة - ويروى على ظمأ وظما . .

وهذا عين ما كان منا ، ونحن فى بدء دراسة أدبنا العربى العالى ، فقد كنا ننتهز كل فرصة فراغ .

فنجمع وجهتنا إلى المنزل الكريم منزل الكاظمى فى مصر الجديدة ، لنعب الشعر العربى الصحيح من مصدره الدافق الهدار ، على حرقة من الاوام . .

وكم ازدهتنا قوافيه الرائعة ، وتفوق اسلوبه العذب السلسل

وكم فتنتنا أحلام متعه الزاهية الخافقة ، وراعتنا اعراس قوافيه الراقصة الشادية . .

وما أعظم ما ادخر الله من حسنات  لكاتبنا الانصارى ، حيث قرب لناشئتنا العربية ما بعد عن السنتهم وقلوبهم من بيان هذا الشاعر العلم الفذ الذي يصدق عليه بحق ما قاله امير الشعراء .

رب سامي البيان نبه شانى

          انا اسمو الى نباهة شانه

كان بالسبق والميادين اولى

لو جرى الحظ في سواء عنانه

وماذا  أقول فى نثر كاتبنا وهو السهل الممتع القريب المألوف ؛

وما أذكر اني هممت في يوم ان افسر منه مغلقا ، أو أكشف مبهما ، مما يمتعنا به من علم وأدب ، فبيانه كالجام من البلور الصافى يشف عما يحويه ويدل عليه ،

وكلما حاولت ان اتناول فصلا من مؤلفاته ، بالتوضيح ، الفيته قد كفانى ذلك ، بما وضح هو وابان . .

واولى بنا إذا آثرنا الافادة لشبابنا ، ان نهيب بهم ان يلتمسوا ذلك بأنفسهم ، فما دونه من غموض ولا ابهام . .

وادباؤنا المواطنون . . يعلمون ذلك مما يكتبه كل يوم ، ولا يرون اسرافا فيما قلت ، معاذ الله ! اني يكون الاسراف ؟ ! ودلائل الابانة قائمة باسطع ما يكون النور . .

واليك كشاهد مما كتب حول شعر الكاظمي فى حنينه الى وطنه . .

يقول الكاظمي :

هل الدار بعدى كعهدى بها

يباكرها العارض المغدق ؟

ام البين اسلمها للبلي ؟

وعاث بها الذئب والخرنق ؟

احباى هل كف شيق

يناشده الكلف الشيق ؟

وان خفق البدر ينحو الحمى

نزت كبدى نحوكم تخفق

على حرق اضلعي تلتوى

ومن علق ادمعي تدفق

متى تنجلى طبقات الكرو

ب وينجاب سدف العنا المطبق

ومما رمانى بكسر الجفو

ن ولم يخطني سهمه الافوق

فتاة ترجرج فى زورق

جرى بدموعي بها الزورق

ويقول المؤلف تعليقا على هذه الابيات :

" فانت ترى من الابيات المتقدمة روح الشاعر الرفافة ، تحوم من بعيد حول وطنه الاول ، ويتذكر ايام شبابه فيه ، وتلك الفتاة التى فتنته ، وهي في زورق من زوارق دجلة يترجرج بها ، وتترجرج فيه ، فى نعومتها وجمالها والقها الجذاب . .

وكانت اهتزازات الزورق بفعل امواج النهر الدفاق . وهذا النهر الدفاق المترجرج مكون من ذرات دموع الشاعر فامواجه من امواجها .

هذا تصوير شعري بديع ، وخيال خصب مطيع .

وان ننسى لا ننسى قوله :

" وعاث بها الذئب والخرنق "

فالخرنق هو الارنب . وهو بهذا يكشف عن نظراته وعبراته . وهو غريب عن دياره العزيزة عليه ، والأثيرة لديه " .

وأقول :

ان في نسبة الافساد الى الارنب ، بجانب الذئب المفسد بطبعه تأكيدا فى شمول الفساد ، وحصوله حتى من الذى لا فساد له من طبعه ، وفساده على وزنه . .

وذكر الكاتب من قصائد الذكريات هذه الابيات :

ولقد حسبت احبتي

فوجدتهم كثروا وقلوا

وذكرتهم في حين قد

       نسي الوداد اخ وخل

والليل شاب قذاله

     والفجر في الحجرات طفل

تجرى الدموع على الصهيل

وما لخيل الدمع صهل

وهذه القصيدة من قصائد الذكريات العميقة الى الوطن الاول ، للشاعر : " بغداد " عاصمة العراق . ودليلنا على ذلك قوله فيها قبل الابيات المتقدمة :

قالوا : سلا اوطانه

واخو الصبابة ليس يسلو

وقوله فى ختامها :

      ذكراك يا وطن الصبا

ذكراى ارحل ام احل

راق ام اصل

ويعلق الكاتب على ما استشهد به من شعر الكاظمى بهذه الكلمة الجامعة التى تجعلك تنظر الى شعره من واقعه ، كما لو كنت تنظر الى ذاته فى صورة . .

" وظاهرة الانسجام والسهولة والامتناع واضحة فى ابيات الكاظمي السابقة . .

وهي سهولة محببة يمتاز بها عن سواه من شعراء عصره كل الامتياز . .

لقد بلغ فيها الذروة ، وفاق البهاء زهيرا ، ولم يصل الى مستواه فيها ، لا محمد حافظ ابراهيم ، ولا خليل مطران ، ولا الاخطل الصغير ايضا . .

ان شعره فى الاغلب الاعم - خال - على وضوحه وجزالته - من التعقيد ، فهو كالماء الزلال النمير ، يكشف لك عما فى باطنه بكل جلاء ، أو كالزجاج الشفيف النظيف

يريك ما وراءه من داخل نفسه بكل وضوح ، ومع ان ابا العتاهية من الشعراء القدمي الممتازين بهذه السهولة فانه لم يصل فيها الى مستوى الكاظمي . والسبب في ذلك ان الكاظمي جمع الى السهولة السهلة ، الجزالة الجزلة ، وطول النفس فلم يرك شعره مطلقا .

وفي شعر ابي العتاهية بعض الاحيان ، شئ من الركاكة . . ولم يكن طويل النفس كالكاظمي وكلاهما عراقي ، ومن اجمل قوله فى هذه القصيدة واسهله واجز له :

يا عين طلك وابل

أبدا ووبل سواك طل

وهذا الذى ذكرت من شعر الكاظمي ، ونثر الانصارى . أشعل فى أضلعى الحنين الى الوطن الغالي ، وأمجاده الغابرة التى يفاخر بها ، وينافس الامجاد . .

ناهيك باستهلال امانينا الحسان فى طلائع نهضته الحديثة التى تحيط بها البشائر ، ويرفع اعلامها أبطاله الخالدون الذين تمجدهم اعمالهم العظيمة ويباركهم كبير اخلاصهم وسامى تضحياتهم

والذى أحشد له نفسى ، بين يدى هذه المآثر العلمية والادبية التى يشيدها فى وطننا الغالي ، كاتبنا الرائد الفذ باخلاصه وسهره وجهاده . . هو الشكر والتقدير والاعتراف بالجميل

وهذا كل ما يملكه العلم ، حين تحفزه حوافز الوفاء ، والمروءة والانسانية . . لايفاء العاملين المخلصين بعض ما يستحقون . .

اشترك في نشرتنا البريدية