الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

كلمة عن التربية

Share

لا أشد من الازمة التى يعيشها شبابنا اليوم . . . قبل أن نحكم له أو عليه ينبغي أن نحاسب أنفسنا حسابا قاسيا .

ماذا عسانا قدمنا له - نحن المدرسين والآباء - من غذاء فكرى يجعله ابن زمانه ونتاج تربته فيضمن لشخصيته " المعاصرة والاصالة " معا ؟ !

المدرسة تأبى أن تتحمل مسؤولية التربية كاملة ولا تعدو أن تكون معرض معلومات وأفكار تنزلق على سطح عقل التلميذ ولا تنغرز فى أعصابه فتلتحم بضميره وتستحيل مادة حية ، جزءا من الكيان ، لقاحا خصبا تظهر آثاره فى كل من التفكير والذوق والسلوك .

والآباء آمالهم منوطة بالمدرسة قد فوضوا أمرهم اليها ينتظرون منها المعجزات . انها الحلقة المفرغة هذا يعول على ذاك وكلاهما يتجنى على الآخر ويحمله تبعة النقص والانحراف فلا عجب اذن أن يفضى هذا التواكل الى فادح الافلاس .

دع ذا ، ولنتساءل عن مدى جهود مدرس اللغة والآداب العربية وقد حمل وحده الوقوف بواجهة القومية والذود عن شخصيتنا العربية ؟ ! انها العزلة والتفاوت الفاحش فى العدد والعدة !

وهل بوسعه ، بما له من أدوات عمل ناقصة أن ينافس زميله الفرنسى ، وان وفق بذكائه واجتهاده الى ابراز مواطن القوة والجمال فى ادبنا القديم واشعارهم بعبقريته الحق ؟

حقيقة مرة لا ريب فيها يجب أن تقال هي أن تلامذتنا يتجاوبون مع برامج الادب الفرنسى تجاوبا عميقا لا مثيل له فى حصص العربية . وذلك لسبب بسيط جدا وهو ان هذا الادب القديم - على عظمته وطرافته - لم يعد يغنى - وحده (1)  - من جوع .

انه بعيد عن متطلبات مجتمعنا العصرى الثائر النزاع الى التطور دوما ،

المصطدم كل يوم بمشاكل حيوية لا عهد للقدماء بها وهي تقتضى المواجهة والحل بلا تردد ولا امهال . ثم ان لنا حاجات ومقاييس فنية جديدة لا يمكن أن نتناساها أو ننزل عنها .

انه النشاز ان لم نقل القطيعة بين شبابنا وبين ما يقدم له من نصوص عربية أكل الدهر - على حد قولهم - عليها وشرب . فكيف للجاحظ والمعرى والمتننبى أن يثبتوا أمام أفواج كتاب وشعراء فرنسا والغرب كله فى القرون الاربعة الاخيرة ؟ !

من هنا تسربت " الفرنجة " ودبت دبيبها فى عقول وأذواق ناشئتنا فاذا بهم يتفتحون لتيارات الغرب دون احتراس او تحفظ ويتهافتون على كل آرائه وعاداته ونزواته قد اتخذوه انموذجهم الامثل يبلون البلاء الحسن فى تقليده .

وبديهى أن يؤول هذا الغزو الى المسخ والذبذبة والتنكر والاستئصال .

لقد تحررنا سياسيا وبقى ، على ذلك ، الاستعمار الثقافى متمكنا منا منشبا أظفاره فينا . والغريب المدهش أننا عشنا على هذا الوضع العقيم عشرات السنين وظفرنا باستقلالنا وقبضنا على مقاليد أمورنا ومع ذلك لم نقدر فداحة الخطر ولم نتفطن الى عظم الكارثة وظلمة المصير الا منذ أيام .

لقد كان فى جهازنا التربوى فراغ مهول ملأه الاجنبى الدخيل .

فلا بدع أن يتمرد شبابنا اليوم الى حد الاستهانة أحيانا - بجميع قيمنا حتى الصحيحة الباقية منها وأن يتخذنا هزؤا وقد افتقد فينا الكفاءة والقدوة الصالحة

اشترك في نشرتنا البريدية