ابدأ هذه الكلمة بتحية خالصة اقدمها الى حضراتكم وامل صادق أعبر فيه عن قلب كان وما يزال يؤمن بان الحضارة الانسانية السمحة ولدت فى افريقيا وآسيا وستزدهر من جديد فيهما عظيمة سمحة كما كانت وسيكون لها الفضل فى اشراق عهد جديد على البشر اساسه التعاون بين الشعوب من اجل خير الانسانية بتحقيق العدالة الشاملة وسيادة السلام فى العالم
لقد خاضت شعوبنا الآسيوية الافريقية تجارب لا حصر لها فى فترة حكم الاجنبى المستعمر ، وعلمتها الالام التى تحملتها ، والدموع التى ذرفتها ، ان تهب للجهاد فى سبيل استرداد حريتها وكرامتها . وكان المفكرون والكتاب فى الاجيال المتعاقبة هم القلوب التى تنبض بمشاعر الشعوب وتعبر عن آلامها وترسم آمالها ومثلها التى تطمح الى تحقيقها . فنحن اليوم نجتمع فى هذا المؤتمر ممثلين لشعوبنا لننطق بما تنطوى عليه مشاعرها ونبرز ما فى ضمائرها من اجل حياة جديدة افضل واسعد لا لانفسنا فحسب بل لشعوب العالم جميعا .
ان الجراح والدماء التى ضعفت بها شعوبنا وهى تخوض معركتها الكبرى فى سبيل الحرية علمتها ان هناك حقيقة كبرى وهى ان الحياة منحة قدسية ومن الكفر بقدسيتها ان تتعرض لذلك السيطرة التى تسلبها اكبر ميزة وهى الحرية .
وشعوب افريقيا وآسيا هم الكثرة الكبرى من البشر ويشغلون الجانب الاكبر من مساحة هذه الارض . وفى يد هذه الشعوب كنوز من الخيرات التى تعود على العالم كله بالرفاهية ، ونتيجة هذه الحقائق كلها ان نصيب شعوبنا من الاهتمام بمستقبل الانسانية هو النصيب الاوفر وان حظ شعوبنا من الجهاد فى سبيل تحقيق العدالة والسلام فى الارض هو الحظ الاوفى
فنحن حين نتبادل الاراء فى المسائل الجوهرية التى تمس حياتنا الحاضر والمستقبلة وحين نعرض لدور الكتاب فى كفاح الشعوب الاسيوية والافريقية ضد الاستعمار والعمل من اجل السلام ، ولا نبنى اراءنا على اعتبارات موسومة بالانانية بل نقوم بدورنا فى معالجة مشكلات عامة تتصل بمصالح البشر
جميعا . ان السلام احب شىء الى الشعوب الافريقية الاسيوية وتحقيق السلام من اكبر امانيها كى تتمكن من بناء حياتها الجديدة فى ظلاله . والطريق الى السلام واضح امام كل مفكر عادل يريد ان يتحرى الحقيقة . ان المفكر الحر العادل حين يواجه احوال العالم الحاضرة لا يسعه الا ان يرى الاخطار الشديدة التى تهدد حياة الشعوب جميعا ولا يملك الا ان يعترف بان هذه الاخطار ترجع الى سبب واحد وهو اندفاع الدول المستعمرة وراء غرائز الانانية والجشع التى تمكنت فيها على مدى قرون منذ بدأ عهد الاستعمار البشع . فمن اراد السلام حقا كان عليه ان يقضى على منبع الاخطار التى تهدده - من اراد السلام كان عليه ان يعمل للقضاء اولا على الاستعمار وفكرة الاستعمار ودافع الانانية الاستعمارية لقد اتجهت دول الاستعمار نحو افريقيا وآسيا منذ اواخر القرن الخامس عشر ، وتمكنت من بسط سيطرتها على اقاليم شاسعة استولت على خيراتها وحرمت منها اهلها ، واستطاعت ان تقيم لانفسها حضارة مادية كبرى وان تضاعف من قواها وتسخر اهل البلاد التى استولت عليها فى تحقيق مجدها مع حرمانهم من خيرات بلادهم التى هى من حقهم . ولا حاجة بنا الى الاطالة فى الحديث عما جرته المصادمة بين الاستعمار وبين شعوبنا الطيبة التى غضبت لكرامتها وثارت ضد المعتدين عليها - فقد كان كفاح شعوبنا فى وجه قوى جبارة بناها المستعمر من دمائها وخيرات بلادها .
على ان دول الاستعمار لم تحمل فى الحقيقة على خير من كل سيطرتها والخيرات التى استولت عليها وسلبتها من اهلها .
لقد اتخم الاستعمار من غداء وبيل مثل وحش اتخم فصار يبدو فى الاعين هيكلا ضخما وهو فى الحقيقة ضحية لداء خطير يفتك بباطنه وكان ذلك الداء الخطير هو داء الاعتداء والتنافس على السيطرة ، واثارة الحروب المتلاحقة من اجل بسط السيادة والاستئثار بالنفوذ فى ارجاء العالم
وانتهى الامر بان اصبح الاستعمار مصدر خوف مستمر للدول الاستعمارية نفسها ومصدر رعب لشعوبها كما صار مبعث اخطار جسيمة تهدد سلام شعوب العالم كلها . فاذا كان العالم يريد السلام حقا ، واذا كنا نحن الشعوب التى قاست ما قاست من الاستعمار نتجرد لابعاد هذه الاخطار فلا وسيلة لنا جميعا الا بان نقضى قضاء تاما على سموم الاستعمار اننا حين نتحدث عن دورنا فى كفاح الشعوب والعمل من اجل السلام لا
نستطيع ان ننسى انه الى جانب واجبنا فى حماية حرياتنا والى جانب واجبنا فى رسم المثل العليا لحياتنا الحرة الجديدة لا يمكن ان نحلم بالسلام الحقيقى الا اذا قمنا بدور الطبيب صاحب الضمير الحي حيال المريض العنيد الذى يرفض تناول الدواء الشافى بمحض ارادته . فالدول الاستعمارية لا يبدو انها فطنت الى الآن - برغم كل الاخطار التى تبدو على الافق العالمى - لا يبدو انها فطنت الى ان الاستعمار هو داؤها الوبيل . فنحن مطالبون بان نقوم بدور الطبيب الذى يحمل المريض على ان يتخلص من مرضه برغم عناده . بل اننا ملزمون اكثر من هذا بان نقوم بدور الطبيب الذى يرى المريض مصابا بنوبات من العنف تهدد من حوله بالاعتداء والشرور . فهو فى هذه الحالة مطالب بان يبذل ما فى وسعة من قوة لمنع ذلك المريض العنيف من الاعتداء
انه لن يكون لنا سلام الا اذا عدل الاستعمار عن اتجاهه مع انانيته وجشعه لن يكون لنا سلام ما دام الاستعمار قائما فى ركن من الارض وما دام باقيا فى اية صورة من صور الاستغلال والسيطرة وتحت اى مظهر من المظاهر او تحت اى اسم من الاسماء . وعلينا ان نحشد كل قوانا النفسية والمادية للقضاء عليه والعودة بالانسانية الى الطريق الذى يكفل لها تحقيق السلام ويتيح لها ان تتوفر على رسم حياتها المستقبلة واقامتها على اساس المحبة والتعاون والعدالة لمصلحة الشعوب جميعا .
والجهود الجبارة التى يقتضيها منا اداء هذا الواجب الضخم فى مواجهة هذه المشكلة تحملنا على ان نبذل كل جهد ممكن للتعاون فيما بيننا لاننا شركاء فى معركة السلام - علينا ان نتعارف فيعرف كل منا ما يدور فى نفس شركائه وزملائه فى المعركة ، وان يطلع على نبضات قلبه وصور احلامه وهنا ياتى دور الادباء والمفكرين فى نقل ما عند بعض شعوبنا الى البعض الآخر ان المعانى هى القوى التى تجمع الصفوف وتؤمن وحدتها . وقد كان اول ما يسعى الاستعمار لتحقيقه هو تحطيم الصفوف وتشتيت القلوب بالمعانى المزيفة التى يستخدمها لايقاع الفرقة بينها . فكل شعب من شعوبنا فى حاجة الى الاطلاع على ما فى اعمال ضمائر الشعوب التى تشاركه فى الجهاد لتحقيق غاية واحدة كى يسير الجميع كتفا الى كتف من اجل خلاص البشرية مما يهددها من الكوارث والعمل معا على تصوير حياة انسانية اسعد فى ظلال السلام والعدالة والتعاون المتجرد من كل عناصر الانانية

