كثيرا ما يلقي الانسان في حياته أشخاصا يحاولون عند التعبير عن انطباعاتهم ازاء شتى انواع السلوك البشري - أن يقرنوا هذا الحديث الوصفي عن الانطباعات - بالتجريب .
وترى الواحد يقول : اسألني انا الذي قد جربت . . اذا فهو حقيقة قد جرب مرة - في أمر من أمور الحياة وربما سبق ان استطلع حلاوته . او تذوقها . وربما تكون احداهما على سبيل التصور اذا ما تذوق الحالة الاخرى .
ولهذا لا نجد الكثيرين الا مؤكدين للوصف بالتجريب . . فهو عملية طبعية الا اذا كان الكلام الوصفي عن التجارب في اساسه من باب الكذب او المخادعة . . وهؤلاء المخادعون ليسوا ممن يدخلون في هذا الباب . فهم ابعد عن طهره وصفاء جوهره .
والسلوك البشرى كله في ميدان الحياة الواسعة هو تعلم منها او على أيدي اشخاصها . . حتى يستطيع الانسان ان يحقق التوازن .
ولكن أحب ما يلقاه الانسان في سلوك الآخرين تجاهه هو التقدير وعدم التحقير . فكل يرى ضرورة ان يلقي مكانه في اعين الآخرين وتفكيرهم تجاهه .
والسلوك على هذا المستوى يشمل جميع الحالات التي يمر بها الانسان في جميع المواقف ذلك لان الحقيقة المطلقة الثابتة في عرف المدارك البشرية ومعارفها . . هي ان التحقير لا يلتصق بسلوك البشر تجاه الآخرين فقط ، بل يشمل السلوك تجاه جميع موجودات الحياة في كل مستوياتها .
فمثلا تجدها في تعامل الدول مع بعضها في حالات السلم والحرب . وفي تعامل افراد مجتمع مع ابناء مجتمع آخر .
وتجدها عند من يدينون بدين تجاه ابناء الديانات الاخرى . وفي سلوك اصحاب لغة تجاه من ينطقون لغة غير لغتهم . وكذلك تجدها في معاملات أفراد المجتمع الواحد .
وبعد هذا كله تجدها عند بعض الناس في في جميع مراحل حياتهم . . وقد يكون التحقير طابعهم المميز .
ولا يسع هذا المقال لاستغراق أمثلة هذه الحالات . . ولكن يدركها القارىء ببصيرته . . وقد يجد امثلتها متيسرة ولو بعد ساعات من قراءة هذا المقال .
ولهذا حظت مصادر التربية الاسلامية والعربية بالنصوص الكافية التي تحث على عدم التحقير والابتعاد عنه .
ولكن عندما يلجأ الانسان الى التحقير ، فمن أين جاء بهذا الاسلوب ؟
انه لم يأت به الا من ذات نفسه التى احس بها تحيطها شتى انواع النواقص وأراد ان يلكمل شخصيته - على حسب زعمه - بهذا التحقير . . ظنا منه - فى وهم - ان هذا سيرفعه في العين الآخرين .
الا ان نتائج هذا الاسلوب . . في المعاملات البشرية سيئة للغاية . . لان الافراد لا يقابلون التحقير الا بتحقير مثله . . وربما استغلت ظاهرة التحقير لتكون موضوعا شيقا للفكاهة والضحك . . ولكن افراد المجتمع الجاد ينتهون الى لفظ هذا المحقر . وتركه يعيش في وحدة قاتلة تؤدى به إلى الشعور بالغربة في الحياة
أما على المستويات الاخرى فالشواهد على النتائج المؤلمة كثيرة .
فمثلا خروج دولة منهزمة امام دولة اخرى ما دامت الاولى تدعي أن الاخرى أقل شأننا . وأقل عنادا واستعدادا . وليس هناك من داع في عد جميع الحالات . . ولكن انتهى الى مثال آخر هو نتيجة الطالب الذي يجد ان مواد الدراسة أقل من أن يبذل لها جهدا كبيرا ثم ينتهى الى السقوط .
وأترك لك ايها القارئ بقية الاستنتاجات . . لان لك مخيلة . . وتجارب تستفيد كثيرا من فقرات هذا المقال .
جدة

