اسمحوا لي ، في بداية هذا اللقاء الاخوى البهيج ، ان أتوجه بجزيل الشعر وصادق الامتنان الى هذه النخبة الكريمة من رجال السياسه والفكر والصحافة الذين تفضلوا بتلبيةوة لحضار احتفالنا بمرور خمس وعشرين سنة على صدور مجلة الفكر الغراء .
واسمحوا لي أن أخص بالذكر اشقاءنا الاعزاء ضيوفنا الكبار الذين تجشموا مشاق السفر فقدموا من أقطار شقيقة ليشاركوا بلدهم تونس فى احتفالها بعيد الفكر الفضى ، وليساهموا فى اثراء حفلنا هذا مياهمتم فى دعم حياتنا الادبية ، الفكرية بها نشر لهم من دراسات واعمال ابداعية فى مجلة الفكر . اذ عززوا بذلك عملنا الثقافي ، وحققوا وجها رائعا من وجوه الحوار المثمر المبناء ضمن ثقافتنا العربية المشتركة نحن حرصون على تواصله وتطوره واستمراره . .
والواقع أن احتفالنا بعيد " الفكر " انما هو احتفال بعيد من أعياد الثقافة فى نونس ، وتكريم لروح الاصرار والبذل ، واكبار لصحة العزم وطول النفس . واعتزاز بما تحقق لهذه المجلة من دور فريد فى حياتنا الادبية والفكرية المعاصرة
ذلك ان تأسيس مجلة ، فى حد ذاته ، كان يمثل وجها رائعا من وجوه التحدى الثابت ، والعزم الراسخ ، والاصرار العنود على مناهضة اليأس والاستسلام ودحض ادعاءات العجز والعقم ، وكان دعوة صادقة للنضال وحمل مشعل الفكر في مناخ كانت قد تجمعت فيه الاسباب على اشاعة الاقتناع بأن المجلة مغامرة ، وانها محكوم عليها سلفا بالفشل ، ما تكاد تظهر حتى تختفى وان هي كتب لها الاستمرار والتواصل فلمدة أشهر أو سنين قليلة تصارع خلالها الصعاب ، وتعاني عوامل القهر والموت حتى تستنفذ قدرتها على الصمود وطاقتها على البقاء فتنطفئ كقنديل جف زيته لتؤكد الاقتناع مرة أخرى بأن المناخ خانق ، وأن التجربة يائسة ، وأن الرياح عاتية ، وأن لا سبيل الى صمود مجلة ثقافية في هذه البلاد رغم ما عرفته من ضروب الأبداع والخلق
عبر تاريخها الثرى ، وما عرفت به من مساهمات جليلة فى خدمة التقدم الفكرى وبناء الحضارة الانسانية خلال أحقاب من الزمن طويلة ، ورغم ما تعيشه فى حاضرها ، إذ ذاك منذ ربع قرن ، من نضال مستميت على المستوى الاجتماعى والسياسى لمناهضة الاستيلاء ، ومقاومة الهيمنة الاستعمارية ، وتحقيق تحررها الوطني وتجسيمه فى كل مجال من مجالات الحياة بقيادة حزب عتيد وزعيم فذ هو المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة الذى ضرب المثل فى التضحية والبذل واجتمع حوله الشعب فى وحدة صماء كفيلة بتحقيق ارادته وقهر ما يواجهه من تحديات .
كذا تدب الحيرة فى النفوس دبيبا ، وكذا يتسرب الشك ، ويتفشى لينال من صلابة اولى العزم من المثقفين فضلا عن سواهم ، أهى الارض قد أصابها عقم فلم تعد تعطى من انتاج الفكر ما هو جدير بالتواصل والبقاء بالرغم مما تعيشه من نضال رائع على المستوى السياسى والاجتماعى ؟ أم أن ينابيع الابداع قد جفت بهذه البلاد وضن معينها ؟ أم هي الشيخوخة قد تسربت الى مفاصل جسد فتى نابض بقوة الشباب وعزمه وتوقه الى الاتى ؟ أم انه قدر محتوم لا مرد لسلطته قد حكم قطعا بالا تعمر مجلة بهذه البلاد ؟
فى هذه الظروف التى اختفت فيها مجلات مناضلة عتيدة ظهرت مجلة * الفكر " لتحمل المشعل وتقول كلمتها بصوت حازم كالحق ، قوى كارادة الشباب .
ومهما تكن العقبات التى واجهتها هذه المجلة فى بدء مسيرتها فقد استطاعت أن تصمد وتبقى ، واستطاعت ان تكسب الرهان ، وليس لها من سلاح غير ما يجيش به قلب صاحبها الاديب المناضل الاستاذ محمد مزالى من ايمان راسخ بطاقات الابداع وعطاء الفكر فى شعبه ، وعزم لا يفل التحدى وثقة لا تعرف التردد بما ينبغى ان يكون للادب والفكر من مستقبل في هذه الديار . ووجدت الفكر سندا معنويا ثمينا فى قلة من أولى العزم من المثقفين الذين تجمعوا ، ابان ظهورها ، حول مؤسسها ، وامنوا معه بمطل فجر جديد للادب والثقافة فى تونس لتواكب حركة الفكر ما تعيشه البلاد من أحداث وما تمارسه قيادتها الرشيدة من نضال صامد من أجل تجسيم التحرر الوطني وبناء تونس المستقلة المزدهرة كما أرادها قائدها وزعيمها
بهذا الزاد من الايمان واصلت الفكر مسيرتها الثابتة رغم العواصف والصعاب لتؤدى رسالتها فى خدمة الادب التونسي وتساهم بدورها الايجابي
فى نشر الوعى الوطني والتعريف بتونس الفتية ومنجزاتها . . ولتقول كلمتها فى ثقة وعزم .
قالت الفكر " : ان اليأس موت ، وإن التسليم بالعجز مركب وضلال .. قالت : ان موطن بورقيبة وبلد ابن خلدون لم يزل على المستوى الفكرى كما عهدناه عل الدهر خصبا وعطاء ، وأن العجز والتسليم داء عضال لا يعشش فى غير النفوس المنبتة المريضة اليائسة ، وقالت : ان التجربة لم تزل ممكنه وان النضال واجب وان الاصرار شرط لازم ، والتحدى رهان .
ووحدت الفكر المناخ الملائم فى تونس المستقلة ، وقد حطمت قيودها ، وملكت زمام أمورها ، وقضت على عوامل الاجهاض والرقابة المتعسفة التى كانت نسلط على مجلاتها وحركاتها الثقافية الوطنية فأثبتت أنه بالامكان فعلا أن تعمر محلة ثقافية تونسية وأن تحتفل بعيدها الخامس والعاشر والعشرين ، الخامس والعشرين ، وأن تظل ثقتها بالمستقبل والشباب وبالادب والثقافة فى تونس ثابتة راسخة كعزم صاحبها .
وقالت الفكر الكثير غير هذا مما تعلمون وفتحت صدرها لتكون ملتقى لاقلام جادة من تونس ومن مختلف أقطارنا العربية ، ومجالا حرا فريدا لتطور الادب التونسي وازدهاره على اختلاف منازعه واتجاهاته ، فاذا هي مرجع أساسى للادب التونسي المعاصر ، واذا هي مدرسة عتيدة تخرجت منها أقلام كثيرة مبدعه في حياتنا الفكرية الحاضرة فاستحقت بذلك ان ترسخ قدمها وان يذيع صيتها وان تكون محلاتها الضخمة مادة خصبة للبحوث والدراسات بالجامعات وبسائر المؤسسات العلمية .
هكذا استطاعت محلة الفكر أن ترفع التحدى ، وان تكسب الرهان وان يكون لها من الفضل على حياتنا الثقافية الحديثة والمعاصرة ما لا يتسع المجال لذكره وتفصيله
فاسمحوا ل ، سيداتز سادتى ، أن أرفع بهذه المناسبة تحية اكبار وعرفان الى صاحبها ومؤسسها ، وان أهنئه بما تحقق له من الايمان والفوز ، راجيا للفكر اطراد التقدم والازدهار حتى تواصل مسيرتها النضالية على درب البقاء .
واسمحوا لي أيضا أن أعبر عن بالغ التقدير لاسرة " الفكر " الغراء ولكافة الاقلام البارزة الحادة التى ساهمت في تحريرها وأن أشكر مرة أخرى ضيوفنا الاخوة الاعزاء ، على تفضلهم بقبول الدعوة وأتمنى لهم اقامة طيبة فى بلدهم وبين أهلهم فى تونس .

