ننشر فيما يلى الخطاب النفيس الرائع الذي تضمن فيما تضمن الشىء الوفير من العلم والحكمة ، وقد القاه الاستاذ السيد احمد العربى مدير مدرستى المعهد العلمى السعودي ، وتحضير البعثات باسم مديرية المعارف العامة فى الحفل الرائع الذي اقامه طلبة مدرسة تحضير البعثات تكريما منهم للبعثتين : العراقية والمصرية وقد قوبل هذا الخطاب بما يستحقه من أعجاب وترطع بالاستحسان مرارا فى ذلك الحفل العلمي البهيج : -
أيها السادة - أيها الأخوان الكرام : ليبهجنى ويبهج رجال المعارف والتعليم فى هذه البلاد - أن تؤم الطبقة المستنيرة من ابناء الاقطار الشقيقة - منازل الوحى ومعاهد النور الذي سطع على ارجاء المعمورة فاخرج الناس من ظلمات الوحشية والاستعباد الى حياة الحرية والرشاد ، ويسرنا ان تتوالي هذه الوفود والبعثات فى كل موسم وفي كل عام ليجني العرب والمسلمون من وراء ذلك الخير العميم وليوحدوا جهودهم ومساعيهم لبلوغ الاهداف السامية التى ينشدونها .
أيها السادة - لقد كان الحاج يبلغ في بعض السنوات الخالية مئات الآلاف ولكن هذا العدد - الضخم لم يكن يتعارف منه الا النزر اليسير وقلما كل هذا التعارف يعود على الصالح العام باثر يذكر وما ذاك الا لقلة عدد المتنورين
منهم الذين يفهمون مقاصد الحج فهما صحيحا ويسعون الى تحقيقها سعيا حثيثا اما اليوم وقد أخذ يزداد عدد الوافدين على هذا البلد الأمين من العلماء المتنورين والأدباء النابهين والشبان المثقفين وطفقت هذه الوفود تنشد مثل الحج العليا على ضوء الايمان والمعرفة وتفتح عيون الحجيج على اسرار الحج السامية وتقودهم الى ما فيه جمع الكلمة وتوحيد الصفوف
أما اليوم وقد أسعدنا الحظ بذلك فما اجدرنا أن تغتبط كثيرا ونتفاءل بمستقبل عظيم للعرب والمسلمين ، وما احرانا ان ننوه بهذا العهد الجديد وان نشيد بفضل الثقافة والعلم فيه .
أيها الأخوان - ان الوشائج التى وشجت بين عواطفنا وقلوبنا والروابط التى الفت بين مطامحنا واهدافنا لهى فى غنى عن البيان والتصوير وحسبى أن اتمثل هنا بقول القائل :
فنحن فى الشرق والفصحى بمورحم ونحن فى الدين والأوطان اخوان
غير ان هناك رابطة هي اخص من هذه الروابط ولعلها هي التى كان لها معظم الفضل فى هذا الاجتماع تلك هى رابطة العلم والثقافة ، رابطة النور الذى استضاءت به هذه العقول فتجاذبت وتقاربت وتآخت على هديه وسناه هذه الرابطة أيها السادة هي التى اردت أن اتحدث عنها قليلا فى موقفي هذا :
ولقد بدأت هذه الروابط بيننا معاشر العرب والمسلمين - منذ بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه - عليا ومعاذا الى اليمن وعمر بن حزم الخزاعى الى نجران وابا عبيدة بن الجراح إلى الشام ، يعلمون الناس الشريعة ويفقهونهم فى الدين . ومنذ بعث عمر رضي عنه معاذا وعبادة وابا الدرداء الى الشام ، وعبدالله بن مسعود وابا موسى الاشعري وعمران بن الحصين الى العراق وعبدالله بن عمرو بن العاص وقيس بن ابي العاص السهمي وحيان بن ابي جبلة
الى مصر يفقهون الناس ويعلمونهم أمور دينهم ومنذ طفق على وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر وعروة بن الزبير وعبدالله ابن عباس وانس بن مالك وعائشة أم المؤمنين - وغيرهم من علماء الصحابة ينشرون العلم في المدن والامصار الاسلامية ويذيعونه بين مختلف الطبقات .
ولقد استمرت هذه الصلة الثقافية وازدهرت هذه الحركة العلمية على ايدى من تخرج على هؤلاء الصحابة الاجلاء من التابعين وتابعيهم كسعيد بن المسيب والحسن البصري ومجاهد و وعطاء بن ابي رباح وابن شهاب الزهري والشعبى وأبى حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل والأوزاعى والليث بن سعد وغير هؤلاء من اعلام الحركة العلمية فى صدر الاسلام . ثم امتد هذا النور شرقا وغربا وبسط شعاعه الوهاج على اكثر اجزاء المعمورة ، حينما كانت دمشق مصدر العظمة ، والسيادة ورجالها الصناديد ابطال الزعامة والقيادة وعندما كانت بغداد مهد الثقافة والمدنية وابناؤها الناهضون اساتذة العالم وهداة الانسانية . ويوم ان حملت قرطبة واخواتها مشاعل العلم والحضارة تنير بها عقول الحياري وتهدى بها المدلجين فى ظلمات التوحش والجهالة وحينما تلقت مصر هذه الرسالة فاضطلعت باعبائها خير اضطلاع وادتها احسن الاداء . ولكن هذا النور التى عم ارجاء العالم ويا للاسف اخذ يتقلص رويدا رويدا عن الارض التى تنفس فيها صبحه وتألق ضياؤه وان بقى يضيئ اطراف العالم بضعة قرون اجيال الى ان عصفت به عواصف الفتن والاضطراب فتضاءلت تلك الشعلة وكاد يخبو سناها
لولا ان قيض الله لها من مصر معقلا لاذت به من هول تلك العواصف واستطاعت في كنفه ان تحتفظ بذمائها وان تومض بين القينة والقينة وميضا يصدع ظلمات الجهل المخيم على تلك العصور - على أن مصر حافظت على هذه الامانة ورعتها اكرم رعاية ولم تلبث ان طاف بها طائف من الركرد وهبت عليها
سنة من النوم فقد كانت فى طليعة المستيقظين ولم تلبث ان هبت من غفوتها ونهضت نهضتها الحديثة . فاذ هي تتقدم الشرق وفي يمينها مشعل العلم والمعرفة وإذا هى تصبح بحق مطمح انظار وفوده وطلابه وإذا البعوث تهوى اليها من كل قطر من اقطاره تقبس من علومها ومعارفها ما ينير عقول الطالبين ويهديهم سبيل النهوض القويم وإلى الشام والعراق يباريانها فى هذا المضمار ويخطوان فى هذه السبيل خطوات جبارة موفقة قمينه بالأعجاب والاكبار وإذ بعوث هذه الافكار الناهضة ترتاد عواصم البلاد العربية توشج بينها وشائج التعارف والتعاون وتغذى وحدة الثقافة ، والفكر وان هذه الوحدة لهى الاساس الصحيح لما ننشده جميعا من حياة فاضلة ومستقبل سعيد . وان اليوم الذي تتحد فيه ثقافة الشرق العربى لهو اليوم الذي تصل فيه الامة العربية الى ما تصبو اليه من اهداف وأمان غالية .
وانا لنرى هذا اليوم قريبا بحول الله ثم بفضل الجهود الموفقة التى يبذلها أولو الأمر ورجال التربية والتعليم فى الشرق العربي لتوحيد الثقافة فى هذه الاقطار وتوجيهها نحو المثل العليا المنشودة ولئن تخلف الحجاز فيما سلف عن بعض أقرانه فى هذا الميدان فان الجهود التى تبذلها حكومتنا السنية فى هذا العهد المعيد تحت رعاية جلالة الملك المصلح عبد العزيز آل السعود أدام الله عزه وتأييده ووفق رجاله المخلصين . هذه الجهود الماثلة فيما تبعثه من بعوث إلى الأقطار العربية وبعض البلاد الاوروبية ، وفيما اشادته من معاهد ومدارس فى المدن والقرى والأطراف ، وفيا ادخلته وتدخله على مناهج التعليم واساليب التربية من اصلاح وتجديد ، هذه الجهود المباركة مضافا اليها المساعدة الادبية التى تقدمها لاقطار العربية الشقيقة وفي مقدمتها مصر - كفيلة ان شاء الله بابلاغ هذه البلاد المستوى الذي تضاهى فيه الامم الراقية وتسير معها جنبا إلى
جنب فى جلبة هذا السباق وحينئذ يحق لأبنائها ان يرددوا قول شاعرنا
ان تبتدر غاية لمكرمة تلق السوابق منا والمصلينا
وليس يهلك منا سيد أبدا إلا افتلينا غلاما سيدا قينا
وأخيرا وقبل ان اختم كلمتى هذه يدعوني واجب الوفاء وعرفان الجميل الى الاشادة فى هذا الموقف بما لمصر من منة على نهضتنا العلمية الحديثة بما انتدبته من اساتذة كفاة مخلصين قاموا بواجبهم فى تثقيف ابناء هذه البلاد خير قيام ومما بذلته لبعثاتنا من صنوف العطف والمساعدة .
وإن انس قلا انس الايادى التى اسدتها الينا مصر الكريمة والعهود التى قضيتها فى معاهدها الزاهرة وانه ليلذ لى ان اتمثل كلما ذكرت مصر بقول الاستاذ خلف الله احد أبناء دار العلوم البرره :
لئن كنت قد ازمعت عنك لرحلة فعهدك مرعى وذكراك مائل
اتبع الذى استودعتنى من مفاخر وانشر ما ترضى العلا والفضائل
مكة - احمد العربى

