" اعتاد الفلسطينيون دون غيرهم ان يقيموا الحفلات الساهرة على شرف اخوانهم الذين يذهبون فى اجازاتهم وكثيرا ما تتخلل هذه الحفلات الاغاني الشعبية ويوزع فيها المرطبات والحلوى واحيانا تلقي كلمات الثناء والتشجيع والتوديع ، وهنا نسجل هذه الكلمة التى القاها الاستاذ خليل النعمة على جمع من اخوانه الذين جاءوا يودعونه قبل سفره "
اخوانى : لطالما انتظرت هذه الساعة بفارغ الصبر لاحظي بجمعكم الكريم أصدقا ، أوفياء وخلانا أصفياء . . لأببادلكم شعور الصداقة الاكيدة والمودة الوطيدة والمحبة السامية التى أرجو ان تتوثق عراها على ممر الايام والاعوام وانه ليطيب لى وقد قلدتم عنقى بتشريفكم الغالى أن أشكركم مخلصا بقلب ملؤه التقدير والمحبة ، ولسان مادح كرمكم ولطفكم.
إذا أعيت مكافأة الجميل فلا تغفل عن الشكر الجزيل
واوفى الشكر ما أعلنت خطا فذاك يدوم جيلا بعد جيل
على ديون شكر ليس تقضى ولو قسمت على دهر طويل
ولكن خالقى سمح غفور فيعذرني ويرضى بالقليل
اخواني : فى هذه الليلة السجواء أقف على عتبة من الذكرى فاصلة بين حدين: الامس البعيد حيث جئت الى هذه الديار الطيبة مجاهدا ومكافحا في يومي ومستقبلي مدة تسعة وعشرين شهرا مع اصحابى واخلائى ، وذكرى اليوم مودعا وموزعا بين قلبي ولساني كانت هذه الفترة الطويلة حافلة بالاوهام والاحلام المعسولة آنا . . ومحفوفة بالشوائب الدكاء من ه وجفاء آنا آخر . . فبعثت فى نارا صالية لا يخبو أوارها ، وذكرى دموية عطرة لا يصوح شذاها على طول الزمن وبعد الدمن ، فكان من
جرائها أن تفجر بركان حنيني وسال ينبوع انينى ، فأخذت ارسل الشكوى حبا عنيفا ، والنجوى الحانا نشاوى
ما من غريب وان ابدى تجلده الا سيذكر عند الغربة الوطنا
وسعدت دهرا بوقدة النيران وحمم البركان ، وانست لخير الينبوع السادر ، فزادتني هذه حبا ودنوا ، واطلعت لى سعدا مرجوا ، كان زاد وعتادى فى شرودى ورشادى ، وزادت كل هذه وتلك ثورة وتألقا عندما رأيت اصدقائى يعودون ثانية من اجازاتهم ويحدثونني عن الديار وساكنها ، فلفني حنين مكين . . واجتاحنى أنين رزين ، حنين البذور الى التربة ، وانين الغريب فى الغربة
يا خليل ذكرانى بسعدى واسعانى بذكر سكان ربعي
فاتني ان ارى الديار بعيني فلعلي أرى الديار بسمعي
واخذت اطيل التأمل في غياهب الغد استعجل اليوم ، مسرع الخطو ، مستطير الجنان فتناوئني الليالى وتطول وانا على صهوة خيالاتى أصول واجول فى متاهات الوجود حاملا ديوان شعر وعود . . فيطل على الغد وكأنه علي بعد خطوات تعد .
يقولون اللقاء غدا بمنعرج اللوى واطول شوق المستهام الى غد
وأظل في عراك مع الاوهام والاحلام فيدور الزمان ويتوالى الحدثان . . فترهبنى حتى ابيت أرى كل شىء حولى يعكر صفوى ، هبوب الريح بزعجني ، شروق الشمس تؤرقني ، الليل يضاعف بلائى ، الرقاد يهرب منى ، رسوم الدار تحرقني والوقوف على الطلول يبكينى وبقيت هكذا بين ليل ونهار ، وحل وترحال حتى دنا الميعاد الا ثلاث ليال :
لما تواعدنا اللقاء وبيننا ثلاث ليال بت منها على جمر
وددت لو اني قادر فمحوتها من الدهر حتى لا تكون من الدهر
ويسير الزمان ببطء أدفعه دفعا ويدفعني مترفقا حتى يوصلني بعد لأى الى الباب الاخير ، فأقف اليوم لاودع اصدقاء أعزاء على واستقبل غد آخرين أجلاء لدى ، فأنا كالعاشق الولهان وقف يودع محبوبته ، النار فى قلبه والضوء في وجهها ، تراءت له مرارة الفراق ولوعة الهجران - حتى ولو الى حين - فخشى الوداع والتوديع :
ما زلت احذر من وداعك جاهدا حتى اغتدى اسفى على التوديع
رغم هذا ، فقد حدث ما ليس منه بد ! فللدهر تفريق الاحبة عادة كما يقول الفيلسوف الزمخشرى ، وان الفراق يعززه أمل اللقاء وما يقض فسوف يكون . .!
وقبل ان اختم كلمتى بتوديعكم أودع هذه الديار الطيبة ، وقد أوتني وغذتني ، وأصابت قلبي فأنبت عشبا وهوى ، فأردد مع شاعر
تهامة نصيب بن رباح قوله عندما اشتد عليه العطش وقت الهجير . . فرأى بيت شعر عن بعد ، فقصده طالبا ماء ومأوى ، فنزل أهلا وسهلا عند امرأة تدعي أم حبيب ، حتى اذا اطفأ ظمأه ، ونقع غلته واستراح لم ينس ان يحييها أجمل تحية :
الا حي قبل البي حبيب وان لم تكن عنا غدا بقريب
وان لم يكن انى حبك صادقا فما احد عندى اذن بحبيب
تهام اصابت قلبه مللية غريب الهوى واها لكل غريب
وانتم ايها الخلان ، اليكم شوق الفائض وحنيني العارم وعذري اذا ما شغلت النوى طويلا :
احبابنا والعذر منا اليكم اذا ما شغلنا بالنوى ان نودعا
ابثكم شوقا اباري بعضه حمام العشايا رنة وتوجعا
وما هو شوق مدة ثم تنقضي ولا انه يلقى محبا مفجعا
ابيت سمير البرق قلبي مثله اقضي به الليل التمام مروعا
ولكنه شوق على القرب والنوى أغص الماقي مدمعا ثم مدمعا
ومن فارق الاحباب في العمر ساعة كمن فارق الاحباب في العمرا جمعا
ورغم هذا ايها الاخوان فاننى أستطيع القول مؤكدا أن لا نسيان فى الوجود حتى نعود ، ذلك لان الشوق يمثلكم والذكر يخيلكم فنحن فى الظاهر على افتراق وفي الباطن على تلاق ، وفي النسبة متباينون، وفي المعنى متواصلون ، ولئن تفارقت الاشباح لقد تعانقت الارواح . . وختاما :
وداعا ايها الجمع الحبيب غدا ميعادنا وغدا قريب
إذا ما بان اترابي فانى لفي أهلى وفي وطني غريب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
