كنت أحمل كأسي وأنهض وكان يحمل كأسه وينهض والتقينا وجها لوجه . كل منا فى يده كأس ، والتقت نظراتنا فضحكنا
ثم جلسنا مقابلة كأسه فى يده وكأسي في يدى قلت له :
كأسك هذا ؟ - اجل ما به ؟ - يشبه كاسى وضحكنا معا حتى دمعت أعيننا ، قلت - ان كأسى فارغة - وأنا كذلك فلنملأهما بدموع أعيننا
ضحكنا فى الوقت الذى كانت فيه السماء تبكى بسخاء وكان هذا الجو الماطر يشعرنى بمتعة غامرة وبرغبة فى اسدال الستائر ، وايقاد النار واغلاق الابواب والنوافذ بالاضافة الى تبادل النظرات والطرائف
يخيل الى كلينا اننا نحب بعضنا ويخيل الى ان وهما نتقاسمه سوية . قلت له :
دمعه دمعتان ثلاثة ويمتلىء كأسي
- اما انا فلن أبكى فهيا املئ كأسى أيضا . - الدموع تثبت انسانية الرجل ضحكنا في الوقت الذى كانت فيه اغنية قديمة تنطلق من صوت مغنية مشهورة . ملا الكاسات وسقانا " . - هل ملأها بالدموع ترى ؟ - بل بالماء على ما اعتقد - فكيف لا يشربون الدموع ؟ . مزيد من الفرح مزيد من الكآبة مزيد من الحب ومزيد من الكره سألته : - أتحبني حقا ؟
- احبك الآن دون شك والا فما الذى يدعونى للجلوس معك وأنت على ما انت عليه من فلسفة ؟ .
أما انا فأحبك في الماضي فقط . . وما جلوسى معك الآن الا استعادة لذكريات الماضي السعيد
وتناهي لسمعي صوت المطر ينسكب بغزارة اطفأت المسجلة تناثر الصمت كالثلج تساقط فوقنا ، فوق الارائك والمدفأة والجدران وخيم على الغرفة كما يخيم النسر على شجرة صغيرة
- دائما انا التى أبادر بالحديث معك - وما يدفعك الى الحديث الصمت اجمل - ما يدفعني للحديث هو صمتك المطبق
مزيد من الصمت مزيد من الغموض . . ازحت الستائر تجلت الطبيعة امامي بسحرها الاخاذ ، لون السماء فضى يعتقد الناس ان هذا الجو كئيب أما أنا فأعتقد انه جميل كل جو واضح جميل . إذا امطرت السماء فلتمطر بعنف واذا اثلجت ، فلتثلج لتغمر كل الدنيا بالبياض ، واذا
ارعدت ، فلترعد بشكل مرعب فانى لا احب الحل الوسط فى امور الطبيعة بل في كل الامور حتى الانسان عليه ان يكون واضحا . مرحا بشكل دائم أو تعسا بشكل دائم أو ذا أفكار متوحدة يعتنقها بشكل دائم ان يكون للانسان هوية نفسية لا على الورق الذى يغلف باللون الشفاف ومسطر فيه العمر والعلامات الفارقة بل ان تكون له هوية نفسية واضحة ليعرف الناس ما هو ومم يتكون ، لانني لا أحب التذبذب ، فى اى موضوع من المواضيع
ألاحظ انك ملأت كاسك بدموع العذاب - أنا الذى كنت أقول : لن أبكى أبدا . - أما كأسي فلم تزل فارغة
وجدت انه من العبث ان احتفظ بكأس فارغة ، فالقيتها وشاهدتها تتحطم وتتناثر شظايا حزنت ، كنت أستطيع ان اقبض عليها فى يدى والآن اخشى من مسك شظية من شظاياها ان تجرح يدى وتسيل دمائى ( دمائى الحارة ذات قيمة بالنسبة لي وذكرت اول انسان احببته فى حياتي . كيف كان ملكا لي ثم أضعته حين تركته فأحلته الى شظايا ، ابتدأت تجرحنى فيما بعد وحين رأى ما فعلت من قال لى " ولاول مرة ابتدر الحديث معى " .
- لو احتفظت بكاسك افضل ولو انها فارغة اذ انك لا تعرفين فيم يمكن ان تنفعك
- لدى الكثير من الكؤوس الفارغة . - أما أنا فكأسك الممتلىء الوحيد
وجدت أنه من العبث ان تمر الدقائق تتبعها الساعات ونحن على ما نحن عليه من صمت ولغط واصغاء ، خرجت من الغرفة ثم عدت بمأكولات شهية ساخنة بجانب كؤوس من الشاي . قال :
- كان بالامكان ان تستفيدى من الكأس الذي حطمته الآن .
- لا احب الالحاح حتى كأسى الممتلىء الوحيد فانني على استعداد لان احطمه كذلك
- تعنين أنا ؟ .
ورحت أتناول الطعام بشهية غير منتبهة اليه ثم حملت كأس الشياء الشفاف والذي يبدو منه التلون العقيقى الجميل ورحت ارتشف منه رشفات حارة
- الكاس الذى حطمته مثل هذا الكاس تماما . - الحقيقة لقد كرهته فحطمته لا أحبذ الاحتفاظ بما اكره من أشياء . - اذن لسوف تبقين دون كأس على الاطلاق
وذهب فارتحت لذهابه وبدأت التهم المزيد من الطعام وأصب المزيد من كؤوس الشاى وأستمع الى المزيد من المطر الغزير وابحث عن المزيد من كل شئ
