الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

كيس الكلمات

Share

الى الذى (( نثر )) كلماته ولم يجمعها ، استاذى : البشير المجدوب

خرج فى صبح يوم من أيام الخريف يحمل كيسا من الكلمات . . تتعثر خطاه عند كل مرتفع ، وتئن مفاصله تحت ثقل الكيس . . كان طول الطريق ممسكا عن الكلام ؛ رابطا شفتيه بشدة . . كان بخيلا حتى ب (  ـــــصباح الخير ) . .

وأخيرا بلغ الحقل الذى بقى سنين فى حراثته واعداده للموسم الجديد . . كان فى كل مرة يفتح الكيس بحذر . . يدخل فيه فاه فيملؤه كلاما ، ثم يربط على الكيس ، ويبدأ فى زرع الكلمات بين شقوق الارض العذراء . . أمضى زمنا وهو يجوب الحقل يمينا وشمالا ويلقى فيه بفمه ما يأخذه من الكيس الى ان أنهى (( بذوره )) . .

وقف عند نهاية الحقل يتأمل عمله . . يتذكر كم من مرة عثرت سكة محراثه فى الحجارة الصلبة والجذوع القديمة . . وكم من مرة سقط على تراب الحرث نبعا وإرههاقا ، فعفر التراب وجهه ، وسد أذنيه . . وكم من مرة طارد الطيور التى اقتربت من حقله لتخطف (( بذوره )) . .

وقف عند نهاية الحقل يتصبب جبينه عرقا ، وهو يفكر فى امر كلماته ومحصول عمله : (( ترى ماذا يلد الحقل . . ؟ ماذا تنبت الارض اذا ما زرعت كلمات . . ؟ ! ))

وقف على ربوة قريبة ملتقيا جهة الشمال . . ثم دعا لحقله بالمطر . . ! ولأرضه بالخصوبة . . ! وترابه (( بالزيادة فى النسل . . ! )) ثم ولى وجهه نحو القرية ، وعاد مترنح الخطوات تعلو وجهه ابتسامة الرضى ، وتملأ قلبه غبطة الموسم الجديد . . عاد من حيث أتى وابتسامة خفيفة ترقص فوق شفتيه , عازما ان يقول آخر ما ترك فى فمه لأول إنسان يجده أسفل القرية . .

أخذ يقترب من القرية قليلا قليلا . . كان الصباح قد بدأ يطل من وراء الهضاب ، وبدأت نسماته الرطبة تدغدغ زنود القرية وهى تتثاءب متثاقلة كعادتها عند كل صباح . . كأن الليل الطويل لم يشبعها سباتا . . مازال سكان

القرية الكسالى يغطون فى النوم كعادتهم . . لكن الدجاج قد استيقظ بعد ، فخرج الى المزابل يبحث عن قوت يومه من ديدان وبقايا أطعمة فاسدة . . أما كلاب القرية فهم غائبون منذ أيام فى قرية أخرى اشتموا فيها رائحة الجنس عن كلبة العمدة (( أبى المعالى . . ! ))

أخذ الشيخ يقترب من القرية ، لكن عينيه لم تقعا على انسان خارجها . أحس شيئا من الضيق يمزق نفسه . . لم يشق عليه حمل الكيس كله كما شق عليه حمل هذه الكلمة . . وفجأة خرج من أول منزل فتى قمحى اللون ، حشيش العينين ، تبدو على محياه الغض آيات الفطنة والذكاء . . ويملأ قلبه الصغير حب كبير للأرض والتراب . .

- صباح الخير ، يا (( أبا كلمة ! )) - . . . . . . . .

ارتبك الفتى واحتار فى أمره حينما رأى الشيخ لا يجيبه ببنت شفة . . هذا الشيخ الطيب الذى يعرف بين أهل القرية بحبه الشديد للصغار وعطفه عليهم , ونصحه إياهم . . نعم ، انه كان يعتبر كل أطفال القرية أبناءه ويعلمهم حميد الخصال . . فماله اليوم لا يجيب ؟ . . وأعاد الفتى قولته :

- صباح الخير ، يا (( أبا كلمة ! ))

عندها فتح الشيخ العائد فمه قليلا فخرجت منه هذه الكلمة :

- (( الحقل . . ! الحقل . . ! ))

ثم أطبق شفتيه ، وأشار بأصبعه جهة الشمال فعرف الطفل الحقل الذى قصده شيخه ومؤدبه ، وتذكر جملته القديمة التى كان يقولها له ولأمثاله فى الكتاب ، والتي لم يفقهوا يوما معناها . . تذكر قول مؤدبه :

(( إنى بذرت فيكم يا أبنائى كلاما كثيرا . . أكياسا وأكياسا من الكلمات . . ولكنى لم أظفر منكم ولو بثمن كلمة واحدة . . ! وها انى أنوى أن (( أنثرها )) فى تراب الحقول ، وأترقب قدوم الصيف - موسم حصاد الكلمات - علنى أجنى مما تنبت الارض ! ان الايام علمتنى ان التراب أكثر عرفانا من البشر . . ! ))

مرت بذهن الفتى كل هذه الكلمات . . وهو صامت واجم فى مكانه ينظر الى شيخه الذى دخل كوخه البسيط بعد ان أطبق شفتيه الحالمتين بربيع الارض وعرس السنابل .

ومرت الايام والاشهر . . وجاء الصيف . . جاء موسم حصاد الكلمات . . جاء الصيف ، فأخذ الفتى وشيخه منجلين وكيسا وسارا نحو الحقل . . كانا يسيران بخطى حثيثة ، وفى ذهن كل منهما تتعاقب الفصول مسرعة . .

ولما وصلا الى الحقل ، وجداه أجرد ، خاليا الا من سنبلات قليلة تتخلل هشيما كثيرا . . واندفع الفتى والشيخ يحصدان هذه السنابل فكانت كل سنبلة ترسل اثر سقوطها صوتا خافتا لا يسمعه الا الفتى ، لان شيخه المسن أصبح مع مر السنين لا يسمع من الاصوات الا ما كان مرتفعا . .

هوى المنجل على الاولى فصاحت : " خير . . " وعلى الثانية فقالت : "  حق.. " وعلى الثالثة فقالت " جمال... "والرابعة " حب " والخامسة " حرية . . " وكان الفتى يسأل شيخه فى كل مرة :

- " أسمعت ما قالت . . يا ابا كلمة . . " فيجيب الشيخ بحركة نفي . . فيقول له الفتى : " لقد قالت : كذا . . وكذا . . وكذا . . "

واستمرا يقطعان . . الى ان اعترضت منجل الشيخ سنبلة سميكة الجذع ، فأعمل فيها منجله ، لكن لم يستطع قطعها ، فأشار الى الفتى أن يعينه ففعل . واستمر الاثنان يحاولان ويحاولان الى ان جرحت السنبلة فسأل منها شئ يشبه الدم احمرارا ، وصاحت مدوية : " ثورة . .! ثورة . . ! انني الثورة . . إننى الصعبه . . " فهرب الشيخ مضطرب الاعضاء ، وكأن قد أصابه مس من الجنون . . وظل الفتى ماسكا جذع السنبلة ومنجله وهو يصيح : " الى يا شيخى الى لا تخف . . ها قد قاربنا ان نقطعها ونأخذها الى البيدر . .! وظل الفتى يصيح ويصارعها ، وشيخه هارب ، الى ان خانته قواه فسقط الى جانب السنبلة العنيدة مغشيا عليه..!

ثم رجع الشيخ بعد الظهيرة فما وجد فتى ، ولا كيسا ولا مناجل ولا سنايل لكنه وجد آثار اقدام وسواعد ، وقطرات متفرقة من دم . . ووجد الى جانب هذا ورقة كتب عليها بأحرف غليظة : " معذرة يا شيخي العزيز . . كان عليك الا تهرب من الحقل الذى " نثرت " فيه " بذورك " والا تتركني فيه وحدى أصارع سنابلة الجامحه . . إن أمر حراثته وبذره كان سهلا عليك وحدك . . لكن حصاده - يا شيخي العزيز - صعب علينا ونحن اثنان . .! "

اشترك في نشرتنا البريدية