على ضفاف الخليج العربي من المنطقة الشرقية ، والامواج العاتية تتكسر على الصخور الجرداء وتندفع تزمجر في الفضاء البعيد ، والرياح الهوج تعوى فى أطراف الصحراء وكأنها تردد ألحان التاريخ ، كأن التاريخ تجلى وراح يتحدث عن نفسه بقوة وعظمة وأنا أستمع له :
وتمتعت على شاطئ هذا الخليج وأنا حيث ان اعيد فى ذاكرتى ، تلك الأنواع الخالدة التى تصور لى مختلف العصور الجيولوجية السحيقة التى مرت على هذا الجزء الممتد ، كالمارد الذي يحاول أن يشرب البحر بما يحويه من مخلوقات ولآلئ وهو يضرب بأذرعه القوية ، فتنفجر من تحت تلك
الأذرع ، الامواج الزاخرة وتتولى الاسماك والطيور البيضاء مذعورة من ذلك المشهد المخيف ، كانت تلك خيالاتى قبل خمسة عشر عاما مضت ، عندما وقفت أرقب موجات البحر الهائج . وعندما كانت مدائن الخبر والدمام والظهران ورأس تنورة ، أشبه بمقر العفاريت والغيلان والمردة . .
وتمضى الأيام السريعة وتمر مر السحاب فاذا بهذا الذى تصورته فى تلك الوقفة الخاطفة وما هو ذلك المشهد إلا الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية الذى يتفجر من تحته أخطر شئ غير تلك الحياة المخيفة . واعادها الى براعم تنتج الخصب والربيع وتضع الحياة للملايين من الناس . ألا وهو " الذهب الأسود " . .
مرت تلك العصور ، السحيقة فى القدم ، وهذه المنطقة لم تكن شيئا مذكورا ، بل ملجأ للسباع ، والوحوش الضارية ، والمتتبع للتاريخ القديم لا يقرأ عنها الا حلقات مفقودة ، وربما
تحدث عنها التاريخ ولكن التاريخ القديم لا يعلق على هذا الجزء الحيوى أهمية معروفة ان لم يكن وصفا جغرافيا أوموطنا للحضارة " الفينيقية " فيما قبل الميلاد ورغم ذلك الأثر التاريخي البسيط لا يثبت التاريخ أن الحياة الأولى التى مرت على هذه المنطقة لها أهميتها وأثرها ، مثل هذا اليوم التى تتبوأ نهضتها . فى عهد آل سعود . . .
هذا الشاطئ الذى كان فى العصور السابقة يصنع الموت للسفائن ، عندما تهب العواصف ، وتلقى بها حطاما على صخور الساحل بل وكرا للقرصنة والنهب ، أصبح موطنا جديدا تنبعث منه الحياة والتطور والتقدم بشتى صوره ومعانيه . ولقد كانت مأثرة خالدة تسجلها الأيام للملك الراحل عبد العزيز آل سعود . ذلك البطل العصامي الذي كأنه ينظر للحياة
والمستقبل من مجهر عميق ، وكان هدفه أن يرى بلاده يانعة مزدهرة متفوقة فى شتى الميادين المختلفة وكانت تجاريبه وعبقريته الفطرية الواسعة أمدنه بتفكير متزن فى كل الأمور السياسية والاقتصادية فهو أول من وضع زاوية تقدمية لرفع مستوى هذه البلاد وادارة دفتها وسياستها وتدعيم سيادتها واستقلالها
بحنكة محكمة بوضع خطط دقيقه لبناء مستقبل مملكته مما أعجب رجال الفكر وعباقرة العالم فى هذا الجيل فلقد عرف الملك الراحل القيم المادية والمعنوية والاقتصادية التى سيدرها استثمار النفط واستغلاله لمصلحة بلاده وكأنه ينظر بتحقيق معجزة ينظرها ويلمسها فى التخوم البعيدة من الارض وعندما تم نجاح البترول بصورة واسعة فاذا البلاد تسير نحو
التطور السريع بحسن ادراك الملك المغفور له . . وتمضى عقارب الزمن وفي نفس ذلك المـــــــــــوقف وفي عهد صاحب الجلالة الملك سعود أرى الاصلاحات المختلفة تنبثق فى ربوع هذه المنطقة بل فى كل انحاء المملكة . نجد الحركة العمرانية والانشائية والأدبية تتألق وتنمو وتتحرك بسرعة مطردة . . .
لقد خطت المملكة العربية السعودية خطوة رشيدة رائعة تستحق من كل أديب أو كل كاتب يهتم بنهضة بلاده أن يرقب هذه النهضة العارمة ويتحدث عنها مفاخرا ، فقد صنعت المملكة السعودية نهضتها وانطلقت الى الأمام والى عالم تسوده الحياة والرفعة بفضل باني نهضتها الكبرى الملك سعود الأول .

