الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

كيف انتقل الادب التونسي ، من الوجدانيات الي العموميات

Share

المجلي في هذا الميدان الشاعر التونسي محمود قبادو المتوفى سنة 1288

عندما انبلج صبح المدنية الحديثه واخذ يغمر الآفاق بشعاعه المتألق الوقاد انتبهت الامم من غفوتها واخذت تنفض غبار الخمول وتجيب دعوة الداعى وتستعد للعمل في دنيا الانسان الحديث وكان من ضمن هاته الامم الافريقيه والامم الشرقية التى طال نومها خصوصا وقد كانت تستند فى حياتها الى حضارة كانت في الواقع شديدة الدقة فى مراعاة الجانب الاجتماعى الذى جاءت المدنية الحديثة حاثة على العناية به فكانت تهدف الى المجتمع الانسانى بناء صحيحا ثابتا صامدا لاتنال منه قوارع الدهر ولا آفات الضعف منالا وغايتها اسعاد الفرد وفي اسعاده اسعاد المجتمع . والدعوة انما تنجح فى المرء اذا صادفت هوى فى الفؤاد

وكانت الدعوة الى هاته المبادىء انذاك من واجب الواجبات خصوصا وهى لا تنافى روح الاسلام التقدمية وقد حازت الصحافة قصب السبق فيها قبل ان تخلق الاذاعة لجيل او اجيال فكانت المرهم الاجتماعى البعيد المدى فى التأثير لاسيما وقد انبرى فى ميدانها حملة الاقلام وافذاذ من الشعراء ابدعوا فى ميادين الدعوة الى الاصلاح وبالغوا فى افهام الناس النافرين على اختلاف طبقاتهم ونحلهم طيلة القرن التاسع عشر مسيحى وكان لزاما ان تعم الخافقين وان تهز ارجاء العالم

وكانت تونس على ضيق رقعتها وريثة المدنيات العتيقة ومستقر الحضارة الاسلامية وبحكم ماضيها المجيد انبعثت لتشارك بدورها فى حمل مشعل الحضارة الحديثة بكتابها البارعين وشعرائها البارزين المقتدرين الذين كانوا فى اوائل القرن التاسع عشر يحومون حول الوجدانيات ويطوفون حول الذكريات الى ان طغى عليهم السيل فابوا الا ان يكونوا هداة لقافلة الحياة وأدلاء لمواكب الوجود السائرة بخطى ثابتة الى حيث التقدم والرقى ودعوة النوع الانسانى الى الانضواء تحت قواعد العلم والعدل والعمران فكان الشعر التونسى والادب التونسي ينتقلان من الوجدانيات وينسلخان من الروح المتصوفة الخاملة القانعة القابقه ويتشكلان بشكل العموميات ويأخذان مكانتهما بين ادب امم العصر التقدميه

كان من اثر هذه النهضة الحديثة في الادب التونسى الحديث ان انتبه الشاعر التونسي بفضل شعوره الرقيق الحاد الى ادراك الوضعية الحديثة ادراكا صحيحا فخصص جانبا من انتاجه الادبي لدعوة الناس للاخذ باسباب الارتقاء واغرائهم بالتسابق في ميادين الفنون والعلوم والاقتداء بالامم فى مضمار الجد والعمل واثارة عاطفة التنافس واذكاء لهيب الغيرة فى النفوس وقد كان زعيم هذا المضمار المتلاعب باطراف البلاغة والبيان شاعرنا العبقرى محمود قبادو المتوفي سنة 1288 هجريا . يغير تاريخ مجرى الادب فنسمع منه لاول مرة فى تاريخنا الادبى وهو ينبهنا قائلا :

فمن لم يجس خبرا أروبا وملكها ولم يتغلغل فى المصانع فهمه

فذاك في كن البلاهة داجن وفى مضجع العادات يلهيه حلمه

واستمر هكذا على هذا المنوال العجيب يسحر العقول ويخلب الالباب وينفث السحر الحلال في النفوس ، كان هذا الروح فى الواقع قائما فى ادمغة الادباء بل كان ضعيفا فى الادب القديم الذى كان يعيش للوجدان ويحلق فى الخيال وكان الشاعر فى هذا العهد القرن التاسع عشر . م . والقرن 13ه . لم يتحرر بعد من قبود الزخرفة اللفظية والتكلف الممل والولوع بالجناس والتوريه والامعان في الاستعارة والتشبيه والنسيب والغزل والمديح والهجاء وضروب الشعر العتيقة فى الادب القديم

ولكن الهزة العنيفة التى انبعثت عن الحضارة الحديثة طغت على الادب فغيرت اتجاهه ووجد رواد الادب انفسهم فيها الغذاء الطريف الكافى والجمال الخصب فخرجوا بالإدب من عزلته وخصوصيته الى الافق الفسيح وشاركوا الناس فى احزانهم وافراحهم وهتفوا لخدمة المثل العليا فأبى قبادو ازاء هذا التطور الصارخ الغامر ان يستكين بل اندفع حاديا فى ركب الوجود مهيبا بأمته ان تشمر عن ساعد الجد لتنتظم فى سلك الاحياء الكادحة الجادة المتنكرة للتقاعس ولم يتمالك عن التعليل بقوله فى حجة ناهضة ومنطق يفهمه المتعطشون الى المعالى المتطلعون للمجد الطموحون لنيل الرغائب فى دنيا الانسان الثائر فيصيح صيحة التأثر والاسف فى جد وحماس قائلا للنائمين الا ايها النيام ويحكم هبوا مثيرا حماسهم بقوله :

لذا ترى ملكا للفرنج موثلا

بعلم علي الايام يمتد يمه

ومملكة الاسلام يقلص ظلها

وينقض من اطرافها ما تضمه

على انها اجدى وابسط رقعة

واوسط اقليما من الطبع عظمه

واعرق فى حمى الحضارة موقعا

واطول باع يفلق الهام دمه

وقدما تناهت فى الفنون توغلا

وجمع طمع الصم فيها ورمه

ودوخ مغزاها الاقاليم سبعة

وتأخمها من سد ياجوج ردمه

ثم يعالج موضوع العلم بحكمة فائقة وبلاغة ساحرة وتفنن فى التعبير عجيب غير مألوف مشيد بالعلم وطلابه وها هو يشرح مهمته ومهمتهم شرحا دقيقا رائعا مبتكرا فى برد من البيان فشب قائلا :

دليل اصطفاء الله للعبد علمه وتشريفه أن يكشف الحق فهمه

يوم بها كل امرىء ما يهمه

لا وجهه شتى فكل وزعمه

بها ثم تأليف الوجود ونظمه

وآخر ماض فى طرائف حكمه

اشاداته فيما يسوس وهدمه

يعاد طبع والحمية قومه

اذا فى فنون العلم وفر سهمه

وباطنه عالما مضى فيه عزمه

ودان ثما ححاول خصمه

وليست فنون العلم الا طرائق

وهم الورى فى النفع لكن فهوهم

وما خلقهم الا وفاق لحكمة

فما بين راع لم يسسر غير نفسه

وكل على الدين من العلم تديني

وكيف يسوس النفس والهاس جاعل

وما خسر الانسان وجه سعادة

اذا حكم الانسان ظاهر منصب

فمن علم الاشياء وفى حقوقها

او ليست هاته الصرخة الداوية الاصدى للحياة الحديثة التي شيد هيكلها على اس العلم وبالعلم قوامها وهو دليلها ورائدها وعنوانها وارهاصاصا لرسال الادب الحديث التى نسخت معظم ما سبقها من شرائع الادب وضروبه وعفت على الاساليب البالية العتيقة التى اصبحت غير صالحة فى حياة تتطلب الس الى الامام والتكفير عن الماضى ومجاراة السابحين فى غمار الحياة الذين لا يعرفون السكون وها هو قيادو يهيب بنا مرة اخرى وينذرنا بفوات الوقت فيقول :

لقد فاتنا فى بادىء الرأى صوبنا

واشفى لعمري ان يفوت ختمه

تباعد شوطا مقوم ومقهقر

اذا لم يحن منه التفات يزمه

لعمري ليس الميت من اودع الثرى

ولكن مطيق للغنى بان عدمه

وميت القوى من لايهيا نفسه

ولا تصافيها من حيث يغذى جسمه

لقد قتلوا دنيا الحياتين حيرة

فمن لا يساهمهم فقد طاش سهمه

وحقا لقد طاش سهمنا اذا لم نوال السير قدما الى الامام ونحقق اهدافنا ونلتحق بغيرنا ونتبوا المكانة اللائقة بنا بين الامم التى سبقتنا بمراحل وبقينا نتعثر وراءها ولكن لا ننسى الحكمة القائلة

" اذا صح العزم وصح السبيل " والحكمة الاخرى التى تقول :

ولم يتأخر من اراد تقدما

ولم يتقدم من اراد تأخرا "

وكم لقبادو من القصائد الغرر والخرد الغوانى فى ميادين الاصلاح والنهوض ربما عدنا الى دراستها فرصة اخرى

اشترك في نشرتنا البريدية