الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

كيف تورق الأفكار ؟

Share

تنصرف الاذهان عادة حينما نطلق كلمة الشك الى الناحية الفكرية فى حين ان هذه اللفظة واسعة تطلق على الناحية الاقتصادية والاجتماعية كما تطلق على الناحية السياسية والفكرية والتغيرات التى حصلت فى حياة البشرية اعتمدت على عدة اسباب كان الشك من جملتها وربما كان من اهمها .

وقد أطنقت على الشك عدة تعريفات اعتقد ان افضلها هو التعريف القائل بأن التساؤل هو أول مراتب الشك فلنأخذ بعض الجوانب الاجتماعية على سبيل المثال لقد كان الناس فيما مضى يعتقدون ان العمل خارج المنزل مقصور على الرجل فليس من الجائز للمرأة ان تقوم بأي عمل من الاعمال الا فى داخل المنزل ، وقد مرت قرون عديدة والناس فيها لا يخامرهم ادنى شك فى هذه الفكرة ثم حدث تساؤلا عند بعض الناس فى بعض الامم مؤداه هو ألا يمكن للمرأة أن تشارك فى الطب والتدريس وغيرها من النشاط ؟ فما الذى يمنعها من ذلك ؟ لقد كان الجهل هو الذى يحول بينها وبين هذه المشاركة فى هذا النشاط اذن فلا بد لنا من ان نفسح الطريق لتعليم المرأة كما نفسحه للرجل لتتمكن من القيام بهذه المهمات . ومعنى ذلك كله أن الشك فى الفكرة السائدة بين الناس لمدة طويلة هو الذى دفع بنصف المجتمع الى المساهمة فى العمل بعد ان كان مشلولا لا يكاد ينتفع منه الا انتفاعا ضعيفا ونستطيع ان نقول مثل ذلك فى الناحية السياسية فقد كان المعروف عند غالبية الناس ان ممارسة الحكم ينبغى ان تكون مقصورة على فئة معينة من الناس اذا اريد للامور ان تسير بصورة طبيعية فليس كل الناس أهلا للقيام بهذه المهمة الرفيعة غير ان الشك فى هذه الفكرة اخذ يتطرق الى العقول المستنرة اذ أخذوا بتساءلون عن الاسباب التى تقصر هذا النشاط على فئة من الناس فلما أخذوا يلحون

فى التساؤل وفى التفكير لم يجدوا سببا حقيقيا يمنع من كانت له شخصية قوية واستعداد لتحمل المسؤولية عن القيام بهذا النشاط فما هى الا ان أخذوا بدعون الى هذه الفكرة مستندين فى ذلك الى عدم وجود سبب حقيقى وأثبت أن ما يتصوره الكثيرون ليس الا وهما من الاوهام ولا بد لى من أن اشير الى أو ما ذكرته من حصول تغير فى بعض الجوانب الاجتماعية والمتمثل فى مساهم المرأة فى كثيرة من الاعمال فى المجتمع والتغير فى الناحية السياسية المتمثل فى انتشار النظام الديمقراطى لم تحصل الا بعد تطورات كثيرة لو اردنا ان نفصلها لخرجنا عن القصد ونستطيع ان نقول مثل ذلك التغيرات التى حصلت فى الناحية الاقتصادية وغيرها من نواحى الحياة .

ولكننا نلاحظ ان احاديث المفكرين من الشك مسهبة اذ انهم بحثوا بصورة مفصلة عن اسباب الشك الى حد حاولت فئة منهم ان تثبت ان حواس الانسان كثيرا ما تخدعه فقد يرى اشياء مادية يعتقد انها حقيقية كما يراها ولكنها فى الواقع ليست كذلك يقول العالم الفرنسى دى نوى ( ليس فى هذا الدنيا شئ نستطيع ان نعرفه معرفة كاملة مطلقة ، وحواسنا الخمس يشوبها نقص وأدواتنا العلمية لم تبلغ الكمال فى دقتها وليس فى طاقنا ان نعرف الحقيقة فاذا مزجت الدقيق بالسخام كان لك منهما مسحوق أغبر فلو سارت حشرة دقيقة بين حبيبات هذا المسحوق لكانت الحبيبات في نظرها صخورا ضخمة بيضاء وسوداء فلا وجود لهذا المسحوق الاغبر كما نراه نحن فى تقدير هذه الحشرة ونحن نعيش فى كون لا يحيط به ادراكنا وكل رأي نراه يشأن الحقيقة انما هو نسبى ) ويقول بيرون الفيلسوف اليونانى المتوفى سنة 270 ق . م ) ان معارف الانسان لا يمكن الثقة فيها لان هذه المعارف لا يمكن الحصول عليها الا بالحواس او العقل فأما الحواس فهي عرضة للخطأ لانها تكشف الاشباء على ما تظهر عليه لا على ما هو عليه فى ذاتها ، واما العقل فهو ايضا عرضة للخطأ لانه يعتمد فى احكامه على ما تنقذه له الحواس ) .

وقد بالغ المتشككون حتى اصبحوا يرتابون فى كل شئ معتمدين على بحوث كثيرة كونت مدارس عديدة ليس هنا مجال الحديث عنها وكل ما قصدت اليه هو ان أقول بأن التساؤل او الشك على الاصح كثيرا ما يوصل المفكرين الى اليقين لانه يدفعهم الى البحث بصورة عميقة مستفيضة عن القضية التى يشكون فيها حتى يتوصلوا الى رأى من الاراء سواء كان هذا الرأى سلبا أم ايجابيا ومن المؤكد ان هذا اللون من النشاط الفكرى لا يؤدى رسالته على الوجه الصحيح الا اذا فسحنا المجال لكل من يتردد عقله فى قضية من القضايا

أو امر من الامور وذلك بأن يعلن تردده أو شكه وبذلك ينشأ حوار عقلى خصيب بين المتشككين والمتيقنين ، اما اذا منعنا المترددين عن الاعلان عما يدور فى أفكارهم من تساؤلات فاننا نكون كمن يمنع الماء عن الزرع مما يجعله يؤول الى الذبول .

وخلاصة القول ان كل عقيدة لا يمكن ان تكون راسخة الا اذا كانت عن اقتناع اما العقيدة التى تكون صادرة عن الخوف والارهاب فانها لا يمكن ان تسمى عقيدة . يقول الشاعر :

دعنى وشأنى والذى أنا عابد    و كما يشأ ايمان قلبك فاعبد

والحق ان القرآن الكريم قد نبه الناس الى ما لهذه الفكرة من خطورة عظيمة فى آيات كثيرة فمن ذلك حوار ابراهيم خليل الرحمن لقومه التى جاءت فى سورة الانبياء وقد تضمنتها ست عشرة آية كريمة ومجمل القصة ان أبا الانبياء سأل قومه عن الاسباب التى جعلتهم يقدسون تماثيل جامدة لا تنفع ولا تضر فكان جوابهم انهم لا يعرفون سببا الا انهم وجدوا آباءهم يعبدونها وهذا جواب يعنى التسليم او الغاء العقل على الاصح فكان جواب ابراهيم ان هذا ليس سبب صحيح يدعوكم الى اتباع ابائكم فعليكم ان تفتحوا عقولكم وتتسائلوا هل عبادة الآباء مسوغ يدعو الى متابعتهم فكان جوابه هذا صدمة كبيرة لعقولهم الراكدة فقالوا له أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟ وفى هذا القول صورة صادقة لمن كان يعيش فى ظلام الركود والجهل ثم يأتيه وهج نور العقل كوهج نور الشمس .

ومن المعلوم ان الانسان اذا عاش مدة طويلة فى الظلام ثم جاء النور دفعة واحدة لا يلبث ان يرتد مندهشا حتى يكاد يقع على الارض وهذا حال قوم الخليل حين سطع نور الحق والمنطق على عقولهم فقد اصبحوا لا يدركون أهو جاد أو هازل وقد رأى خليل الرحمن ان الحوار العقلى مع مثل هؤلاء الناس غير مفيد فلا بد من القيام بعمل مادى فلعله يوقظ عقولهم من ذلك السبات العميق وليس شئ اعظم على أولئك القوم من تحطيم اصنامهم التى كانوا يعبدونها ليتبين لهم انهم يعبدون شيئا لا قيمة له فما كان من ابراهيم الا ان قام بذلك العمل العظيم ولكنه ابقى اكبر تلك التماثيل ليعود معهم الى حوار عقلى ساخر لذلك نجد قومه قد ثاروا عليه ثورة عارمة لانهم قد تيقنوا ان هذا العمل العظيم لا يقدم عليه الا الرجل العظيم وليس احد اعظم من ابى الانبياء الذى حاول ان يفتح عقولهم فلم يجد منهم استعدادا لرؤية نور الفكر

فأقبلوا عليه يسألونه أأنت فعلت بآلهتنا يا ابراهيم ؟ فأجابهم بسخرية ( قال بل فعل كبيرهم هذا فسألوهم ان كانوا ينطقون ) .

ولقد كاد هذا العمل الجديد يعيدهم الى صحوة العقل كما فى الآية الكريمة حيث تقول ( فرجعوا الى أنفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون ) لكن ظلام التعصب عاد اليهم فجعلهم اشد ضلالا مما كان عليه من قبل فقالوا له انك نعرف بأن هذه التماثيل لا تنطق فما كان من ابى الانبياء الا ان اجابهم بما يستحقون من غليظ الكلام . قال لهم ( أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) فالذى يلغى عقله لا قيمة له فلما وجدوا انه قد انتصر عليهم انتصارا ساحقا جعلهم سخرية للعالمين . اذن فلا بد من ان يسلكوا ما يسلكه المتعصب الذى لا يملك أية حجة لسلوكه الضال غير القوة يصبها على خصمه وليس شئ اعظم من ان يلقوه فى النار ليطفئوا ما يشعرون به فى قلوبهم من الحقد عليه ولكن نور الحق والعدل اقوى من النار ومن كل شئ لذلك قال الله تعالى ( يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم ) ولقد وقفت حول هذا القصة وقفة طويلة بعض الشئ لانها ترسم اصدق صورة للذين يلغون عقولهم ويتعصبون على جهلهم اذن فالذين يصفون التسليم بالسكون مصيبون كل الصواب كما ان الذين يصفون تساؤلات العقل بالحركة والاقدام مصيبون كل الصواب ايضا فليس من المحافظة على تاريخ الاباء والاجداد متابعة الابناء لكل ما كانوا يقومون به من اعمال وانما المحافظة على التاريخ تتمثل فى تأمل ذلك التاريخ واخذ الصحيح منه ونبذ الباطل فهذا هو الطريق القويم ويخيل لى ان حديثنا عن مكانة العقل لا يكون متكاملا الا اذا نبذنا اقوال الذين يضعفون من شأن العقل بحجة ان حواسنا هى الوسيلة الى انارة اذهاننا وعقولنا وهذه الوسيلة كثيرا ما تكون مضللة مخدعة . وبناء على ذلك فان العقل لا يمكن ان نركن اليه . وهذا القول ليس صحيحا لان حواسنا ليست عاجزة عجزا كاملا وانما لها حدود تقف عندها وهى لا تستطيع تخطيها فالمتدربون مثلا على سرعة الحركة كيثراما يوهمون الناس بأفعال خارقة ولكن هذا لا يعنى بأن علينا ان لا نصدق عيوننا فيما تراه او تنخدع به على الاصح وانما علينا ان نتساءل . هل صحيح ما قام به هؤلاء الناس أم انه خداع ؟ ثم ان على الانسان أن يقبل ما يصل اليه عقله دون تعصب لا يقبل الجدل اعنى ان يكون الانسان مستعدا للنقاش لتتبين له الحقيقة ، فالتعصب الشديد يعنى الركود والجمود فى أى فكرة من الفكر ولا بد لنا هنا من ان نتنبه الى ان التساؤل عن صحة ما يقوم به الانسان من عمل مادى او معنوى لا يحدث الا لأقوياء العقول اما تقبل

الامر على ما هو عليه دون محاولة للتأكد من صحة الفكرة أو ذلك العمل فانه علامه على ضعف العقل والتفكير . ونحن اذا ما استقرأنا التاريخ السياسى والفكرى والاقتصادى والاجتماعى نجد ان الذين استطاعوا ان يؤثروا فى مجتمعاتهم هم اقوى الناس عقلا واخلصهم للحقيقة .

لذلك نجدهم قد احتملوا كل ما لاقوه من عنت الجهل والتعصب وطغيانهما واستبدادهما وقد حفل التاريخ الانسانى بصورة عامة والتاريخ العربى الاسلامى بصورة خاصة برجال امتلأت نفوسهم بالتجرد والاخلاص للحقيقة فوقفوا مواقف نقلت الفكر من موقع الركود والجمود الى موقع الحركة والاستنارة فهل يغيب عن البال مواقف سقراط وحوار افلاطون وجهود بوذا ؟ ثم هل تغيب عن البال مواقف أبى حنيفة ومالك ابن أنس وثمامة ابن الاشرف وهشام ابن الحكم وابو العلاء المعرى وغيرهم من رجال التاريخ الاسلامى ممن لا يحصون عددا ؟ كما لا يغيب عن البال موقف غاليليو وديكارت وبيكون وجان جاك روسو وأمثالهم ممن أعلنوا عن آرائهم بكل جرأة وشجاعة .

وبالجملة فان الحديث عن النوابغ الذين ساهموا فى نشر الحقائق العلمية والاقتصادية والسياسية طويل متشعب يزداد به عقل الانسان استنارة والذهن تفتحا كلما تعمق فى آثارهم القيمة .

اشترك في نشرتنا البريدية