الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

كيف عرفت ماسينيون

Share

ترجع معرفتى بالفقيد الى صائفة 53 ببغداد يوم كنت طالبا بجامعتها, وقد جاء ماسينيون لالقاء محاضرة فى الفتوة العراقية بالمعهد الفرنسي هناك . وفى شتاء 56 اتصلت به فى بيته شارع مسيو   Rue Monsieur للاستفسار عن بعض شخصيات تتعلق بالموضوع الذى اخترته لاطروحة لدكتوراه ، فكان ماسينيون يعرف عن مالكية العراق اكثر مما يعرفه اى مالكى معاصر ، لاسيما وان القاضى الذى حاكم الحلاج هو مالكى ، الامر الذى حمله على ان يدرس المالكية بالعراق ، واستمرت زيارتى له أيام الآحاد لا للحديث عن المالكية فى الشرق ، بل لان الرجل كان عبارة عن معلمة سياسة معاصرة, فاذا جئته وألقيت عليه سؤالا فى التاريخ أو التصــــوف أجاب وأفاض لكنه سرعان ما ينتقل الى الشرق ومشاكله ولورانس ، والانجليز ، والملك فيصل وعبد الله والشريف حسين ، والكرم العربى والشهامة العراقية ، والنكسة التى اصابت الفكر العربى منذ اتصاله بالاتراك ، وكانت أحاديثه تتكدس فيها المعلومات والآراء العميقة فمرة يحدثك عن صوفية الحلاج المسيحية مقارنا بينها وبين زهد الترابيست   Les trappistes    ثم يعود الى خجله من الشرقيين العرب الذين وعدهم بوعود لم يوف لهم بها ساسة فرنسا فى ذلك العهد ، وانقلابه على ساسة فرنسا متهما اياهم بالسفه والجشع الاستعمارى والكذب السياسى . ثم يدخل فى موضــــــوع حقيبته وكيف سرقت له فى دمشق ثم ارجعت بدون ان ينقص منها شئ سوى علامة بالاحمر وضعت تحت جملة من تقرير سرى كتبه لوزارة الخارجية ، وكان الكومندان كاترو اذذاك حاكم دمشق العسكرى وكان يكره ماسينيون حتى انه بعد هذه الواقعة اشترط على الفقيد ان لا يأتيه ومعه حقيبة . هكذا كان المأسوف عليه يحدثك عن نشاطه السياسي والعلمي أيام كان يشتغل بالسياسة بصراحة قل أن تجدها عند غيره ، وكان بحب العرب والعربية ويعترف فى تواضع للعلماء الكبار اذا سألوه عن شئ لا يعرفه فلا يتظاهر بالمعرفة وهو لا يعرف . كان ماسينيون مثالا فى ذكائه وعلمه ، صريحا واثقا من شخصيته لا يرهب أحدا اطلاقا فاذا أراد ان يقول رأيه فى شخص مهما كانت قيمته قال بدون ان يتلكأ أو يخاف . وهو النصير

الشجاع للقضية العربية فلقد ساند سوريا بارائه الجريئة فى كفاحها ومن بعدها تونس والمغرب والجزائر ، الامر الذي جلب له عداوة المتطرفين المتنطعين واعتدائهم عليه في بعض محاضراته ، وكان يرى فى القضية الفلسطينية قضية عربية عادلة وكثيرا ما يواسى المنكوبين من أبناء فلسطين فيزورهم فى مخيماتهم ويدعو لهم في صلواته . والى جانب هذا كان ماسينيون مسيحيا عاملا ذا عقيدة حارة يرى مبادئ السيد المسيح عليه السلام ويحاول جهده تطبيقها فى كل نواحى حياته ، وكان المستشرق الوحيد الذى لا يحمل فى نفسه على العربية العرب ولا يلمز جانبهم ، بل يتنبأ بمستقبل زاهر ونهضة عربية فاذا زرته قانطا حانقا خرجت من عنده والامل والحبور يملآن جنبيك ، فلا أظن أن ماسينيون ترك في المستشرقين من هو مثله ، اللهم الا العلامة جيب  Gibb  الانكليزى الذى يرى ما يراه ماسينيون وسلوكه لا يختلف كثيرا عن سلوكه ما عدا الشجاعة التى امتاز بها الفقيد . والشرق لا شك يعترف بمزايا هذا الراحل الكبير كما يعترف بمزايا امثاله من العلماء أمثال سيديو و نيكولسون  ولوبون وجولدزيهر وبروكلمان وسوفاجى وبروفنسال لكن ماسينيون اكثرهم نبلا واكرمهم اخلاقا واصدقهم قولا ، اما الاب ويليــــــام فقد رزئت فيه تكرونة وحدها ( 1 ) .

فالى اصدقاء الراحل وتلاميذه عزاء ، فقد كان جديرا بكل احترام واكبار .      لموت ماسينيون خسارة للشرق العربى قبل ان يكون خسارة لفرنسا فى وقت قل انصار هذا الشرق فى هذا البلد . كان وحده يجاهر بمزية الحضارة العربية على حضارة اوروبا . قال لى مرة لولا الحروب الصليبية لبقيت اوروبا تغط فى نومها الى اليوم . ولولا الاندلس لما وجد ادب فرنسى فى العصر الوسيط ، ولولا الفقه المالكي لما وجد بفرنسا قانون مدني له سمعته ، ولولا العرب لاندثرت آراء أرسطو وأفلاطون وطاليس وأضرابهم . ان رجلا يعترف بكل هذا ويكرس حياته لخدمة العرب والعربية لجدير بكل اعتبار . فلينم ماسينيون ، فنحن دائمو التفكير فيه لاهجون بمزاياه حافظون لحقوقه معترفون بما اسدى لنا .

اشترك في نشرتنا البريدية